آثار شحات تحت تهديد البشر والبيئة

تتعرض المواقع الأثرية والتاريخية المنتشرة في مدينة شحات وضواحيها في الآونة الأخيرة إلى اعتداءات متزايدة، مما شكل خطرًا على مصير هذه المواقع إذا بقي الأمر على هذا الحال.

وتنقل العديد من الصحف العربية والأجنبية أخبارًا عن تهريب قطع أثرية من ليبيا نسبت العديد منها إلى شحات، وهو ما نفاه رئيس مصلحة الآثار لدى الحكومة المؤقتة أحمد حسين في حديثه مع «بوابة الوسط» قائلاً: «القطع الأثرية موجودة في المخازن والمتاحف، وهي في أماكن آمنة ولم تسجل أية عملية تهريب بها، وهذا لا يعني بأن الأخبار كاذبة جملةً وتفصيلاً، بل إنَّ القطع المشار إليها في الأخبار تُهرب عبر الحفر السلبي الذي يحدث في عدة مناطق خصوصًا أثناء الليل، وهو أمر من الصعب السيطرة عليه في الظروف العادية فكيف لنا السيطرة عليها في ظروف ليبيا الراهنة، كما أن لحرس الجمارك في الموانئ والمنافذ البرية دورًا في ضبط القطع المهربة، وخاطبنا وزارة الداخلية عدة مرات بتعيين أفراد تابعين للمصلحة في المنافذ، لوقف عمليات التهريب».

«قوريني» مهددة
يقول أستاذ إدارة وحماية التراث الليبي الدكتور أحمد عيسى فرج لـ«بوابة الوسط»، إنَّ التهديدات والتحديات متزايدة على موقع «قوريني» الأثري، خصوصًا بعد أن سجلت لجنة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو ملاحظتها منذ سنوات طويلة، مطالبة السلطات الليبية ببذل المزيد من الجهود لحماية موقع «قوريني» ودعمه وتقويته.

وأرجع عيسى أسباب التهديدات التي يتعرض لها الموقع إلى عاملين أساسين، أولها العامل الطبيعي كالمناخ والبيئة المحيطة، وثانيها العامل البشري المتمثل في ضعف الإدارة وجمودها ومركزيتها، موضحًا «يوجد في ليبيا مصلحتان تتعلقان بالآثار الأولى في شحات وهي حديثة المنشأ، والثانية بطرابلس، وعمرها فاق 100 عام لكنها لم تستطيع أن تطور من أدائها وما تزال تدير الآثار والتراث في 2015 بذات الأسلوب الذي أسست به في الخمسينات من القرن الماضي".

وقال عيسى إن ما يتعلق بالعمل البشري يأتي تحته أيضًا قصور القانون الذي يعاني الضعف خاصة فيما يتعلق بالملكية وبالعقوبات التي تترتب على الجرائم التي ترتكب في حق الآثار، ويأتي كذلك الزحف العمراني ومشكلة الملكية للأراضي التي تحوي الآثار، وعدم التزام البعثات الأجنبية بالشروط العلمية لأعمال الحفر والترميم، واستخدام تقنيات ومواد غير مناسبة في الترميم وإعادة البناء، ثم يأتي سوء تعامل بعض السواح مع الآثار، بحسب قوله.

ويرى عيسى أن كافة هذه التحديات تحدث لعدة أمور مركبة يمكن أن تلخص في القضية الملكية، إذ «عبر سنوات طويلة كان الاستيلاء على الممتلكات والأراضي في كثير من الأحيان دون أي تعويض، ولما يكن الناس قادرين على المطالبة بالأرضي التي تعود لملكيتهم (وفق الأعراف القبلية)، وبعد ثورة فبراير كانت ردود الفعل قوية اتجاه ذلك، فقد ساد اعتقاد لدى كثير منهم بضرورة استرداد أملاكهم بسبب أحقية الملكية لهم، دون أي اعتبار للقانون أو لسلطات مصلحة الآثار، وأصبحت المواقع الأثرية وحتى الآثار المنقولة شكل من أشكال الغنائم».

الفصل بين مصلحة الآثار ومراقبة الآثار
وقال رئيس مصلحة الآثار الدكتور أحمد حسين خلال لـ«بوابة الوسط»، إنَّ وجود مصلحة الآثار في شحات لا يعني بضرورة توجيه جل اهتمامها لها وعدم النظر إلى المدن الليبية الأخرى، مشيرًا إلى أنَّ أكبر الاعتداءات تحدث في نطاق مراقبة آثار شحات التي من المفترض بدورها أن تبلغ الجهات الرسمية المتمثلة في الشرطة السياحية ومديرية الأمن للحد من الانتهاكات.

وأضاف: «لا بد من الفصل بين مهام مصلحة الآثار كمؤسسة تصنع السياسات العامة لحماية الموروث الثقافي في ليبيا، وبين مراقبة الآثار التي تؤدي دور حماية الآثار التي تقع في نطاق عملها ورصد الاعتداءات التي تطرأ بها ومتابعتها».

من جهته قال أستاذ في إدارة وحماية الآثار، الدكتور أحمد عيسى خلال حديثه، إن مراقبة آثار شحات تعد الجهة الرسمية التي تشرف على الآثار في المنطقة الممتدة من منطقة البياضة غربًا إلى الحدود الليبية المصرية شرقًا وجنوبًا، حتى منطقة الجغبوب وتدير هذه المساحات الواسعة عبر عدة مكاتب متمثلة في مكتب آثار سوسة والبيضاء ودرنة وطبرق والجغبوب.

وقال حسين إن هذه الإدارات نجحت إلى حد ما في حماية التراث والآثار، إلا أنَّ حجم وشكل التحديات صار أكبر بكثير من قدراتها خاصة مع تدهور الأوضاع الأمنية وعدم اكتراث المواطنين والجهات الرسمية (الإدارية والأمنية) بالمراسلات والمكاتبات، التي تواجهها المراقبة لها للوقوف ضد التعديات.

الحلول مقترحة
ويضيف عيسى أن الحل يكمن في معرفة التهديدات التي يتعرض لها الموقع وتصنيف تأثيرها ومدى خطورتها ولإيقاف تأثيرها عبر عدة إجراءات وتحوطات بسيطة مثل: إنشاء أغطية، بمواصفات عالية لحماية الآثار الضعيفة من عوامل الطبيعة، وتقوية السياج لمنع الحيوانات من العبور للموقع، والتنظيف الدوري والمتابعة المستمرة للموقع ورصد التغيرات التي تحدث به.

وقال رئيس مصلحة الآثار إن تعاونًا يجري خلال هذه الفترة مع منظمة اليونسكو لحماية المواقع الأثرية من خلال إنشاء سياج معدني وتركيب أنظمة مراقبة ومتابعة، وأيضًا المراقبة عبر الـ«ستلايت» للمواقع الأثرية غير أن انتشار السلاح في ليبيا حال دون ذلك من وقف هذه الاعتداءات، فلا المراقبة ولا المصلحة لديها قوة لردع هؤلاء المنتهكين، إذ يستكمل الآن الإجراءات مع المنظمة وسيتم مخاطبة الشركات المختصة للبدء في عملها في فترة ما بين شهريي سبتمبر وأكتوبر المقبلين.

ويرى حسين أن للقبائل دورًا في حل المشكلة «فهم يعتبرون وسيلة ضغط على المعتدين وبنظري هم جزء من الحل وأيضًا جزء من المشكلة في نفس الوقت»، ونعول عليهم بأن يكون لهم دور بارز في التدخل للحد من الانتهاكات التي تقع في عدة موقع هامة بليبيا».

واختتم حديثه قائلاً: «سيكون بعد شهر رمضان لمصحة الآثار دور كبير في شحات لوقف الاعتداءات، والبدء فعليًا في حماية المواقع والاهتمام بها بكافة الإمكانات، لأن الوقت ينفد ولن نسمح لهؤلاء بإزالة الحضارات».

المزيد من بوابة الوسط