«ربيع تونس» ينغصه «دواعش» تونسيون في ليبيا

ينغص مسار «ربيع تونس» غياب الدولة في ليبيا، ويصعِّب من مهمة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي وجد قنابل «داعش» والحدود الملتهبة أمنيًّا وبروز تنظيمات إرهابية جديدة شمال البلاد مع تسلمه منصبه.

ومن المؤكد أنَّ تونس كانت «الاستثناء» الوحيد في قائمة دول ما يسمى «الربيع العربي»، لنجاتها من حمل لقب «دولة فاشلة على حافة السقوط» في أتون فوضى سياسية وأمنية، مثلما حصل بجوارها في الداخل الليبي، وانعكس على أمنها القومي، حسب تصريحات مسؤولي البلاد والخبراء.

وفي هذا الصدد كشف تقريرٌ أمني جزائري للخبير الاستراتيجي المتابِع الجماعات المسلحة في شمال أفريقيا أحمد ميزاب نقل مضمونه لـ «بوابة الوسط» أنَّ غياب الدولة في ليبيا يهدِّد الأمن بشكل كبير في تونس، أكثر من غيرها من الدول المجاورة لليبيا، مستندًا في ذلك إلى حجم العمليات الإرهابية التي عرفتها دول الجوار انطلاقًا من الأراضي الليبية، حيث لم تسجَّل في الجزائر أي عملية بالحدود الجنوبية خلال سنة 2014، وما مرَّ من سنة 2015، في حين تونس عرفت عدة عمليات انطلاقًا من ليبيا.

تحدٍ جديد بجبال خمير
ويشير التقرير أيضًا إلى ظهور تنظيم «إرهابي» جديد في الجنوب التونسي، تتمركز عناصره في جبال خمير.

ويتبنى التنظيم الجديد وفق المصدر استراتيجية التصعيد التدريجي في استهداف قوات الأمن والجيش التونسي، كما أشار إلى أنَّ حزب «التحرير الإسلامي» الذي يقتصر نشاطه على الداخل التونسي له طموحات تتقاطع مع أهداف تنظيم «أنصار الشريعة»، متعلقة بتشكيل دولة الخلافة في تونس، وتتمركز قواعده في القيروان وتونس العاصمة وماطر وبنزرت وجندوبة.

وشهدت تونس في مارس الماضي عملية إرهابية خطيرة نفَّذها جهاديون ضد سياح أجانب بمتحف «باردو» الوطني، في تونس راح ضحيتها 21 سائحًا أجنبيًّا وجندي تونسي.

دور ضعيف في ليبيا
وكانت هذه العملية الإرهابية بمثابة «إشعار آخر» بخطورة الاضطراب في ليبيا، فقد أعلن مباشرة بعد الحادث كاتب الدولة لدى وزير الداخلية المكلف الشؤون الأمنية رفيق الشلي أنَّ منفذي الهجوم «عنصران متطرفان سلفيان تكفيريان غادرا البلاد في شهر ديسمبر خلسة إلى ليبيا، وتمكنا هناك من التدرب على الأسلحة»، وتابع: «ليس لدينا تفاصيل لكن معسكرات التدريب للتونسيين (في ليبيا) هي في صبراتة وبنغازي ودرنة»، وكان تنظيم «داعش» المتطرِّف تبنَّى الاعتداء الدامي على متحف «باردو».

وفي خضم محاولات التنظيم زعزعة استقرار البلاد يعتقد سياسيون تونسيون بأنَّ حكومة بلادهم تخلفت في القيام بدور محوري على صعيد حل الأزمة الليبية، عبر رعاية حوارات لجميع الأطراف المتصارعة.
واختار إسلاميون مثل راشد الغنوشي زعيم حركة «النهضة» تلبية طلب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، التوسط بين تنظيمات ليبية لتقريب وجهات النظر وجمعهم على طاولة حوار وهو ما تحقق جزئيًّا مع تكثيف زيارات المحسوبين على «الإسلام السياسي» إلى الجزائر.

لكن الرئيس التونسي السبسي ردَّ بتاريخ 18 أبريل الماضي أن «هناك خطوات تونسية لمحاولة حل الأزمة الليبية لن يتم الإعلان عنها في الوقت الراهن»، على حد قوله، مبينًا أنَّ خمسة آلاف تونسي انضموا إلى تنظيم «داعش».

السبسي: مقاتلون تونسيون انضموا إلى طرفي النزاع في ليبيا وهناك استغلال للتونسيين في العمليات الإرهابية

وأضاف أن «مقاتلين تونسيين انضموا إلى طرفي النزاع في ليبيا»، مشيرًا إلى أنَّ هناك استغلالاً للتونسيين في العمليات الإرهابية.

ويعكس حديث السبسي التحدي الكبير الذي ألحقه «داعش» والصراع الليبي ببلاده، من حيث إعداد مؤيدي التنظيم الإرهابي ومشكلة عودة المقاتلين.

ففي دراسة لمعهد «بروكنغز» في واشنطن نشرها الحساب الرسمي لوزارة الخارجية الأميركيَّة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» الأحد الماضي، جاء التوانسة ضمن قائمة المؤيدين لتنظيم «داعش» على «تويتر».

وسألت «بوابة الوسط» الباحث السياسي التونسي سامي الجلولي عن فاعلية الإجراءات الأمنية التونسية مع حدود ليبيا فقال إنَّ الرقابة على المعابر الحدودية عادية في مثل هذه الظروف، رغم بعض الإجراءات الصارمة التي تتقلص أو تتمطط وفق وتيرة الأحداث الأسبوعية.

ولكن بخصوص مراقبة الشريط الحدودي يعتقد الجلولي أنَّ «هذه الرقابة من وجهة نظر أمنية غير كافية وتبقى في حاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وإدخال تقنيات بديلة قادرة على المراقبة عن بعد، لما يوفره ذلك من ربح للوقت وحسن تصريف للموارد البشرية واللوجستية».

وربما تكون تونس استشعرت بالخطر الداهم فاستنجدت بفرنسا والولايات المتحدة الأميركية ودول عربية. فقد اتفقت مع الجزائر في يوليو 2014 على تكثيف التعاون الأمني بينهما في مجال مكافحة الإرهاب على خلفية اعتداء مسلح راح ضحيته 15 جنديًّا تونسيًّا في جبل الشعانبي الحدودي مع الجزائر بسبب أنَّ الإرهابيين في تونس يعتمدون على نفس الآلية التي يعملون بها في الجزائر ما أكسب الأخيرة تجربة مكَّنتها من القضاء على الإرهاب.

رسائل للجزائر
وكثف من حينها مسؤولون تونسيون زيارتهم البلاد، فقد استقبل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أمس الأربعاء زهر قروي الشابي المبعوث الخاص للرئيس التونسي السبسي، حيث بحث معه العلاقات الثنائية والوضع المتأزم في المنطقة وسلمه رسالة من السبسي لم يكشف عن مضمونها.

أما الأول من أمس الثلاثاء فأعلن رئيس الشرطة الجزائرية اللواء عبد الغني هامل تدريب دفعات من الشرطة التونسية في مدارس التدريب في الجزائر، في الاختصاصات المتعلقة بالشرطة القضائية والشرطة العلمية والتقنية.

وأكد هامل استعداد بلاده في إطار هذا التعاون الثنائي لتقديم دورات أخرى قد تطلبها الشرطة التونسية.

وعقب عملية «باردو» قام وفد أمني تونسي رفيع بقيادة المفتش العام للحرس الوطني التونسي العميد نوفل الميلي بزيارة الجزائر، حيث أجرى محادثات تناولت التعاون الأمني بين البلدين، خاصة ما تعلق بالتدريب وتحرير الرهائن والحماية القريبة للشخصيات العامة.

المزيد من بوابة الوسط