الانفلات الأمني والفكر المتطرف أبرز المخاطر على الآثار الليبية

احتفلت ليبيا باليوم العالمي للمعالم والمواقع الأثرية، أمس السبت، في ظل تعرض التراث الثقافي في ليبيا إلى شتى أنواع التدمير والسرقة والاعتداءات، بعد انتشار السلاح والفوضى عقب اندلاع ثورة 17 فبراير.

ومنذ العام 2011 لم تتمكن الجهات الرسمية من السيطرة على المواقع الأثرية والأماكن التاريخية، خصوصًا بعد أن تمكنت التشكيلات المسلحة من السيطرة على مساحات جغرافية في البلاد، مع ازدياد وتيرة الاعتداء على التراث الثقافي، والفوضى وغياب الأمن في عدة مدن ليبية.

أبرز الاعتداءات التي جرت خلال أربع سنوات:
تدمير مقبرة إغريقية وزيادة الزحف العمراني في قورينا (شحات)، وتخريب منحوتات صخرية في جبال «أكاكوس» الجنوبية، والاعتداء أيضًا على عدة مساجد ومدارس أضرحة في طرابلس، كمنبر جامع «شايب العين» الأثري، ومسجدي درغوث باشا وأحمد باشا، بالإضافة إلى تدمير مدرستي عثمان باشا والشيخ اصباكة، وسرقة تمثال الغزالة.

وفي الشرق الليبي تم جرف مقبرة إغريقية بمنطقة ماسة غرب البيضاء، ومسح بقعة أثرية كاملة لغرض بناء عمراني.

يقول مُراقب آثار شحات، أحمد الصابر سعدون، إن الاعتداء على الحرم الأثري «ازداد منذُ العام 2011 خاصة الحرم الثالث، جراء البناء العمراني العشوائي في ظل غياب الدولة والانفلات الأمني، كما تعرضت المواقع الأثرية للاعتداء من جرف وكتابة عبارات عليها».

وأضاف سعدون لـ «بوابة الوسط» أنَّ مُراقبة الآثار أعدت قائمة تحمل أسماء المعتدين على التراث الثقافي، ستتم إحالتها للجهات الضبطية والاختصاص خلال الفترة المُقبلة.

وقال المتخصص في إدارة وحماية التراث، أحمد عيسى، لـ «بوابة الوسط» إنَّه يجب التفريق بين حالات الاعتداء ودوافعها، فهي تختلف من مكان لآخر، فمثلاً هناك من يمتلك أراضي حول المقبرة الإغريقية في شحات، حيث قام ملاك هذه الأراضي بجرف الموقع والبناء عليه».

في حين يتم الاعتداء على المساجد والأضرحة في العاصمة طرابلس وغيرها، تحت ذرائع دينية، نتيجة لفكر متطرف، ومع أننا طلبنا من دار الإفتاء الليبية إطلاق حملة توعية وخطاب فكري للمجتمع، للتأكيد على أن مثل هذه الأضرحة تعد تراثًا وتاريخًا يجب ألا يدمر، إلا أننا تفاجأنا بأن دار الإفتاء لديها الفكر نفسه».

وعن تدمير منحوتات صخرية في جبال «أكاكوس» أفاد عيسى قائلاً: «بحسب معلومات لدينا فإنَّ سائق سيارة سياح حين مُنِع من دخول المنطقة، رد بتدميرالمنحوت الصخري، وهذا يدل على عدم وجود حماية للمواقع الأثرية وغياب الجهات المسؤولة عنها بشكل تام».

«السرايا الحمراء» في مرمى المعتدين
حذر كثير من خُبراء الآثار في ليبيا من زيادة وتيرة الاعتداءات على المواقع الأثرية، وعبروا عن مخاوفهم من استهداف متحف «السرايا الحمراء» في طرابلس، وعن ذلك يؤكد الدكتور أحمد عيسى خبير الآثار أن هناك تهديدات حقيقية من مجهولين بتدمير «السرايا الحمراء» ، لكنه لم يستطع معرفة الجهة التي وراء هذا التهديد، مطالبًا الجهات الرسمية بسرعة اتخاذ إجراءات لحمايتها.

وأرجع عيسى سبب الأزمة الراهنة إلى تشتت الدولة ووجود حكومتين في البلاد قائلاً: «الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا تُسيطر على الشرق الليبي، بينما يسيطر «الطرف الآخر» على الغرب الليبي، فهناك مصلحتا آثار في ليبيا ولا يوجد أي علاقة بينهما، المطلوب أن تنأى المصلحة وموظفوها عن الصراع السياسي، للتعاون معًا من أجل إيجاد حلول سريعة لحماية «السرايا الحمراء» في طرابلس قبل فوات الأوان».

تنديد دولي وصمت محلي
بعد أن تعرضت عدة مواقع أثرية في ليبيا للتخريب والتدمير، سارعت المديرة العامة لمنظمة «اليونيسكو»، إيرينا بوكوفا، للتنديد بما يتعرض لهُ التراث الثقافي في ليبيا، داعيةً جميع الأطراف إلى حماية التراث الثقافي الفريد من نوعه في البلاد، وذلك في أعقاب التقارير المثيرة للقلق بشأن تزايد أعمال التخريب والاتجار غير المشروع، والاعتداءات التي يتعرض لها التراث الثقافي الليبي.

وقالت المديرة العامة لـ «اليونيسكو» إيرينا بوكوفا: «إن التراث الثقافي الليبي إنما هو تعبير عن ذاكرة مشتركة للبلاد، كما أن احترام هذا التراث يمثل حجر الزاوية لمصالحة وطنية طويلة الأمد».

ويرى المُتخصص في إدارة وحماية الآثار، أحمد عيسى، أنَّ الصمت المحلي لهُ أصول متجذرة من النظام السابق، فالنظام السابق «خلق فجوة بين الناس والتراث، وزرع بهم اعتقادات بأن الآثار ليست لليبيين، وهي دليل على الاستعمار، فهو نقلها عن موسليني الذي حاول أن يثبت لإيطاليا بأن لديها حقًا في الآثار الرومانية في ليبيا وعليها أن تحتلها، ببساطة هذا الاعتقاد أرث استعماري، وهي مسألة جوهرية ومشكلة كبيرة، لكون المسؤولين الآن لا يزالون يرون أن الآثار كلام تافه، بدليل أن مصلحة الآثار كجهة منذُ تأسيسها تتبع الوزارات ولم تكن يومًا ما جهة مُستقلة».

وتابع: «نحن كمهتمين بالآثار ليس في استطاعتنا اتخاذ قرارات وإجراءات حيال الاعتداءات، فهذا تخصص الجهات الرسمية، ومع ذلك لم نتوقف عن إرسال خطابات ورسائل لإقناع الوزارات بالتحرك لوقف الاعتداءات ومنع زيادة وتيرتها، خصوصًا خلال الملتقى الوطني الذي أقيم في شحات».

وأضاف أنهم خاطبوا أيضًا المؤسسات الدولية بسرعة اتخاذ إجراءات لحماية التراث الثقافي، ومساعدة الخبراء في منع الأساليب المختلفة لتدمير الكنوز الليبية الفريدة، وحتى تتحرك المؤسسات الدولية والجهات الرسمية يظل الاعتداء مستمرًا بشكل يومي، ويظل مصير التراث الثقافي مجهولاً.

المزيد من بوابة الوسط