"نوضي نوضي يا بنغازي".. 15 فبراير ذكرى انطلاق الثورة

"نوضي نوضي يا بنغازي، جاك اليوم اللي فيه تراجي"، تلك الصيحة الهادرة التي انطلقت في بنغازي في مساء مثل هذا اليوم، الخامس عشر من فبراير 2011، كانت شرارة أطلقت ثورة الليبيين على أربعين عامًا من حكم القذافي ومحاولة البحث عن مسار جديد لحياتهم ومستقبل وطنهم. تلك الثورة التي عُرفت باسم ثورة 17 فبراير، وهو التاريخ الذي حدده النشطاء على "فيسبوك" للخروج إلى الشوارع.

في هذا اليوم، قررت رابطة ضحايا سجن أبوسليم، التي يترأسها المحامي فتحي تربل، وقف المفاوضات التي كانت الرابطة تجريها مع عبدالله السنوسي، وكانت أجرت أربع جولات من المفاوضات، جميعها فشلت؛ بسبب عدم رغبة النظام في معرفة الحقيقة ومعاقبة الجناة، وهو المطلب الذي تمسكت به الرابطة، على الرغم من أن عبدالله السنوسي زاد من قيمة التعويضات في الجولة الخامسة، حتى وصلت إلى مبالغ باهظة، ومع ذلك رفضت الرابطة ما عرضه المسؤول الأول على مذبحة سجن أبوسليم، كما قررت الرابطة العودة إلى التظاهر كل يوم سبت، وعندها قرر السنوسي اعتقال تربل وحجزه في مديرية أمن بنغازي بمنطقة الهواري.

وما إن سمع أهالي ضحايا سجن أبوسليم بالخبر حتى هبوا إلى مديرية الأمن للإفراج عن فتحي تربل وعضو آخر في الرابطة، وعندها شعر عبدالله السنوسي بالخطر وأن هذه المظاهرة قد تتحول إلى شرارة تؤجج الثورة قبل انطلاقها بيومين، فأخذ يضغط على تربل من أجل الخروج إلى المتظاهرين وتهدئتهم، وأخيرًا قرر إطلاق سراحه.

عندما خرج تربل إلى المتظاهرين حملوه على الأكتاف وتوجهوا به إلى قلب المدينة، ومن الهواري إلى ميدان الشجرة وميدان عمر المختار، كان على المتظاهرين عبور مسافة عشرة كلم، وفي كل حي يمرون به ينضم المزيد من المتظاهرين إليهم، وعندما وصلوا إلى ميدان الشجرة قُدِّر عدد المتظاهرين بعدة آلاف؛ حيث واجهتهم قوات الدعم المركزي بالهراوات والماء الساخن كما أطلقت عليهم الرصاص الحي.

مع حلول المساء، كانت بنغازي منتفضة بالكامل، وتمكنت بعض الفضائيات من نقل مشاهد من المواجهات، كما أجرت قناتا العربية والجزيرة مكالمة هاتفية مع الكاتب إدريس المسماري، قبل أن يُعتقل في الليلة نفسها، كما اعتُقل الكثير من النشطاء، مثل محمد أقميع وعاطف الأطرش، ونُقلوا إلى طرابلس. وفي اليوم التالي استمرت الاحتجاجات بقوة، وطالب المتظاهرون للمرة الأولى بسقوط النظام، بينما حاول عبدالله السنوسي والساعدي القذافي إيجاد مخرج دون جدوى، بينما كانت مدينة البيضاء منتفضة مع شحات. وفي اليوم الثالث تحوَّلت المظاهرات إلى العنف مع وصول رجال من الجنوب وهم يرتدون خودات صفراء ويحملون هراوات.

شاع بين الناس أن القذافي يستخدم المرتزقة لقمع المتظاهرين، وعندها انحازت قوات الدعم المركزي للمتظاهرين، وتحوَّلت الثورة السلمية إلى عنف شديد عندما حاصر المتظاهرون كتيبة الفضيل أبوعمر في حي البركة، وسقط العشرات من الشهداء أمام بوابتها المُحكمة الإغلاق، وكان يوم الشهيد المهدي زيو، الذي فخَّخ سيارته بالمتفجرات وبأسطوانات الغاز، وقاد سيارته بسرعة لترتطم بالبوابة وتحيلها وتحيله إلى أشلاء، بينما كان أهالي البيضاء وشحات يقاتلون كتيبة حسين الجويفي في شحات بصدور عارية، وعندما تمكنوا من تدمير الكتيبة لجأ بعض ضباطها وجنودها إلى مطار الأبرق؛ حيث دارت معركة عنيفة تكللت بانتصار الثوار. وفي اليوم الرابع كانت برقة بالكامل خارج سيطرة كتائب القذافي.

نعود إلى هذه الذكرى بينما تقف ليبيا في مفترق الطرق، انتهت الثورة إلى غير ما كان متوقعًا، وعلى الرغم من نجاحها في إسقاط نظام القذافي، فإنها لم تنجح بعدُ في إعادة بناء الدولة، وسط غابة من الأسلحة وانفلات الأوضاع الأمنية، وتجاذبات التيارات السياسية وضعف المؤتمر والحكومة، واستمرار مسلسل الاغتيالات والتفجيرات في بنغازي ودرنة، فهل تحتاج ليبيا إلى ثورة أخرى تصحح مسار الثورة؟

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط