عراقيل تهدد تنفيذ قرار الحكومة الموقتة بتحصيل أموال النفط

تصاعدت أزمة القطاع النفطي في ليبيا عقب إعلان رئيس الحكومة الموقتة، عبدالله الثني، فتح حساب بنكي جديد في الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يعني فك الارتباط مع «المؤسسة الوطنية للنفط» وتأسيس مقرٍّ بديل لها في مدينة بنغازي، لبيع النفط وتحصيل أمواله بشكل مستقل.

ومضت الحكومة المعترف بها دوليًّا في سعيها للاستقلال نفطيًّا، إذ طلبت أخيرًا من مؤسستها النفطية البدء بالتفاوض مع الشركات المتعاقدة مع المؤسسة في العاصمة لنقل تعاقداتها إليها. وهو الأمر الذي أثار المخاوف من تجدُّد الأعمال العسكرية بين طرفي الصراع في ليبيا بسبب الكنوز النفطية التي يعتبرها بعض المراقبين السبب الأساسي والمحرِّك للصراع المسلح على الأرض.

قرار الثني دَفَعَ بالناطق باسم قوات عملية «الشروق»، إسماعيل شكري، إلى التحذير من عواقب هذا القرار بقوله: «إنَّ أية محاولة من الحكومة الموقتة لبيع النفط متجاوزة البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ستؤدي إلى عمل عسكري» وفق وكالة «رويترز».

الأمور الفنية والتقنية وقاعدة البيانات وشبكة العلاقات جميعها لدى المؤسسة الوطنية في طرابلس

وتسيطر الحكومة الموقتة المنبثقة من مجلس النواب المعترف بها دوليًّا على ميناءين نفطييْن رئيسييْن هما «راس لانوف» و«السدرة».

وقال الثني إنَّه سيسعى إلى بيع النفط وفتح حساب بنكي في الخارج لإيداع عائدات البيع.

وفي السياق ذاته عقدت لجنة الطاقة والموارد الطبيعية في مجلس النواب اجتماعًا، أمس الثلاثاء، في مدينة طبرق مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط.

وقال رئيس لجنة الطاقة والموارد الطبيعية بالمجلس، عيسى العريبي: «إننا على تواصل مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ونعقد اجتماعات دورية لمعرفة كل المستجدات الخاصة بالمؤسسة، وكذلك تذليل كافة الصعوبات أمامها إنْ وجدت»، وفقًا لوكالة الأنباء الليبية. وأكد العريبي ضرورة تفعيل القرار الخاص بنقل المؤسسة الوطنية للنفط إلى مدينة بنغازي.

وقال مدير مكتب لجنة الطاقة والموارد الطبيعية عبدالله الفسي: «إنَّ البحث خلال الاجتماع تركَّز على آخر المستجدات المتعلقة بمؤسسة النفط، خاصة بعد فتح حساب جديد للمؤسسة بدولة الإمارات العربية المتحدة».

عقبات
وشكَّك تقرير فرنسي في قدرة الحكومة الموقتة على تنفيذ قرار بيع النفط وتحصيل أمواله بشكل مستقل، إذ رأى التقرير، الذي نشرته وكالة الأنباء الفرنسية اليوم الأربعاء، أنَّه من الصعب حصول الحكومة الموقتة على «غطاء دولي» لهذه الخطوة، أقله على المدى القريب.

ونقل التقرير عن محمد الحراري، الناطق باسم المؤسسة في طرابلس، قوله: «إنَّ الأمور الفنية والتقنية، إضافة إلى قاعدة البيانات وشبكة العلاقات، موجودة جميعها لدى المؤسسة في طرابلس»، وهو ما يمثِّل البنية التحتية لعمل المؤسسة وهو الشيء الذي تفتقده الحكومة. ويرى الحراري أنَّ هذا الأمر «سيصعِّب المسألة على المؤسسة المنشأة من الحكومة الموقتة للعمل».

بيع الحكومة النفط لا يمكن أن يتم إلا عبر قنوات غير مشروعة أو عبر السوق السوداء أو عبر دول أخرى

وتدير قطاع النفط في ليبيا (التي تملك أكبر الاحتياطات في إفريقيا والمقدَّرة بنحو 48 مليار برميل)، منذ عقود «المؤسسة الوطنية للنفط» في طرابلس الخاضعة لسيطرة ما يسمى «حكومة الإنقاذ» التي أقرَّها المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، الصيف الماضي. وتتولى هذه المؤسسة الضخمة التي تصر على حياديتها في الصراع الحالي، عمليات الاستكشاف والإنتاج وتسويق النفط والغاز داخل وخارج البلاد وإبرام العقود مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ومضت حكومة الثني على الرغم من ذلك في سعيها للاستقلال نفطيًّا، إذ طلبت أخيرًا من مؤسستها النفطية البدء بالتفاوض مع الشركات المتعاقَدة مع المؤسسة في العاصمة لنقل تعاقداتها إليها.

وحذَّرت الحكومة الشركات، في مارس الماضي، من الاستمرار في عقودها الحالية مع طرابلس، إلّا أنَّ خبراء يشكِّكون، وفق التقرير، في إمكانية أنْ تُقدِم أية شركة كبرى على هذا الأمر، خصوصًا في الوقت الحالي في ظل استمرار المعارك على الأرض والصراع على الشرعية.

إقناع الشركات
وأورد التقرير نقلاً عن أستاذ العلوم الاقتصادية، سليمان إبراهيم، إنَّه من الصعب إقناع الشركات النفطية بجدوى نقل التعاقدات إلى شرق البلاد، إذ أنَّ الخبراء والقنوات المعروفة «موجودة في طرابلس، وهي تتعامل مع المؤسسة في فرعها الرئيسي في العاصمة منذ عشرات السنين».

وتابع: «ليس أمام الحكومة من خيارات إلّا أنْ ترضى بالأمر الواقع وتجعل من العقود السابقة مستمرة، وتعرقل أية عقود جديدة»، موضحًا أنَّ بيعها النفط من المناطق التي تسيطر عليها لا يمكن أنْ يتم «إلّا عبر قنوات غير مشروعة، أو عبر السوق السوداء، أو عبر دول أخرى».

المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع المصرف المركزي في طرابلس ومؤسسة النفط على أنَّهما مؤسستان محايدتان

ورغم ذلك، قال رئيس مجلس إدارة المؤسسة النفطية في بنغازي (التابعة للحكومة الموقتة)، المبروك بوسيف، إنَّ مؤسسته «شرعت في التفاوض مع الشركات المرتبطة بالتزامات وعقود سارية المفعول».

وطمأن بوسيف: «الشركات والجهات المحلية والأجنبية المرتبطة بعقود واتفاقات مع المؤسسة الوطنية للنفط باحترام تلك العقود والالتزام بتنفيذها بعد تخطي ومعالجة العقبات والعراقيل».

حساب مصرفي يعزز الانقسام
وإلى جانب التفاوض مع هذه الشركات، طلبت الحكومة المعترَف بها من مؤسستها النفطية فتح حساب مصرفي في دولة الإمارات لتحصيل الأموال النفطية بنفسها في حال انتقلت العقود إليها.

ويرى إبراهيم أنَّ خطوة فتح حساب مصرفي مستقل «تعزز الانقسام، وهو ما لا يريده المجتمع الدولي». ويتابع: «على الأرجح أنَّه (المجتمع الدولي) سيرفض حساب الإمارات، وسيستمر في التعامل مع مؤسسة طرابلس ويبقي المصرف المركزي على الحياد، حتى ينجح الحوار الذي تقوده الأمم المتحدة».

ويقول بدوره خالد عبدالله، المستشار المالي لدى شركات نفطية محلية، وفقًا للتقرير: «إنَّ المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع المصرف المركزي في طرابلس ومؤسسة النفط على أنَّهما مؤسستان محايدتان» ما يصعِّب على الحكومة في الشرق الحصول على غطاء دولي لخطواتها النفطية.

ويضيف: «المصرف المركزي في طرابلس يدير حاليًّا الدولة بالحد الأدنى من المصروفات ويسيطر على احتياطي قدره 90 مليار دولار، وبالخطوة التي اتخذتها الحكومة (المعترَف بها) قد ينحاز المصرف بما في حوزته لحكومة طرابلس».

موانئ بلا حقول
جاء طلب الحكومة الموقّتة من مؤسستها التفاوض مع الشركات المتعاقدة وفتح حساب مصرفي جديد، استعدادًا لبدء تصدير النفط وتحصيل أمواله، بعد انسحاب ما يسمى بـ«قوات الشروق» من منطقة الهلال النفطي في وسط البلاد في 27 مارس.

وتضم منطقة الهلال النفطي الواقعة بين بنغازي وطرابلس، التي شهدت منذ ديسمبر مواجهات أدّت إلى تعليق العمل فيها، المخزون الأكبر من النفط، إضافة إلى مرافئ السدرة ورأس لانوف والبريقة، وهي مرافئ التصدير الأكبر في ليبيا.

وتسيطر الحكومة الموقّتة على منطقة الهلال النفطي، لكن غالبية الحقول التي تضخ نفطها إليها تقع في مناطق غربية تسيطر عليها حكومة طرابلس، فيما لا تزال أيضًا تدير عملية الإنتاج والتصدير في هذه المنطقة المؤسسة النفطية الأم في العاصمة.