«داعش» يستخدم الهجرة غير الشرعية لتسريب عناصره إلى أوروبا

تنشط الهجرة غير الشرعية في ليبيا من دول عربية وأفريقية وآسيوية بشكل ملحوظ، وازدادت كثافتها بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها ليبيا وتداعياتها.

وتعاني ليبيا من تدفق المهاجرين غير الشرعيين إليها عبر حدودها البرية والبحرية، إذ تشهد البلاد دخول آلاف المهاجرين من جنسيات مصرية وأفريقية وآسيوية، خصوصًا عبر حدود ليبيا البرية المترامية.

غير أن اللافت بحسب تقارير أمنية انخفاض عملية الهجرة بمنطقة البطنان، بحسب إحصائية الترحيل العام 2014، إذ وصل عدد من تم ترحيلهم قرابة 3243 مهاجرًا غير شرعي من جنسيات مختلفة من السودان ومصر وتشاد وبنغلاديش وإريتريا وغانا واليمن والنيجر وسورية بخلاف إحصائية العام 2013 التي وصل فيها عدد المرحلين إلى 24654 مرحلاً.

لكن مصادر مطلعة على سير الهجرة غير الشرعية قللت من قيمة الإحصائيات سالفة الذكر، وقالت في تصريحات إلى «بوابة الوسط»: «لا بيانات محلية دقيقة (رسمية أو غير رسمية)، لكون العمل يقتصر على إحصاء الذين تم إلقاء القبض عليهم فقط، ووجود أكثر من جهة».

وأشارت في الوقت نفسه إلى أن معظم المهاجرين غير الشرعيين يفلتون من الأجهزة المعنية في غالب الأحيان لقلة الإمكانات، ويسافرون عن طريق البحر، مؤكدين أن الأرقام المعنية بالمهاجرين غير الشرعيين تصدرها الدول المستضيفة لهم على حد قولهم.

تشديد أمني مصري
وأكد عسكريون تابعون لحرس الحدود لـ «بوابة الوسط» أن الأمن المصري شدد أخيرًا وبشكل غير مسبوق مراقبته الأمنية على حركة المهاجرين عبر الحدود، خصوصًا من الجهات الشمالية، الأمر الذي جعل الراغبين بالهجرة إلى ليبيا، يفضّلون الطريق الجنوبي عبر سيوة، الذي وصفوه بـ «الأكثر تساهلاً مع المهاجرين»، ولو كلّفهم ذلك مشقّة أكبر في الوصول إلى سيوة التي تفصلهم عنها ثلاث بوابات أمنية يضطر خلالها المهاجرون إلى المشي على الأقدام عند الاقتراب منها بالمقارنة مع المسافة القصيرة نسبيًا، التي يقطعها المهاجرون عبر السلوم ومساعد.

ووفق مصادر خاصة تحدثت لـ «بوابة الوسط» فإن الطريقة الوحيدة التي تعتبر أقل خطورة بشكل نسبي هي طريق مطروح سيوه - الجغبوب، والتحرك من خلال سيوة - الجغبوب يتم بناء على ملاحظات لحركة الطيران الحربي المصري من قبل دليل، ومن ثم يعطي لشبكات التهريب إشارة بالتحرك عبر الحدود من عدمه.

ولاحظ مراسل «بوابة الوسط» الذي رافق دليلاً إلى الحدود الليبية - المصرية، التي تقدر بنحو 70 كلم، أنه كلما اتجهت شرق الجغبوب نحو سيوه وجدنا آثار سيارات التهريب ذات الدفع الرباعي، التي يستخدمها المهربون الليبيون.

وشاهد مراسل «بوابة الوسط» عددًا من سيارات الدفع الرباعي المحروقة، وأفاده الدليل بأن سبب احتراق تلك السيارات هو ضربات قام بها سلاح الجو المصري، الذى يعطى للمهرب فرصة خمس دقائق للهروب من السيارة.

واستهدف سلاح الجو المصري قبل أربعة أشهر مضت 14 سيارة تابعة لكتيبة عمر المختار بمدينة طبرق بالخطأ، كانت في دورية متحركة قرب الحدود الليبية - المصرية، وأسفرت عن مقتل أحد العسكريين و يدعى إدريس الربع.

والخطير في هذه التجربة بالنسبة للمهاجرين من ناحية السودان، هو أنه يجب عليهم المرور من السودان إلى مصر عبر دنقلة ثم ليبيا، عبر ممرين الممر الأول عبر جبل عبد المالك جنوب شرق الكفرة، أو عبر طريق سيوة - الجغبوب، وهذا الطريق خطر جدًا بسبب تواجد عصابات قد تختطف المهاجرين غير الشرعيين، وفي غالب الأحيان يقعون فريسةً لاستغلال السماسرة، وعمليات النصب والاحتيال، بحسب روايات متطابقة من قبل عدد من سماسرة الهجرة غير الشرعية، الذين التقتهم «بوابة الوسط» من ناحية الشمال.

ممرات التهريب
التهريب ليس بالصعب فهناك بعض المسالك التي يسميها المهربون «المرورات» أو «المواريد»، وأشهر هذه الممرات فتحة «بودحيوة» و«الربدة» و «وشقة وشقيتي»، والمرور منها ليس مستحيلاً، لكنه خطر جدًا لدرجة أنه قد يكلفك حياتك بطلقة من حراس الحدود، الذين لديهم الأمر بذلك، ومن ثم يتم تجميع بعضهم بقرية الفرين شمال بلدة بئر الأشهب بحوالي عشرة كيلومترات.

وتتطلب عملية العبور من الأسلاك الشائكة بحسب أحد المصريين بعض المال لتهريبه إلى مساعد، ويحتاج هؤلاء إلى ست ساعات للمشي على الأقدام من السلوم كي يصلوا إلى مساعد، وهناك يستقبلهم سمسار ليبي آخر ليضعهم في سيارات دفع رباعي، تبدأ معه رحلة حملهم غربًا نحو أوروبا، ولاحظ السكان المحليون المتاخمون للشريط الحدودي في كل من مساعد وكمبوت وبئر الأشهب قلة الحركة وانخفاضها بين المهربين في الفترة الأخيرة.

وأفاد السكان لـ «بوابة الوسط» بأنه كان من المعتاد تدفق اللاجئين بأعداد كبيرة في سيارات نقل خاص للمهربين، لكن لم يتم رصد هذه الأعداد كما كان عليه من قبل، مشيرين في الوقت ذاته إلى انتقال حركة الهجرة غير الشرعية عبر ممر سيوة - الجغبوب.

وتشكل ليبيا نقطة الانطلاق في أغلب الحالات، حيث تعاني من فوضى أمنية وتفكك جعلها مقصدًا لراكبي قوارب الموت، وأصبحت الطريق الأمثل لهم للهجرة غير الشرعية من بعض الدول العربية والأفريقية، في انتظار دورهم لمحاولة عبور البحر الأبيض المتوسط.

الرشوة وسيلة عبور المهربين
وعن استفحال الظاهرة ذكر مسؤول بجهاز الهجرة غير الشرعية بمدينة طبرق المختار جاد المولى أن إمكانات المهربين قبل الثورة كانت محدودة، وكان عدد من ينشط في هذا المجال محدودًا أيضًا، إذ لا يتجاوز عددهم العشرين، ويأتي معظم هؤلاء خاصة الأفارقة منهم بعد تجميعهم في أماكن التقاء داخل كل دولة على حدة، ثم تنقلهم عصابات التهريب عبر سيارات الدفع الرباعي كل حسب وجهته، وهناك ينتظرون عدة أسابيع إلى أن تنتهي عصابات التهريب من استكمال الاتفاق مع بعض عناصر الشرطة وخفر السواحل، مستخدمة في ذلك -كما يقول بعض المهاجرين- الرشوة.

ويتجه الراغبون في الهجرة غير الشرعية إلى مصر وفق معلومات تحصلت عليها «بوابة الوسط»، ومن ثم إلى المدن التي تنشط بها مافيا تهريب البشر، وهي على وجه الخصوص مدينتا مطروح والانجيلا، حيث ينتقل المهاجرون إلى مكانين: الأول إلى السلوم سيرًا على الأقدام، و من ثم يتم تجميعهم في مكان محدد، والطريق الآخر: عبر سيوة التي تنشط بها مافيا تعمل على نقل المهاجرين باتجاه الجغبوب، وهم ينقسمون إلى قسمين؛ قسم كبير يتّجه نحو أجخرة ومدينة إجدابيا عبر طريق موازٍ لـ «وادي علي» المحاذي للطريق الصحراوي ما بين طبرق وإجدابيا المعروف بـطريق 200، وهؤلاء في الغالب وجهتهم إلى غرب البلاد، وقسم آخر يفضل البقاء والمغادرة إلى مدينة درنة عبر سلك الطريق المعروفة بـ 90، ومنها إلى بلدة العزيزيات ليسلك منها طريق «مسلقون» التي تتجه شمالاً إلى مدينة درنة، عن طريق بوابة الحيلة التي تتحكم بها عناصر متشددة.

وذكرت مصادر أمنية لـ «بوابة الوسط» أنه ألقي القبض على مواطن مصري الجنسية يدعى صلاح محمد سعد آدم، وبعد تسلمه من قبل المخابرات تبين أن اسمه الحقيقي «راضي»، وكان متورطًا في حرق منازل لضباط ومخبرين تابعين لجهاز أمن الدولة المصري.

«داعش» يستخدم الهجرة لتسريب عناصره
لا تخلو روايات أفراد الأمن الليبي من إشارات ودلالات أن هناك مقاتلين يندسون بين صفوف المهاجرين غير الشرعيين، ومن بين الأشخاص الذين سلموا للجانب المصري بناء على طلب المخابرات العامة أحمد محمد محمود السيد، الذي كان من بين المقاتلين بحي الصابري بمدينة بنغازي.

وفي السياق ذاته أفصح مسؤول بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية -فضل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية- التقاه مراسل «بوابة الوسط» بمقر الإدارة بمدينة شحات، أكد أن من بين المهاجريين غير الشرعيين عددًا من المقاتلين المنتسبين لتنظيم «داعش»، وذكر المسؤول أنه ضبط 28 شخصًا من جنسيات متعددة كانوا يقاتلون بين صفوف الجماعات المتشددة بمدينة بنغازي، ومن خلال الاستجوابات تبين أنهم دخلوا إلى ليبيا عبر الحدود الشرقية، منتحلين صفة المهاجرين غير الشرعيين، كما أشار المسؤول إلى ضبط 14 فلسطينيًا اعترفوا بانضمامهم إلى جماعات إرهابية.

وعن أسعار تهريب المهاجرين يقول بعض اللاجئين الذين التقتهم «بوابة الوسط» في جنوب بئر الأشهب إن السماسرة يحصلون على 1500 دولار أو أكثر، مقابل وصول المهاجرين إلى وجهتهم المتفق عليها مع السمسار «السيوي»، ولم يفصح أربعة باكستانيين عن المبلغ الذي يجب دفعه للوصول إلى مدينة سرت.

أسعار ومسالك الهجرة
وذكر أحد العاملين في مجال الهجرة غير الشرعية، والذي التقته «بوابة الوسط» في منطقة شماس (على الطريق المؤدي من البردي إلى مساعد)، والذي رفض ذكر اسمه أن أسعار المهاجرين تختلف بحسب وجهة المهاجر، وتبدأ من 1000 دينار إلى 2000 دينار ليبي، وقال المصدر الذي يمتهن التجارة ما قبل ثورة فبراير، إنه لا يوجد طريق ثابت للمهاجرين، فبإمكان كل مهرب أن يستحدث طريقًا لنفسه و هي تعرف بـ «المرورات» عن طريق قص الأسلاك واستخدام أجهزة كشف الألغام (التربان) أو عن طريق المواشي، و لهذا تسمع أن هذه المرورات تطلق على أصحابها من المهربين مثل فتحت «أبودحيوة» و«الربدة» والأخيرة اسم عجوز كانت تعمل في تهريب السلع التموينية على حد قوله، و تابع حسن أن غالبية المهاجرين يفضلون النزوح إلى الغرب الليبي قاصدين زوارة و صبراته باعتبارها من أهم المدن المصدرة للهجرة غير الشرعية، و يقول حافظ الغماري من سكان بلدة الطرشة (30 كلم جنوب طبرق) التي التقته «بوابة الوسط» إن بعض من تجار طلبوا منى استئجار منزل بقيمة خمسة آلاف دينار لاستخدامه كمكان لتجمع المهاجرين غير الشرعيين لكنني رفضت هذا العرض لأسباب عددها لمراسل «بوابة الوسط»، و ذكر الغماري أن سماسرة الهجرة غير الشرعية يقومون بإنشاء عدة محطات كمنازل أو أكواخ لغرض التسليم و التسلم بين كل سمسار و سمسار و بحسب وجهة كل مهاجر.

خنادق حول المدن
وفي محاولة للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية و ما يترتب عليها من مخاطر أمنية و صحية أفادت مصادر محلية عن قيام أهالي مدينة جالو في يناير من العام الماضي بحفر خندق دائري يحيط بالمدينة بمجهودات ذاتية، وقال أحد المشرفين على المشروع بحسب تقارير إخبارية متطابقة يبلغ قطر الخندق المحيط بالمدينة مئة كلم وعمقه ثلاثة أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار، و يوجد بمحاذاة الخندق سد ترابي على ارتفاع خمسة أمتار، وعرض ثلاثة أمتار، وبمنفذين يمثلان المدخلين الوحيدين للمدينة، وذلك للحد من الهجرة غير الشرعية و تهريب السلع و تسلل الوافدين.

وفي خطوة مشابهة من جالو للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية قال مسؤول إعلامي بالمجلس المحلي الكفرة لـ «بوابة الوسط» إن مدينة الكفرة قامت بخطوة مماثلة للحد من ظاهرة الهجرة غير الرسمية بحفر خندق و سد ترابي يبلغ طوله 150 كلم.

وذكر المصدر ذاته أن السد أتاح للأجهزة الأمنية القيام بدوريات أمنية مكثفة حول السد مما أدى إلى نقص في تدفق المهاجرين الذين يقصدون مدينة الكفرة، والتي تعتبر كمحطة أولى من ناحية الجنوب الأقصى إلى نسبة 80% على حد قولة، وقال إن خط سير الهجرة من الكفرة، والذي يسلكه كثير من المهربين عبر طريق إجدابيا.