الحنين إلى الماضي يعيد «برقة التاريخية»

انتشرت في مناطق الشرق الليبي خلال الآونة الأخيرة ظاهرة التعلق بأعلام ومسميات «برقة التاريخية»، خاصة بين فئة الشباب، وظهر ذلك في تسمية بعض المحال الخدمية والتجارية.

رَصَدَ مراسل «بوابة الوسط» عددًا من الشباب يقبلون على شراء الشعارات التي تحمل اسم «برقة» واقتنائها، ويطبعونها على القمصان والقبعات والخواتم والساعات، ويجعلونها في بعض الأحيان غطاءً لمقاعد السيارات، وملصقات على الزجاج، وبعضهم يشتري العلم كاملاً ويفرشه على مقدِّمة أو مؤخرة السيارة.وفيما تباينت الآراء حول هذه الظاهرة ما بين مرجع إياها إلى المخرجات التي أنتجتها ثورات الربيع العربي، ومَن يعتبرها رد فعل على نظام المركزية الذي حكم البلاد سنين طويلة، يرى سمير السعداوي - كاتب وصحفي ليبي مقيم في لبنان - في استعادة تسمية «برقة» التاريخية ما بعد فبراير، أنَّها نابعة من دافع «إصرار سكان تلك المنطقة على التمسك بخصوصياتهم الثقافية الاجتماعية في مواجهة أنماط وسلوكيات جرت محاولة فرضها من قبل أطراف سعت إلى الاستفراد بمكتسبات 17 فبراير، ومن الأحداث التي رافقت ما يسمى الربيع العربي».

ويضيف السعداوي: «هذه النزعة إلى التمسُّك بخصوصيات المنطقة، أتت ردًا على مخاوف من عودة نزعة المركزية البغيضة، بما تحمله من مساوئ الهيمنة والإقصاء، وذلك في غياب أي تطمينات للسكان بالاستفادة من توزيع عادل للثروة يمكِّنهم من تنمية مناطقهم، ووضع حدٍّ للحرمان الذي عانته المنطقة طيلة فترة هيمنة المركز على القرار في عهد معمر القذافي».ويتابع: «الإصرار على تسمية برقة، هو رفض لوحدة اندماجية قصرية تذوب فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكان الشرق، في منظومة فساد هائلة، وهي في الوقت ذاته دعوة إلى استعادة روح التوافق الوطني الذي شكَّل العماد الأساسي لتوحيد الأقاليم الثلاثة التاريخية في مملكة دستورية العام 1951، في إطار المشاركة في صنع القرار».

آلية للتخلص من المركزية
أما نوري سعيد الصالح - الناشط السياسي وموجه مادة الاجتماعيات بوزارة التعليم - فيؤكد أنَّ «تنامي التمسك بمسميات برقة التاريخية وأعلامها نتاج غياب العدالة الاجتماعية بين المواطنين، فعندما يشعر المواطن في الشرق الليبي بأنَّه مهمشٌ يركن إلى التاريخ من باب النوستالجية، أي الحنين إلى الماضي، وبناء عليه فإنَّ رفع الأعلام ورواج المسميات لا تأتي عن عبث أو تنبع من فراغ، بل من معاناة اجتماعية وسياسية وثقافية طيلة أعوام».

وأضاف قائلاً: «أتفهم في ظل الواقع الحالي المؤلم أسباب تنامي وبروز هذا الاسم التاريخي، ولو استمرت رؤيتنا لأصحاب هذا التوجه على أنَّها حالات خيانة ومخطط مؤامرة، دون النظر إلى أسباب تناميها اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا ، فإنَّ ليبيا بوضعها الهش قابلة للتشرذم والانقسام».ويرى الصالح أنَّ المركزية أبعد ما تكون عن تحصين الدول من احتمالات الانفصال، بل إنَّها تعمل على ترسيخ النزعات الجهوية.

ونوه إلى أنَّ تنامي هذه الظاهرة التي أصبحت تنمو يومًا بعد يوم، خاصة على خلفية الأزمات السياسية، ولم تستطع الحكومات، على حد تعبيره، إيجاد الحلول المناسبة، بل حاول كثيرٌ من الحكومات اللعب على ورقة التخويف من الانفصال، في محاولة منها لإقناع المواطنين بعدم الانجرار وراء أصحاب هذا الطرح القديم الجديد.

تقاليد متوارثة
إلى ذلك، يرى الدكتور فضل علي الحاسي - خبير الآثار الليبية - أنَّ «الاسم تاريخيًّا لجزء من الوطن ولا يعني التقسيم أو العنصرية».

وأوضح الحاسي أنَّ هذه الظاهرة تستلهم من معرفة بتاريخنا القديم مضيفًا: «عرفت المنطقة الممتدة من (كاتاباتموس) السلوم شرقًا وحتى (أوتوملاكس) سيدي بو إشعيفة قرب رأس لانوف باسم كيرينائيكي (برقه حاليًّا)، وهي تسمية وردت في الدستور (الديغرما) الموجود حاليًّا في قورينا في عهد بطلميوس الأول في سنة 315 قبل الميلاد، ويشير إلى السكان من إغريق وليبيين ورومان، أو من ولد من أب أغريقي وأم ليبية، والعكس تطلق عليهم صفة الـ(الكيرينائيكي) وتعتبر هذه الرقعة منطقة بسكانها ومصادرها الاقتصادية وتعتبر هذه الحدود إدارية.

ولا يذهب الدكتور الأستاذ الجامعي المبروك سلطان بعيدًا عما ذكره الدكتور فضل الحاسي، حيث أشار إلى أنَّ اسم إقليم برقة هو اسم تاريخي وجغرافي لهذه المنطقة لا يختلف عن أقاليم جغرافية أخرى في الوطن العربي، مستشهدًا بأمثلة حية في دارفور وفزان والشام ونجد والحجاز وغيرها.

ويضيف الدكتور سلطان أنَّ الاسم مرتبطٌ بإقليم جغرافي محدَّد المساحة، وعبر التاريخ كان حاضرًا وحضوره يعود إلى زمن الإغريق والرومان والفتح الإسلامي، ولاحقًا في مراحل مختلفة كان دائمًا له خصوصيته.

ويرى سلطان أنَّ القذافي حاول في مرحلة مبكِّرة من حكمه طمس الاسم والتاريخ، واستخدم لفظة «المنطقة الشرقية» بدلاً عن الاسم الأصلي، ما أضاف إلى التهميش الذي عاناه الإقليم بحسب وصفه من «الظلم»، الذي أدى إلى الزج بكثير من أبنائه بالسجون، وآخرون آثروا الهجرة.

وتابع سلطان: «كانت هناك حركات سياسية تهدف إلى الحصول على الحقوق للإقليم، ومطالبة بإعادة الاعتبار لهذه التسمية لما لها من ارتباط وثيق بالهوية لأهل الإقليم ضمن ليبيا، وكان هناك رفضٌ من أطراف أخرى، هذا أدى إلى ظهور الغلو في المطالبة بعودة الإقليم، بل وأحيانًا المطالبة بالانفصال كليًّا ردًا على رفض مطلب بسيط وهو الاعتراف بهوية الإقليم التاريخية».

ويرى الكاتب والمدون محمد بوقرين أنَّ التخوُّف من مسمى برقة يعود إلى أسباب عدة من بينها ظهوره المفاجئ في ظرف العامين الماضيين، والريبة من دعاتها، والتخوف من أنْ تكون هناك أجندات مشبوهة وراء إعادة إحياء التسمية.

واستشهد أبوقرين بالحالة السودانية، والجنوب اليمني، وإعلان بعض قادته رغبتهم في الانفصال عن الشمال، ما أدى في النهاية إلى انحلال وتفكك الدولة.

المزيد من بوابة الوسط