تقرير أممي: المدنيون يواجهون الخطف والتعذيب على يد المسلحين في ليبيا

قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن وثائقًا تتضمن شهادات وأدلة رسمية لديها، تؤكد تعرض مدنيين في ليبيا للاعتقال من منازلهم وأماكن عملهم أو عند نقاط التفتيش أو الطرق العامة بعد التحقق من هويتهم على يد المجموعات المسلحة، مضيفةً أن هؤلاء يتعرضون لخطر التعذيب والمعاملة السيئة وكثيرًا ما يحرمون من الاتصال بعائلاتهم، وأن بعضهم توفي أثناء الاحتجاز وربما تم إعدامهم دون محاكمة أو تعذيبهم حتى الموت.

وفي تقرير لها نُشر بموقعها اليوم الجمعة، قالت البعثة الأممية إنه وفقًا للوثائق، استمر خطف المدنيين منذ تصاعد الصراع المسلح في عام 2014، ولكنه اشتعل في غرب ليبيا منذ اشتداد القتال على مشارف العاصمة في مارس 2015.

وأوردت البعثة حالات الخطف التي سجلتها وفق الآتي:

غرب ليبيا
قال البعثة إن المجموعات المسلحة المتحالفة مع «فجر ليبيا» وكذلك معارضيها الذين يدعمون «عملية الكرامة»، نفذوا عمليات خطف انتقامية ضد المدنيين بهدف تأمين عمليات تبادل الأسرى المقاتلين والمدنيين الذين قام الخصوم باحتجازهم.

وأضافت أن من بين الضحايا الذين تم إبلاغ البعثة عنهم 10 رجال على الأقل وطفل واحد تم خطفهم من غريان وهم حاليًا محتجزون في الزنتان، ويبدو أن احتجازهم تم بدون أي أساس قانوني أو أي دليل على تورطهم في المواجهات المسلحة، ومن بين الضحايا أحمد عبد السلام الأطرش الذي وردت تقارير عن القبض عليه في وادي الحي يوم 25 مارس وهو في طريقه إلى غريان مع أحد العمال ومالك المنزل الذي كانوا في طريقهم لإصلاح أضرار به. وتفيد التقارير، وفق البعثة، أن الثلاثة محتجزين في سجن المنارة في الزنتان بدون تهمة.

كما قامت المجموعات المسلحة في غريان، وفق البعثة، بخطف مدنيين على أساس أصولهم. فعلى سبيل المثال في 10 أبريل تم خطف هيثم صهبي، شقيق عضو مجلس النواب الليبي عن الرجبان صلاح صهبي، من قبل مجموعة مسلحة أثناء محاولة شراء وقود في غريان. ويعتقد أنه لا يزال قيد الاحتجاز من قبل مجموعة مسلحة بقيادة الحمروني القنصل. كما يعتقد أن 12 شخصًا من الزنتان و الرجبان محتجزون في غريان.

المدنيون من ورشفانة يتعرضون لعمليات خطف من قبل مجموعات مرتبطة بـ«فجر ليبيا» وتابعة بشكل رئيسي لجنزور والزاوية

وأوضح التقرير أن المدنيون من ورشفانة، الذين نزح الكثير منهم منذ بدء القتال في يوليو 2014، يتعرضون أيضًا لعمليات الخطف التي تقوم بها المجموعات المسلحة المرتبطة بـ«فجر ليبيا» والتابعة بشكل رئيسي لجنزور والزاوية وكذلك المجموعة المسلحة بقيادة صلاح بادي المتحالف مع «فجر ليبيا». ومن بين الضحايا المبروك تنتوش المحامي البالغ من العمر 64 عامًا وهو أب لخمسة أبناء، حيث اعتقلته مجموعات مسلحة تابعة لـ«فجر ليبيا» يوم 29 أبريل في نقطة تفتيش على بعد 27 كيلومتر من طرابلس.

ويعتقد، وفق التقرير، أنه محتجز في الزاوية ويزعم أن اعتقاله يهدف إلى تأمين تبادل بعدد من الرجال الذين تعود أصولهم إلى الزاوية معتقلين لدى مجموعات مسلحة تابعة لـ«عملية الكرامة» في ورشفانة. ونظرًا لسنه وتعافيه مؤخرًا من عملية جراحة وإصابته بالسكري، هناك قلق بالغ حول صحته وحصوله على رعاية طبية مناسبة. كما تتهم المجموعات المسلحة في ورشفانة المتحالفة مع عملية الكرامة بخطف المدنيين بسبب أصولهم، بما في ذلك رجال من الزاوية.

وبالإضافة إلى المبروك تنتوش، قامت مجموعة مسلحة تدعى الصحراء التابعة لـ«فجر ليبيا» باعتقال محامي آخر وهو علي فنير من الزنتان ويبلغ من العمر 65 عامًا يوم 13 أبريل. وبعد اعتقاله بفترة قصيرة انتشرت صور له وهو مقيد إلى شجرة على صفحات التواصل الاجتماعي.

وفي 23 أبريل، تم احتجاز علي فنير لدى عائلة من مصراته تفيد التقارير بأن أحد أقاربها – وهو من المقاتلين – محتجز في الزنتان. ولقد تم الافراج عن علي فنير يوم 10 مايو في عملية تبادل الأسرى و المحتجزين بين الزنتان و مصراتة، كما ضمن التبادل قريب الأسرة الأنف ذكرها من مصراتة.

وأثناء اعتقال مجموعة الصحراء المسلحة على فنير، ظهرت تقارير عن استعداد المجموعة المسلحة للإفراج عنه مقابل تحرير عضو المؤتمر الوطني العام سليمان الزوبي. وقد كان الأخير محتجزًا لدى مجموعة برق النصر المسلحة المتمركزة في الزنتان منذ خطفه من طرابلس يوم 20 يوليو 2014، وسط مخاوف حول صحته ومعاملته في الحجز. حيث لم يتمكن من التواصل مع عائلته منذ خطفه.

معاناة أهالي النازحين
وجاء بالتقرير أيضًا أن أهالي النازحين خلال الصراع عام 2011، وبالتحديد التاورغاء والمشاشية، واجهوا موجة من حوادث الخطف في مارس وأبريل 2015 بسبب أصولهم أو ولاءاتهم المتصورة في الصراع الدائر.

وفي شهر أبريل، وردت تقارير عن اعتقال مجموعات مسلحة مرتبطة بـ«عملية الكرامة» لأربعة رجال على الأقل من المشاشية في منطقة العزيزية جنوب طرابلس واحتجازهم في الزنتان بدون تهمة لأكثر من أسبوع. كما يزعم قيام مجموعة مسلحة من مصراتة باعتقال قريبين من تاورغاء من الشارع في طرابلس. ووفقًا لمعلومات جمعتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فقد تم نقل الرجل الأكبر سنًا إلى منشأة احتجاز في مصراتة بينما تم تعذيب الأصغر سنًا وقتله رميًا بالرصاص في الأسر.

كما لقي عبد الرؤوف الزايدي البالغ من العمر 19 عامًا من الزنتان حتفه في الحجز، وهو من النشطاء الذين يتحدثون بصراحة على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أشارت التقارير إلى أن مجموعة مسلحة مرتبطة بـ«فجر ليبيا» قامت باعتقاله من الشارع في طرابلس يوم 23 أبريل.

وقد تلقت البعثة معلومات عن احتجازه في منشأة احتجاز أبو سليم الواقعة تحت سيطرة مجموعة مسلحة بقيادة عبد الغني الككلي (غنيوة) حتى يوم 26 أبريل على الأقل. وقد تم نقله إلى مستشفى أبو سليم قسم الحوادث بعد 3 أيام. وتسلمت عائلته جثته يوم 3 مايو.

وليست هذه المرة الأولى التي توثق فيها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حالات الوفيات داخل الحجز على يد المجموعة المسلحة في أبو سليم. كما أصدرت البعثة كذلك تقريرًا مشتركًا مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان يوم 25 مارس 2015 يوضح التهديدات التي يواجهها المدافعون عن حقوق الإنسان وغيرهم من نشطاء المجتمع المدني والتي تتضمن الاغتيال والخطف والتعذيب.

شرق ليبيا
إلى ذلك، اتهمت البعثة في تقريرها القوات الموالية لـ«عملية الكرامة» بخطف واحتجاز المدنيين المشتبه في تعاطفهم مع «مجلس شورى ثوار بنغازي» أو بسبب أصولهم أو تورط أقاربهم في القتال. وأضافت أن هؤلاء يتم احتجازهم في عدد من المراكز منها إدارة البحث الجنائي في بنغازي والمرج ومراكز الاحتجاز في برسس والرجمة وسجن قرنادة (الجناح العسكري) وسط مخاوف متعلقة بالتعذيب وغيرها من ضروب إساءة المعاملة، بما في ذلك الحالات التي ينتج عنها وفاة الضحية.

ومن بين الضحايا التي وردت تقارير عنهم وفق البعثة، قاصر تم اعتقاله بسبب الاعتقاد في معارضته لـ«عملية الكرامة» وأشقاء محتجزين بسبب انخراط قريب لهم في القتال مع «مجلس شورى ثوار بنغازي» وطالب بالجامعة. وقد طلب المحتجزون السابقون وعائلات الأفراد الذين لا يزالون قيد الاحتجاز حذف أسمائهم والمعلومات التي تدل عليهم خوفًا من الانتقام.

وقد أفاد المفرج عنهم، وفق البعثة، بالتعرض للضرب والحبس الانفرادي والتقييد في أوضاع ملتوية إضافة إلى ظروف الاحتجاز في أماكن قذرة وغير صحية بدون مياه صالحة للشرب والوصول المحدود للمرافق الصحية.

وقد أشارت التقارير إلى وفاة بعض المحتجزين بعد التعذيب ومنهم رامي رجب الفيتوري البالغ من العمر 29 عامًا والذي تم اعتقاله من منزله في بنغازي يوم 11 مارس واحتجازه في إدارة البحث الجنائي في بنغازي. وقد تسلمت أسرته جثته المصابة بالكدمات يوم 22 مارس.

ومن بين الذين لا يزالون مفقودين وكيل نيابة في محكمة جنوب بنغازي عبد الناصر الجروشي. وقد تلقت البعثة تقارير أن مجموعة شهداء الزاوية المسلحة قد ألقت القبض عليه من الشارع في وسط بنغازي في 20 أكتوبر 2014. ولا يزال محرومًا من حريته حتى تاريخه. وقد أبلغت وزارة العدل البعثة أنه محتجز في المرج في منشأة احتجاز غير رسمية.

ومما يثير القلق، وفق البعثة، بشكل خاص ظهور عدد من المخطوفين في «اعترافات» متلفزة بثتها قناة «ليبيا أولاً» وهم «يعترفون» بالمشاركة في القتال والقتل. وتظهر آثار الكدمات والتورم واضحة على من تم تصويرهم في منشأة احتجاز برسس.

«مجلس الثوار» متورط
كما تعتبر المجموعات المسلحة المرتبطة بمجلس شورى ثوار بنغازي مسؤولة عن خطف المدنيين على أساس انتماءاتهم السياسية أو الدينية الفعلية أو المتصورة وصلاتهم العائلية، إضافة إلى أن مصير ومكان تواجد الذين اعتقلهم مجلس شورى ثوار بنغازي، بما في ذلك السجناء الذين نقلوا من سجن بوهديمة العسكري في أكتوبر 2014، غير معروف وسط مخاوف بالغة حول حياتهم وسلامتهم.

ومن بين الذين خطفتهم مجموعات مرتبطة بمجلس شورى ثوار بنغازي، جمال هارون طالب الجامعة البالغ من العمر 23 عامًا والذي تم اعتقاله من مزرعة عائلته مع موظف سوداني الجنسية في أكتوبر 2014، ويبدو أن ذلك كان بسبب موقف عائلته من مجلس شورى ثوار بنغازي. وقد تم الإفراج عن الموظف السوداني بعد حوالي أسبوع، ولكن مصير جمال هارون ومكان تواجده لا يزالان مجهولين.

جرائم خطف المدنيين ترجع إلى خلفية القتال المستمر وانتشار «داعش» وغيرها من المجموعات المتطرفة وانهيار نظام العدالة الجنائية

وأرجعت البعثة جرائم خطف المدنيين إلى خلفية القتال المستمر والأزمة السياسية العميقة والهجمات الإرهابية وانتشار ما يعرف بالدولة الإسلامية (داعش) وغيرها من المجموعات المتطرفة والفوضى وانهيار نظام العدالة الجنائية مما يترك للضحايا والعائلات سبلاً قليلة لجبر الضرر.

وقالت البعثة أن احتجاز رهائن من المدنيين يأتي بهدف إجبار طرف ثالث على القيام بأي عمل أو الامتناع عنه كشرط صريح أو ضمني لإطلاق سراح الرهينة من جرائم الحرب التي يحظرها القانون الإنساني الدولي. وكذلك يعتبر التعذيب والقتل من جرائم الحرب. ويتحمل المسؤولون عن ارتكاب هذه الجرائم أو توجيه أوامر بارتكابها أو الإخفاق في منعها عندما يسمح وضعهم بذلك، المسؤولية الجنائية، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ولا يعفي عدم التزام أحد أطراف الصراع بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي الأطراف الأخرى من التزاماتها، ويدعو لمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم وغيرها من الجرائم وفقًا للقانون الدولي.

ودعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كل من لديه سيطرة فاعلة على الأرض للامتناع عن خطف المدنيين على أساس الهوية أو الرأي، والإفراج الفوري عن المحتجزين لهذه الأسباب وضمان سلامة كل من حرم من حريته، كما دعت البعثة بشكل خاص وزارة العدل والنيابة العامة لضمان حماية المحتجزين من التعذيب وعدم احتجازهم بدون أساس قانوني ونقلهم إلى مراكز رسمية إذا كانوا يواجهون اتهامات سليمة.