«داعش».. الطريق إلى «إمارة سرت»

رسم الظهور الأول في أبريل 2014 بـ«درنة»، وإعلان مولد التنظيم رسميًا باستعراض عسكري في يناير 2015، وما أعقب ذلك من سيطرة وإقامة محاكم خاصة، دلائل في طريق تنظيم «داعش» إلى مدينة سرت، مستغلاً كل الفرص للتمدد والاتساع في باقي ربوع الوطن. جريدة «الوسط» تتبعت مسار تلك الطريق التي عُبدت بالدماء والإرهاب والتفجيرات والمعارك.

وخلال 19 شهرًا أصبح تنظيم «داعش» ملء السمع والبصر، فلا تكاد تخلو وسيلة إعلام أو نقاش سياسي عربي أو دولي من ذكر جرائمه.. التنظيم الذي خطَّ اسمه بدماء الأبرياء، لا يزال يبحث عن موطئ قدم له في شمال أفريقيا ونواة لتكوين دولته المزعومة، وكانت «سرت» هي البداية.المدينة ذات التاريخ الثقافي والتراثي الكبير، التي عُرفت قديماً بـ«خليج التحدي»، تواجه تحديًا قاسيًا مع جماعة دموية، حطت رحالها فيها، بحثًا عن نقطة انطلاق لنشر الفوضى متدثرة براية دولة الإسلام.

«أنصار الشريعة».. ضربة البداية
قبل ظهور ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية» المعروف اختصاراً باسم «داعش» في مدينة سرت، مسقط رأس العقيد معمر القذافي، كان تنظيم «أنصار الشريعة» الذي تأسس في أبريل من العام 2012، أي بعد عام تقريباً من أحداث فبراير التي أطاحت نظام القذافي، هو «الميليشيا» الإسلامية الوحيدة الموجودة والمسيطرة على المدينة، حيث ضم التنظيم عناصر من عدة دول أبرزها تونس، ورفع شعار «تحكيم الشريعة الإسلامية».

ويعتبر تنظيم «أنصار الشريعة» في كل من ليبيا وتونس تنظيماً واحداً من حيث الأفكار المتطرفة، والتنسيق العملياتي والدعم المالي واللوجيستي، وولاءهما لـ «داعش»، لكن الأرجح أن التنظيم كان يمول نشاطاته من خلال عمليات القرصنة قبل وصول البحريني تركي البنعلي إلى مدينة سرت، الذي اعتبرته مصادر في حديث إلى «الوسط» الزعيم الروحي لـ «داعش» بالمدينة.

ويفسر مصدر مطلع على شؤون الجماعات الإسلامية في ليبيا، في تصريحات إلى «الوسط»، سبب تغلغل التنظيم في سرت، بردود فعل بعض السكان إزاء الانتهاكات التي تعرضت لها التركيبات الاجتماعية بعد فبراير 2011، إلى جانب غياب الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت، وعدم شعور السكان بالأمان، وانتشار التشكيلات المسلحة التي اُتًّهمت بانتهاك حرمة البيوت، إضافة إلى عمليات الخطف بحسب الهوية، مما أدى إلى خلق مناخ ملائم لتنامي التنظيم في ما بعد.

ويرى المصدر نفسه، أن ما يقال عن انخراط بعض الموالين للنظام السابق في صفوف «داعش» يعود إلى سببين رئيسين، أولهما: اعتقاد البعض منهم أن ذلك سيوفر لهم الأمان والحماية من الكتائب المسلحة، التي كانت موازية للأجهزة العسكرية والأمنية، وثانيهما، أن هؤلاء يرون في وجودهم تحت عباءة «داعش» فرصة قد تمكنهم من الانتقام ممن يعتقدون أنهم السبب في اضطهادهم والحالة التي صاروا عليها.

عودة المقاتلين من العراق وسورية
خلال العام 2012، تمركزت الكتائب التابعة لـ «أنصار الشريعة» في مدينة سرت، وكانت قبل ذلك تتخفى تحت مسمى «اللجنة الأمنية العليا»، ويرأسها المدعو أحمد التير المكنى بـ«أبوعلي» الذي قُتل في اشتباكات مع كتيبة «شهداء الزاوية»، التابعة للعقيد بوحليقة العرفي.

قبل أن يظهر تنظيم «أنصار الشريعة» بشكله الحالي، كان قد شكل كيانات موازية لكل من الجيش والشرطة، ممثلة في «الدروع»، و«اللجنة الأمنية العليا»، وخصص لها موازنة ومرتبات مرتفعة، في الوقت الذي كان فيه الجيش غائباً، وإن وجدت بعض عناصره فهي لا تتقاضى رواتبها.

ويرى كثيرون من متابعي الشأن الليبي أن هذه الجماعات تعززت بجيل من «الأصوليين»، الذين غادروا ليبيا لغرض «الجهاد» في العراق العام 2006، وسورية في السنوات الثلاث الأخيرة.غير أن «داعش» هو الأكثر وعياً بين أقرانه من الجماعات المتشددة في العقود الماضية، بحسب ما أكده المصدر، فهو متفوق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويتميز في الوقت نفسه بشراسة الأساليب والبراعة في جمع التبرعات.

وأضاف الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، أن التنظيم في ليبيا لا يشكل خطراً حقيقياً مثل الذي تصوره وكالات الأنباء العالمية حتى الآن، وإنه لا يزال يعتمد في عمله على الإعلام والتجنيد ويظهر ذلك جلياً بهوس التنظيم في تعاطيه الإعلامي بعد السيطرة على إذاعة سرت وقناة «مكمداس» ومكتب قناة «ليبيا الوطنية» بالمدينة.

فقد بات تنظيم «داعش» مكتفياً ذاتياً من الناحية الإعلامية، إذ لا يحتاج إلى صحفيين يرصدون أحوال مقاتليه، بعدما أنشأ وسائل إعلام بديلة تتحدث لغته وتستخدم مفرداته، ولا تخضع لفلترة بعد إعدادها، تحت إشراف «أبورحيم الليبي» الذي يعتقد أنه المسؤول الإعلامي لتنظيم «داعش» في ليبيا.

مصادر التمويل
تنظيم «الدولة الإسلامية» لم يكن له وجود في سرت حتى العام 2014، بحسب ما أكدته مصادر مطلعة على شؤون الجماعات المتطرفة بمدينة سرت لـ «الوسط».

وأن مسألة توفير التمويل اللازم للعمليات الإرهابية، فضلاً عن الاحتياجات اليومية لأعضائه من أكل وشرب وملابس وتدريبات قتالية ومرتبات، جرى تدبيرها عبر عمليات السطو على المصارف، حيث كان أول وأكبر تلك العمليات، السطو على سيارة نقل أموال مصرف ليبيا المركزي في مدينة سرت خلال أكتوبر العام 2013، وبلغ حجم الأموال المستولى عليها قرابة 53 مليون دينار ليبي و12 مليوناً أخرى من النقد الأجنبي.

فور وقوع الحادث، تكرر الحديث عن ضرورة معرفة الجهة الفاعلة، وتحديد مكان وجود الأموال، وأشارت بعض المصادر إلى تورط تشكيل مسلح محسوب على جهة متطرفة في عملية السطو، ووعد المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته) بكشف التفاصيل، ثم جرى التكتم علي القضية بأكملها، ولم يعد لها ذكر ولم تكشف نتائج التحقيق فيها حتى الآن.

السطو المتكرر
في 26 مايو العام 2014، أكد مدير مصرف «الصحاري» فرع سرت، مفتاح محمد معيقل لـ «الوسط»، أن سيارة «كامري» تقل خمسة مسلحين ملثمين، استولوا على شاحنة نقل أموال بها مليون ونصف المليون دينار ليبي، كانت في طريقها من مصرف التجارة والتنمية في سرت، إلى مصرف الصحاري، موضحاً أن تلك العملية هي الرابعة من نوعها في سرت التي قيدت ضد مجهول.

وكانت الحادثة الأبرز في سلسلة السطو على البنوك، هي تعرض مصرف الجمهورية فرع سرت، للسرقة يوم 22 نوفمبر، وتمكن خلالها اللصوص من نقل خزانة المصرف بالكامل.

أيضاً، في التاسع من يوليو العام 2014، سطا مسلحون مجهولون على سيارة نقل أموال من فرع المصرف التجاري الوطني في مصراتة، كانت في طريقها إلى فرع المصرف في سرت، وسرقوا ما يقدر بمليون ونصف المليون دينار، ولاذوا بالفرار، كما تعرض مصرف «شمال أفريقيا» وسط سرت، في 10 يوليو 2014، إلى عملية سطو مسلح نفذها مجهولون.الظهور الأول لـ«داعش»

شهدت مدينة درنة في أبريل 2014 أول ظهور لتنظيم «داعش» في ليبيا، قبل أن يتمدد إلى سرت بعدها بأشهر قليلة، حيث سيطر على مسقط رأس القذافي لأسباب عدة، أبرزها الانشقاقات في تنظيم «أنصار الشريعة» الموالي لـ«القاعدة»، والتسويات التي توصل إليها التنظيم مع القبائل المحلية، فضلاً عن انضمام بعض أنصار القذافي في سرت إلى «داعش».

لكن التنظيم لم يعلن عن نفسه إلا في 31 يناير 2015، بعد أن تناقلت حسابات تابعة له على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لما سمته «استعراضاً» عسكرياً لقوات التنظيم في سرت، وأظهرت الصور رتلاً لسيارات عسكرية تحمل مسلحي التنظيم في ما بدا استعراضاً عسكرياً، دفع ثمانين عائلة من مدينة سرت للنزوح إلى مدينة مصراتة، بحسب رئيس مكتب الإعلام بمجلس مصراتة البلدي رمضان معيتيق غير أن التنظيم، كما يرى مراقبون، أعلن عن نفسه في الصحاري المجاورة لبلدة النوفلية شرق مدينة سرت، التي كان يهيمن عليها تنظيم «أنصار الشريعة» وكتائب الدروع التي تقترب فكرياً من أفكار تنظيم «القاعدة».

عقب شيوع نبأ العرض العسكري لـ«داعش»، ودخولهم بلدة النوفلية بثلاثين سيارة في فبراير الماضي، بقيادة علي قعيم المكنى بـ «أبوهمام»، الذي بايع التنظيم في سورية، انضمت عناصر عديدة إلى التنظيم، الذي تمدد نفوذه على حساب تنظيم «أنصار الشريعة» بل واضطر أميرها السابق «غيضان النوفلي» إلى الانعزال أغلب وقته خارج البلدة، قبل أن يسيطر «داعش» على قاعات واجادوجو ويظهر بشكله العلني الحالي.

وقد أقام التنظيم تمركزاته الأولى في شهر مارس 2015 بالقرب من منطقة الزعفران الواقعة غرب مدينة سرت، بنحو سبعة كيلو مترات، وفي منطقة الجيزة العسكرية الواقعة شرق المدينة بجوار جامعة سرت، قرب مجمع قاعات واجادوجو.

هيكل التنظيم وأبرز قياداته
محمد النوفلي، أحد المنتمين للتيار السلفي الجهادي في مطلع التسعينات، كان قد أكد في لقاء سابق مع مراسل «الوسط»، أن تنظيم «داعش» مر بأطوار مختلفة في مدينة سرت، حتى أصبح على شكله الحالي، وذلك قبل أن يعلن أنه جزء مما يعرف إعلامياً بـ «دولة الخلافة ».

ويصف النوفلي التنظيم بـ«الظاهرة التي ساهم الإعلام العربي والأجنبي المغلوط في تفشيها». مضيفاً: «نجح داعش في وضع نظام سياسي واقتصادي ممثل في أشخاص وهيئات، أسبغ عليهم لقب الدولة وولاياتها، وأقنع اتباعه بضرورة القتال من أجل بقاء هذه الدولة، وجند وجذب عناصر من مشارق الأرض ومغاربها».

وأشار النوفلي، إلى أن «المجريات الدولية في سورية والعراق كانت ستسهم حتماً في تدحرج البرميل المتفجر صوب ليبيا، كما كان الأمر عليه من القوات الفرنسية في مالي، التي ساهمت في انتقال كثير من المقاتلين الى ليبيا».أحد كوادر تنظيم «داعش» كشف في تصريحات حصرية إلى «الوسط»، الهيكل التنظيمي لما يعرف بـ«الدولة الإسلامية» في مدينة سرت، قائلاً: «التنظيم يعتمد هيكلية هرمية على رأسها (والي) داعش في سرت، وللتنظيم هيئات ومجالس منها العسكري والتشريعي، والأخير هو مصدر القرارات وواضع السياسات العامة».

وأضاف: «يقسم داعش دائرة نفوذه إلى دوائر وولايات ومناطق إدارية»، كاشفاً عن أن أمير التنظيم في مدينة سرت، يدعى «أبو عامر».

وحول أبرز قيادات التنظيم، أكد المصدر: «إن الوالي هو أبو عامر، وأمير المحكمة أبو عمر التونسي، وأعضاء المحكمة هم القضاة وليد الفرجاني وفوزي محمد العياط وآخران ليبيان من مدينة سرت».

وأضاف: «مسؤول الشرطة الإسلامية هو أبو حمزة المصري، والمسؤول العسكري هو أبو سلام الليبي، ومسؤول الحسبة هو أبو عبدالله المصري، ومسؤول الاستتابة يدعى أبو حفص التونسي، فيما يقتصر دور حسن الكرامي المكنى بـ(أبو معاوية)، على الدروس والخطابة والاستتابة، وليس كما يشاع بأنه والي تنظيم (داعش) في سرت».

خطف وقتل
ساهم تدهور الأوضاع الأمنية، في ارتفاع جرائم الخطف في مدينة سرت وتطور أساليبها، وعثرت الأجهزة الأمنية في مدينة سرت في مارس 2014 على جثة مواطن عراقي مسيحي الديانة يدعى أنديسون كارخا (54 عاماً)، يعمل عضواً بهيئة التدريس بكلية الطب البشري بجامعة سرت، مقتولاً داخل سيارته بالقرب من حي الدولار وسط المدينة.

كما قتل السويسري مايكل جونس، وهو رئيس وفد فرع اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر»، بالرصاص في 4 يونيو العام 2014 في سرت، وزادت وتيرة عمليات الخطف والقتل بالمدينة بشكل لافت في أواخر العام 2014.

ويرى البعض أن الفراغ الأمني في مناطق معينة تسبب في ظهور تلك التنظيمات، وهو ما أشار إليه رئيس المجلس المحلي في سرت عبد الفتاح محمد السيوي، مؤكداً أن مدينة سرت شهدت في شهر نوفمبر الماضي تردياً في الأوضاع الأمنية ساهم في تنامي عمليات القتل والخطف.

كما تبنى تنظيم «داعش»، في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي، مقتل 14 فرداً من الكتيبة 136 مشاة «كتيبة الجالط»، أثناء حراستهم المحطة البخارية غرب سرت، بالإضافة إلى مقتل أربعة آخرين نقلت جثثهم إلى مستشفى «ابن سينا».

وفي تطور آخر خطف تنظيم «داعش» في سرت سبعة أقباط مصريين بالقرب من بوابة استيقاف تابعة للتنظيم في شهر ديسمبر العام 2014، فيما تزامن في الشهر نفسه قتل الطبيب المصري مجدي صبحي توفيق وزوجته وخطف ابنتهما في منطقة جارف، بالإضافة إلى حادثة ذبح 21 قبطياً في الخامس عشر من فبراير العام 2015، مما دفع يومها بـ 25 ألفاً و529 مواطناً مصرياً للعودة إلى بلادهم، بحسب بيان للخارجية المصرية.وتزايدت عمليات الخطف وترويع سكان مدينة سرت من قبل مسلحي «داعش» خلال شهر يوليو الماضي، وقال صحفي لـ «الوسط»، إن مسلحي «داعش» أقدموا على تفجير 12 منزلاً بمنطقة السواوة في سرت خلال الشهر نفسه، فيما يتجول عناصره في شوارع المدينة بزيهم الخاص، ويرفعون رايات التنظيم السوداء في شكل استعراضي.«داعش» يطلب الفدية 

شهود عيان، حضروا خطبة الجمعة في بلدة النوفلية، قالوا لـ «الوسط» إن خطيب المسجد المحسوب على تنظيم «داعش» قال: «إن عدداً من سكان بلدة هراوة (70 كلم شرق سرت) أرسلوا وبمعرفة أعيان من مدينة سرت، وفداً إلى ما سماه «الوالي» لغرض التصالح مع التنظيم».

وذكر الشهود نقلاً عن خطبة إمام «داعش»، أن التنظيم طلب منهم تنفيذ عدد من البنود في مقابل التصالح، أهمها تسليم ما في حوزة سكان بلدة هراوة من أسلحة، ودفع فدية يتفق على قيمتها على قتلى «داعش» في بلدة هراوة، وتسليم عدد من المطلوبين، على خلفية مقتل عدد من عناصره في اشتباكات ببلدة هراوة. وهو ما ذكرته مصادر متطابقة من بلدة هراوة يوم 31 مايو 2015، من أن التنظيم طلب دية من أهالي البلدة عن 23 من قتلاه، كما أهدر دم محمد الزادمة أحد منتسبي الكتيبة «166» التابعة لقوات «فجر ليبيا» ورفاقه من المنطقة، «لأنهم شاركوا في القتال ضد التنظيم في سرت» بحسب أحد المصادر.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه لدواعٍ أمنية، لـ «الوسط»: «إن التنظيم طالب باستتابة الشباب الذين شاركوا في أحداث هراوة الماضية»، وقال: «داعش ذكر أن لديه قائمة بأسمائهم»، متوعداً «بإهدار دم مَن لم يتب إلى الله»، موضحاً: «إن عدداً من مشايخ هراوة فاوضوا التنظيم عن مبلغ الدية، لأنهم لا يملكون المبلغ المطلوب، لكنهم أكدوا للتنظيم أنهم سيجمعون مبلغاً لدفعه لهم، ووافق داعش على ذلك».

الاستتابة قبل البيعة
ظاهرة الاستتابة التي أعلنها «داعش»، بدأت بمدينة سرت في الرابع عشر من فبراير 2015، حيث نشر أتباع التنظيم صوراً لما قالوا إنها «استتابة 42 مواطناً من أفراد وزارة الداخلية الليبية» في سرت، وتظهر الصور، التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، عناصر الشرطة يعلنون توبتهم على الملأ في مسجد «الرباط الأمامي»، الذي وصفه التنظيم بـ«العودة من الردة والكفر البواح».

وقام التنظيم بخطوة مشابهة في بلدة النوفلية في الشهر ذاته، حيث طلب من سكانها التوبة عما وقعوا فيه من «كفر وردة» بحسب بيان للتنظيم. وطالب أحد زعماء «داعش» بمدينة سرت ويدعى أبو محمد الفرجاني في الشهر نفسه، مسلحي مدينة مصراتة بـ «إعلان توبتهم ورجوعهم إلى الله والمبادرة بمبايعة أبو بكر البغدادي».

وتوعد الفرجاني في فيديو تداولته صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، مَن وصفهم بـ «جيش الصحوات وأبناء الصليب بالذبح قصاصاً شرعياً».

وقال مصدر من داخل بلدة هراوة اتصلت به «الوسط» عبر هاتف الثريا، أن خطيباً من تنظيم «داعش» طلب في خطبة الجمعة يوم الخامس من يونيو الماضي، في مسجد هراوة من سكان البلدة «الاستتابة» باعتبارها الخطوة التالية لمبايعة التنظيم.وبهذا بات التنظيم يسيطر على مساحات شاسعة في المنطقة الوسطى تقترب من 140 كيلومتراً طولاً، بعد أن دفع الخوف ونقص السلاح والتجهيزات والتهجير بعض القرى والمناطق، إلى التفكير في التفاوض مع «داعش» ومبايعته، فيما توقع مطلعون يومها أن تحذو قرى وبلدات واقعة على الطريق الساحلي ما بين النوفلية وسرت، حذو بلدة هراوة ومن تلك القرى أم القنديل، وأم الخنفس، وبوسعدة و«90».

الهلال النفطي
أهمية بالغة يوليها تنظيم «داعش»، لبلدة هراوة، حيث مكنه موقعها من التقدم شرقاً باتجاه منطقة السدرة «الهلال النفطي»، أو غرباً باتجاه مدينة مصراتة، وبالتالي فإن السيطرة عليها يضمن للتنظيم بسط سلطته على كل القرى والبلدات الواقعة من النوفلية إلى حدود مدينة سرت الغربية. وقد سعى التنظيم في التوسع ناحية الغرب، بالعملية التي قام بها في يونيو الماضي واستهدفت بوابة أبو قرين.

التوسع نحو الغرب
تقارير إخبارية، كشفت أن التفجير الانتحاري الذي استهدف «بوابة الدفنية» غرب مصراتة، له طابع رمزي، وأسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ستة آخرين، وتبناه التنظيم يوم 31 مايو الماضي: «له طابع رمزي، فقد استهدف الطريق الرابط بين العاصمة (طرابلس) ومصراتة التي تعد أكثر مدن ليبيا أمناً».

ولفتت التقارير الانتباه، إلى أن تنظيم «داعش» يتمركز شرق مصراتة وليس غربها، وهو ما يشير بدوره إلى أن «ثمة خلايا للتنظيم داخل طرابلس نفسها»، معتبرة أن التفجير دفع «حكومة طرابلس» إلى إعلان النفير ضد التنظيم الذي يمثل خطراً داهماً على البلد.

وأكد تقرير لجريدة «لوفيغارو» أن الأسلحة التي وصلت إلى عناصر التنظيم «جاءت من البحر»، مما جعل مصراتة «تجهد عبثاً لاحتوائه، لأنه استقوى أكثر من اللازم».

العامل الأبرز في تأجيج الصراع بين سكان مدينة سرت والتنظيم الإرهابي، هو صدور حكم الإعدام على عدد من مسؤولي النظام السابق في الثامن من أغسطس الجاري، وكانت بوادر أولى المواجهات، مع تفريق مسلحي تنظيم «داعش» تظاهرة نسائية خرجت في حي الرباط، وأخرى للرجال والشباب، بإطلاق النار في الهواء وتهديد المتظاهرات بالقبض عليهن.

وهدد حسين الكرام» الملقب بـ«أبومعاوية»، أحد خطباء تنظيم «داعش»، الأهالي، بـ «القتل وحز الرؤوس حال خروجهم ضد المجاهدين»، مضيفاً أن التنظيم جهز «المفخخات والانغماسيين لقتال المرتدين».

ملامح الصراع
الصراع بين الفصائل الإسلامية المتنوعة داخل مدينة سرت، وعلى رأسها تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش» والجماعات السلفية من ناحية أخرى، هو «صراع هيمنة»، فكل تنظيم يسعى لاجتثاث كل مَن يقف أمامه ويحول دون تحقيق أهدافه، حيث سبق أن حذرت مجالس شورى المجاهدين في عدد من المدن وتنظيم «داعش»، من حركة السلفيين التي يصفونها بـ «المرجئة». وهو ما يقف وراء اغتيال شيخ السلفيين في سرت، خالد بن رجب الفرجاني، في الحادي عشر من أغسطس الماضي.

المزيد من بوابة الوسط