مع اقتراب الانتخابات.. «توازن القوى» يؤجل العد التنازلي لسحب القوات الأجنبية من ليبيا

بوتين وإردوغان في لقاء سابق. (أرشيفية: الإنترنت)

مع بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية والنيابية المقرَّرة في الرابع والعشرين من ديسمبر حسمت وزارة الدفاع التركية موقفها مجددًا من موعد انسحاب قواتها العسكرية من الأراضي الليبية، لتنخرط معها روسيا في لعبة «اسحب أنسحب» بدعوى الحفاظ على توازن القوى، فيما يبحث المجلس الرئاسي عن «وساطة» مع دول الجوار لقبول ترحيل مقاتلين ينتمون إلى تشاد والسودان.

ووجه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الثلاثاء الماضي، رسائل مباشرة إلى القرى الغربية بعد مطالب مؤتمر باريس حول ليبيا بضرورة مغادرة المرتزقة خلال الأسابيع المقبلة، رافضًا في كلمة ألقاها أكار أمام البرلمان التركي، اعتبار القوات التركية المتواجدة في ليبيا بأنها «قوات أجنبية»، قائلاً إن «القوات التركية لا تتواجد في ليبيا فقط من أجل أمن البلاد، بل من أجل تأمين السلام والاستقرار والأمن، بناءً على أخوة تمتد لخمسمائة عام».وعاد أكار إلى وجود «اتفاقيات وموافقة برلمانية وبناءً عليه تقدم القوات التركية الدعم في تدريب القوات الأمنية والمساعدة وخدمات الاستشارة».

دفاع عن التواجد التركي في ليبيا
ودافع الوزير التركي على نتائج تواجدهم في ليبيا مضيفا «إنه كانت هناك عملية سياسية وتطورات في ليبيا بفضل الدعم الذي قدمته أنقرة»، مشيرًا إلى أنّ «هدف أنقرة هو أن تكون ليبيا لليبيين ضمن ليبيا موحدة مع توفير الوحدة السياسية والسلام والاستقرار».

لكن تركيا اعتمدت أيضًا على مرتزقة سوريين في ترسيخ نفوذها والذين تنكر جلبهم، بيد أن المرصد السوري لحقوق الإنسان أفاد الأربعاء، بأن 140 مقاتلاً عادوا إلى الأراضي السورية، بعد توقف عملية الذهاب والإياب من وإلى ليبيا منذ 15 يومًا تقريبًا، حيث ينتمي العائدون إلى فصيلي «السلطان مراد» و«فرقة الحمزة»، مؤكدًا المرصد أن الدفعة الجديدة غادرت دون إرسال بديل لها إلى الأراضي الليبية حتى اللحظة.

روسيا: التزام متبادل بسحب القوات الأجنبية
وفي مقابل التعنت التركي تؤكد روسيا أنها مستعدة لدعم سحب متبادل للقوات من ليبيا وفق ما كشفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال مؤتمر باريس مشيرة إلى تحفظات أنقرة بهذا الشأن. وأضافت ميركل «لا تزال هناك بعض التحفظات من الجانب التركي لكن الجانب الروسي أقر بأن الأمر قابل للتنفيذ بطريقة متبادلة».

ووفقًا لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف فإن هذا النهج سيسمح بالحفاظ على توازن القوى الذي بفضله تمكّنت ليبيا من الحفاظ على الهدنة لأكثر من عام مؤكدًا أن المشاركين في مؤتمر باريس الدولي أكدوا ضرورة سحب القوات الأجنبية من الأراضي الليبية بشكل تدريجي وسلس. وبيّن أنه يجب أن «يتم على مراحل ويجب أن يكون متزامنًا لجهة انسحاب من يدعم غرب ليبيا ومن يدعم شرقها».

وفي وقت سابق، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن قلقه من استمرار وجود القوات الأجنبية في ليبيا على الرغم من الاتفاق على سحبها.و أفادت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) أن الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر سيسحب 300 مرتزق من المناطق التي يسيطر عليها بناءً على طلب فرنسا. وقال الرئيس الفرنسي إن 300 من المرتزقة الأجانب قد يغادون ليبيا خلال الأسابيع المقبلة، واصفًا تلك الفترة المقبلة بـ«الحاسمة»، قائلاً: «على روسيا وتركيا سحب القوات وأفراد المرتزقة من ليبيا بأسرع ما يمكن».

وكانت روسيا تنفي مرارًا أي تواجد عسكري لها في ليبيا، بعد نشر تقارير إعلامية مزاعم وجود مرتزقة قبل أن تعترف بوجود عسكري بناءً على طلب من مجلس النواب الليبي الذي رفض الاتهامات. ويستمر تواجد آلاف المرتزقة الروس من مجموعة «فاغنر» الخاصة والتشاديين والسودانيين، ومقاتلين سوريين موالين لتركيا، في ليبيا وفق الرئاسة الفرنسية. وبحسب الأمم المتحدة، يتمركز نحو 20 ألف مرتزق أجنبي في ليبيا، منذ شهر ديسمبر 2020.

مخاوف المجتمع الدولي على الانتخابات
ويتخوف المجتمع الدولي والليبيون من تأثير محتمل للمقاتلين الأجانب على العملية الانتخابية في المناطق التي يسيطرون عليها خصوصًا في حال خسارة حلفائهم فيما يجهل كيفية تعاطي الحكومة المنتخبة المقبلة مع الملف لتحقيق الاستقرار والسلام الدائم.

ويشير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الفرنسي تعليقًا على نتائج مؤتمر باريس إلى دور تركيا المهم منذ بداية الأزمة الليبية في الصراع حيث تم ترسيخه عسكريًا وبسبب تدخلها خلال النصف الأول من العام 2020، لم تسهم فقط في التغيير الجذري في ميزان القوى بين مختلف المعسكرات المتصارعة على الأرض، مما جعل من الممكن إبرام وقف لإطلاق النار. بل جعلها ضرورية في أي حل سياسي متصور. إذ تم هذا التدخل التركي بناءً على طلب رئيس حكومة الوحدة الوطنية آنذاك فايز السراج.

ولهذا السبب تُبدي تركيا تحفظات كبيرة على طلب انسحاب جميع القوات العسكرية الأجنبية، بحجة أنها تلقت دعوة للتدخل من قبل حكومة ليبية معترف بها من قبل المجتمع الدولي. وفي نظر المعهد الفرنسي «التفسير من الناحية الواقعية صحيح، لكن السؤال يصبح بعد ذلك إلى متى ستستمر هذه الحجة؟». بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت مسألة انسحاب القوات التركية قد تكون خاضعة للمفاوضات، رغم توصيات مؤتمر باريس، فإن مرتزقة سوريين يتم نقلهم بوسائل نقل تركية.

كما لفت التقرير الفرنسي إلى الجانب الآخر من القضية الذي يكمن في التنافس الشديد بين دول ثالثة تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على الأراضي الليبية. فقد دعمت روسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية المشير خليفة حفتر، وكل هذه القوى معارضة لتركيا.

«5+5»  وفتح ملف المرتزقة
وكانت اللجنة العسكرية «5+5» بعد اجتماعها الأخير في القاهرة أعربت عن اعتزامها التوجه إلى تركيا لفتح ملف المرتزقة، وفق تصريح سابق لمدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش اللواء، خالد المحجوب، مؤكدا أن عدم استجابة أنقرة لإخراج قواتـها ومرتزقتها من ليبيا سيتسبب لها بحرج دولي.

بدورها تؤكد الناطقة باسم المجلس الرئاسي، نجوى وهيبة، أن زيارة النائب بالمجلس الرئاسي، موسى الكوني، إلى القاهرة بحثت مبادرة إقليمية ودعم من جامعة الدول العربية لدعم أي وساطة مع الدول التي ينتمي لها بعض المقاتلين وخاصة المرتزقة المنضمين لجماعات مسلحة في دول الطوق الجنوبي لليبيا وتحديدا تشاد والسودان.

وفي السياق عبر الناطق الإقليمي باسم الخارجية الأميركية، سامويل وربيرغ، في مقابلة مع قناة «الجزيرة» عن قلق بلاده من وجود قوات أجنبية في ليبيا، وأعرب عن قلق كبير خاصة تجاه الوجود الروسي والمتمثل في مرتزقة شركة فاغنر الروسية، مشيرًا إلى أنه يؤدي إلى عدم الاستقرار.

المزيد من بوابة الوسط