الكواكبي لـ«بوابة الوسط»: الصراع في ليبيا قبلي بعوامل اقتصادية ونفطية

استبعد نائب مدير مبادرة الإصلاح العربي وأستاذ العلوم السياسية في فرنسا، الدكتور سلام الكواكبي في حوار صحفي مع «بوابة الوسط» توجيه التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ضربات ضد تنظيمات مسلحة في ليبيا، لفشله في سورية بسبب افتقاده الرؤية، مبينًا الباحث السوري وحفيد عبدالرحمن الكواكبي أن «التناحر القبلي في البلاد صراع بعوامل اقتصادية ونفطية متشابكة».

نص الحوار:
وسط التجاذبات السياسية والعسكرية بين أطراف الصراع في ليبيا تبعثر الحوار وتعمقت الأزمة وغاب الحل بعد مرور ثلاث سنوات من انهيار «نظام»، كيف تنظر إلى أفق المسألة الليبية؟

- أعتقد أنه من المناسب أنك وضعت تعبير النظام بين معترضتين لأن ما كان في ليبيا لا علاقة له بأي تعريف ولو بدائي للنظام، وأعتقد أن فشل الحوار وتفجّر الأزمات وتعزيز العصبيات وغيرها هي نتائج طبيعية لحرمان استمر عقودًا من أي عمل سياسي ومدني يمكن أن يبني، ولو بشكل بسيط، مفهوم المواطنة والانتماء إلى دولة، وستمر ليبيا حتمًا بمرحلة تشرذم وتخبط وتفتت وثورات مضادة وتمردات عسكرية ومحاولة طرح وتطبيق مشاريع أيديولوجية متناقضة قبل الوصول إلى استقرار نسبي، مع ذلك، فهذا كله لا يمكن أن يبرر التراجع عن الرغبة في التغيير والتخلّص من الاستبداد في ليبيا أو في غيرها من الدول التي تمر بالمسار نفسه.

هل توجد أيديولوجيات حزبية فعلاً في ليبيا أم قبلية متناحرة وهل الحل قبلي؟
- القبلية هي الوعاء المناسب لاختلافات أعمق وأكثر مصالحية منها، أم الأيديولوجيات، فهي شبه معدومة إلا في مجال ضيّق للغاية بمعناها السياسي لغياب الممارسة السياسية طوال عقود ومنع الأحزاب بكل أشكالها وتوجهاتها، أما في معناها الديني فهي موجودة ومستعملة من جهات مختلفة لمحاولة السيطرة، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في أكثر من بلد بأن الدين هو وسيلة أيضًا للوصول إلى السلطة أو قلبها أو استرجاعها، ويمكن ربط ما يمكن أن يعتبر تناحرًا قبليًا بعوامل اقتصادية ونفطية متشابكة، فكما كان الصراع قديمًا في البوادي هو على المراعي والغنائم، أضحى حديثًا على مصادر الطاقة وطرق التجارة المتعددة.

هل تتجه ليبيا نحو الانقسام بالنظر إلى ولادة حكومة في الشرق تدعمها دول وأخرى في طرابلس؟
- إنه سيناريو محتمل ولكنه صعب التطبيق في الوقت الجاري لانعدام الظروف الإقليمية والدولية، للأسف يبدو أن الوعي لضرورة الحفاظ على وحدة التراب الوطني قد تم تجاوزه من خلال الانتماءات المختلفة والتأثيرات المتضاربة لقوى إقليمية وأخرى دولية، أما الحكومات المتعددة، فهي يمكن أن ترتبط بمرحلة تخبط وتضارب في المصالح ويكون الحوار والحل السياسي هو الطريق لتجاوزها كمحنة تدميرية.

وهل تدل المؤشرات إلى ما يحدث في الأراضي الليبية على أنه حروب بالوكالة تخوضها عدة دول عربية وغربية؟
- الحرب بالوكالة تعتمد على حرب بالأصالة، ولا يمكن لأطراف خارجية أن تطلق حروبًا في مناطق تتمتع بتعايش وتجانس، التدمير المجتمعي الذي أنتجته سنوات العسف أدى إلى تمزّق النسيج الوطني الذي يعاني كل الليبيين منه اليوم، وإعادة لحمته تتطلب وعيًا عميقًا وممارسة شفافة للعمل السياسي وللنشاط المدني، وهو ما تمنع الحروب القائمة حاليًّا من إنجازه، ويمكن اتهام أطراف خارجية بالاستفادة وبالتأثير، ولكن جذور الأزمة تبقى داخلية.

درنة تحولت إلى معقل لـ «داعش» الإرهابي، بحسب تقارير أمنية، هل يتجه السيناريو السوري نحو الأراضي الليبية بتوجيه التحالف الدولي للإرهاب ضربات عسكرية في ليبيا؟
- التحالف الدولي يفتقد الرؤية والاستراتيجية في ضرباته ضد هذا التنظيم الإرهابي في سورية، والنتائج حتى الآن ليست بمشجعة على أن التجربة قابلة للتوسع، أما العاملون تحت راية إرهاب «داعش» في ليبيا، فهم ممتدون ويتمددون ما دام التعامل مع الملف عسكريًا ومحدودًا ولا علاقة له في اقتلاع جذور المشكلة وإغلاق صنابير التمويل واجتثاث بذور الفساد والاستبداد، وهما عاملان أساسيان في بناء الأرض الخصبة لنمو طفيليات الإرهاب بمسمياته المختلفة.

ألا يشتت تعدد المبادرات، المصرية والجزائرية والسودانية والأممية والأفريقية حل الأزمة الليبية؟
- هناك محاولات جادة نابعة من خوف على الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي كما على حيوات الشعب الليبي، وهناك محاولات تسعى لتمرير مشاريع مرتبطة بمصالحها الضيقة، وعلى الليبيين أن يُميّزوا ويتحاشوا الوقوع في فخاخ الحلول الجزئية.

إذن كيف تحل أزمة الصراع على السلطة في ليبيا؟
- أعتقد أن التوصل إلى عقد مؤتمر وطني جامع مع توافر النيات الإقليمية والخارجية لإنجاحه يمكن أن يكون الحل الأمثل.

بخصوص الحالة الجزائرية هل تتوقعون تغيرًا في القريب بعد تدهور حالة الرئيس صحيًا وتحركات المعارضة وحالة الجمود العام؟
- تدهور صحة الرئيس ليست بحدث جديد، والقيادة الفعلية للبلاد ما زالت تنتظر قبل البدء بإصلاحات حقيقية تحمي البلاد من الخضّات والاضطرابات التي ستنطلق عاجلاً أم آجلاً إن لم ينظر إلى المشاكل الاقتصادية ومسألة الحريات بشكل واقعي، على الرغم من أنّه يجب الاعتراف بأن النموذجين السوري والليبي قد أثرّا في رغبات التحرك السلمي لدى كثير من الجموع في الدول العربية، كما أنه، وفي حالة الجزائر، ما حصل في زمن قريب ما زال يسجّل قلقًا في نفوس غالبية الشعب، وبالتالي، فأي تحرك شعبي سيتحسّب من أي انحراف غير محسوب باتجاه دوامة العنف، بالمقابل، يلعب جزء من المجتمع المدني دورًا واعيًا في تأصيل خطاب المواطنة والحراك المطالبي، مما يشكل صمّام أمان، يتجاوز في نتائجه، أداء الأحزاب السياسية.

لماذا كانت تونس الاستثناء في الحالة العربية الراهنة بانتخابات ديمقراطية تماثل الغربية؟
- حتى الآن هي تجربة ناجحة نسبيًا، وذلك لأسباب متعددة أهمها الوعي السياسي المرتفع نسبيًا لدى مختلف الأطراف، إسلامية وليبرالية وغيرها، إضافة إلى الدور الإيجابي لمنظمات المجتمع المدني والتي مارست دورًا أساسيًا في حماية مكتسبات الثورة وتأصيل الحوار الوطني البنّاء، كما أن ضعف أهمية الموقع الاستراتيجي في صراعات القوى الخارجية قام بدور نسبي أيضًا في عدم تأجيج الصراعات الداخلية، يضاف إلى ذلك أن الجيش التونسي قام بدور وطني بامتياز عكس الجيوش العربية الأخرى، وكان دوره أكثر إيجابية مما هو منتظر من خلال ملاحظة ممارسات العسكر في الساحة العربية عمومًا منذ فجر الدولة الوطنية.