مخاوف أممية من تكرار السيناريو الأفغاني على الحدود جنوب ليبيا

مروحية تابعة لقوات «أفريكوم» الأميركية . (أرشيفية: الإنترنت).

هواجس كبرى تلاحق الأمم المتحدة إزاء الاضطرابات السياسية في بلدان الساحل المتاخمة للجنوب الليبي مع تمدد نشاط التنظيمات الإرهابية بالمنطقة، تزامناً مع تراجع الهيمنة الفرنسية التقليدية ودخول باريس في صراع مع شركائها في تشاد ومالي، وسط استفحال النفوذ الروسي بالمنطقة، بينما هناك مخاوف من أن تتجسد المعاناة الأفغانية في المنطقة.

وقبيل بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك المتواصلة إلى غاية الأسبوع المقبل، قدم الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريس صورة قاتمة عن الوضع بمنطقة الساحل الملامسة للحدود مع الجنوب الليبي، حين عبر عن قلقه لتراجع الوجود الفرنسي واعتزام تشاد نقل قواتها «من أخطر منطقة»، وفق تعبيره.

للاطلاع على العدد 305 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

غوتيريس حذر من استنساخ المتطرفين في حالة الساحل الأفريقي، النموذج الأفغاني، «حيث الجماعات الإرهابية قد تتشجع بسبب الوضع في أفغانستان وانتصار طالبان».

اضطرابات عسكرية وانقلابات
وداخل دائرة الجوار الليبي تكثر الانقلابات والاضطرابات العسكرية؛ ما جعلها تعيش تحولات سياسية وأمنية صعبة، تعقد من الوضع الليبي المأزوم، فيوم الثلاثاء الماضي أحبطت القوات المسلحة في السودان خلال ساعات انقلاباً عسكرياً قاده 21 ضابطاً يقال إن المسؤول عنه نظام عمر البشير «السابق».

وتواجه تشاد التي قتل رئيسها إدريس ديبي قبل خمسة أشهر، متمردين قادوا العمليات من جنوب ليبيا؛ فيما دخل رئيس المجلس الانتقالي التشادي في خلاف مع فرنسا بسبب مخاوف من سحب قواته وتقاربه مع روسيا.

أما مالي التي شهدت ثاني انقلاب عسكري خلال أشهر، فقد دفعت بالجيش إلى ترك جبهات القتال في شمال ووسط البلاد للجماعات المسلحة، وانغمس في صراع مع خصومه، واستنجد بقوات عسكرية روسية، أثارت استياءً أوروبياً. في حين كان انقلاب آخر قبيل تسلم رئيس النيجر المنتخب محمد باوزوم، على وشك النجاح، لولا وأده في المهد.

تنظيمات دموية تهدد منطقة الساحل
وفي مقابل الهشاشة السياسية تستمر تنظيمات إرهابية في خلط أوراق الاستقرار الأمني، حيث ينشط تنظيم «داعش–الصحراء الكبرى» الذي تأسس 2015 وتمتد أذرعه إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إلى جانب جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التي تألفت نتيجة تحالف «أنصار الدين» مع «جماعة المرابطين» و«تحرير ماسينا»، وبايعت أخيراً تنظيم «القاعدة» في الساحل الأفريقي، إضافة إلى تنظيم بوكو حرام الذي صار «الدولة الإسلامية–ولاية غرب أفريقيا» وينشط في نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر.

وتسعى هذه التنظيمات الدموية للهيمنة بعد القتال لتحقيق ما تسميه الخلافة وإقامة «إمارة حكم» مثلما وقع في شمال مالي عندما سيطر تنظيم "القاعدة" عليه في 2012 وأعلنه «دولة مستقلة»، مما حفز فرنسا للتدخل العسكري، وهو الأمر الذي يطرح اهتماماً غربياً، لافتا بهذه المنطقة والجميع يقدم الفشل الأميركي في أفغانستان مثالاً على ذلك.

ويؤثر الوضع في المنطقة على الجنوب الليبي، خاصة ما يدور في تشاد وشركائها التقليديين، وعلى رأسهم فرنسا التي تشير مصادر أمنية إلى توتر في العلاقة بينها والمجلس العسكري الانتقالي، مع تنامي احتمالية انتهاج تشاد مساراً تتبعه مالي وأيضاً سحبها نصف عدد قواتها من المشاركة في إطار دول الساحل الخمس.

وساطة قطرية بين تشاد وباريس
وما يدعم هذا الطرح تزامن زيارتي رئيس المجلس العسكري محمد إدريس ديبي إلى قطر في 12 سبتمبر الجاري مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، وسط ترجيحات بانخراطً الدوحة في وساطة بين السلطات التشادية والمجموعات المتمردة المسلحة، خاصةً أن تيمان ارديمي، ابن عم محمد ديبي قائد «اتحاد قوى المقاومة» الآن متواجد في الدوحة تحت الإقامة الجبرية.

وتحالف تيمان مع عدة فصائل تشادية متمردة منذ 2005، لكن في العام 2019 توقف هجومه من جنوب ليبيا بعد قصف طائرات من نوع «ميراج 2000 الفرنسية»؛ إلا أن وزير الخارجية التشادي شريف محمد زين، أوضح أن زيارة ديبي إلى قطر كانت تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين.

من جهة أخرى، تقول أوساط فرنسية إن باريس تسعى إلى محاولة إبعاد ديبي عن أي تقارب محتمل مع موسكو، وذهبت إلى اتهام قوات «جبهة التغيير والوفاق» التشادية المتمردة (فاكت)، التي يترأسها محمد مهدي، بتلقي تدريبات عسكرية روسية عبر شركة «فاغنر» الروسية، قبل الزحف الأخير الذي استهدف العاصمة في أبريل، وأدى إلى مقتل رئيس الجمهورية ديبي إتنو.

المرتزقة في ليبيا.. صداع
وأدرجت التحركات العسكرية في الجنوب الليبي لطرد المرتزقة والقضاء على الجماعات الإرهابية ضمن الخطط الإقليمية المدعومة فرنسياً لتنفيذ بنود الاتفاق الدولي بشأن إخراج المقاتلين الأجانب خارج الأراضي الليبية تمهيداً للانتخابات، وهي خطوة تخدم بصورة أوسع أنجامينا في إجبار المعارضة العسكرية التشادية المتمردة على قبول جلسات الحوار بإغلاق منافذ يرجح أن تلجأ إليها.

وتسعى كل من ليبيا والسودان والنيجر وتشاد إلى إعادة تفعيل اتفاق معلق يعود تاريخه إلى العام 2018 لتأمين الحدود لمنع توغلات المتمردين. ورداً على رفض أوروبا تحالفها مع موسكو، قالت حكومة مالي إنها تمتلك وحدها قرار اختيار الشركاء الذين يمكنها الاستعانة بهم، تزامناً مع اتهامات لها بالسعي لجلب مرتزقة روس يتبعون شركة «فاغنر».

وحذر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، من أن أي وجود لـ«فاغنر» في مالي، سيؤثر بشكل كبير على العلاقات بين مالي والاتحاد الأوروبي، وسط تحذيرات ألمانية بدفع التعاون من هذا النوع إلى إعادة النظر في مشاركة جيشها في باماكو.

مالي ليست أفغانستان
ورداً على المخاوف من تكرار السيناريو الأفغاني في مالي، مع قرب موعد انتهاء عملية «برخان» الفرنسية قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تصريحات سابقة «إن الساحل ليس أفغانستان»، موضحاً في الوقت نفسه أن بلاده لن تنسحب، ولكنها ستركز بشكل أساسي على مكافحة الإرهاب، مؤكداً أنه لهذا السبب «استخلصت حكومته الدرس في مالي قبل أن نرى ما حدث في أفغانستان».

للاطلاع على العدد 305 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ومن غير المستبعد أن تكون اللعبة الجيو ستراتيجية بين الجانبين، الأوروبي والروسي، ضمن النقاشات بعدما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، النظر مع سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في القضايا الدولية الموضعية، مع التركيز على الوضع في ليبيا ومالي وأفغانستان وسورية، فيما أكد وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، مساء الثلاثاء في الأمم المتحدة، أنه يخطط لعقد اجتماع ثنائي مع لافروف لمناقشة عدة مواضيع منها ليبيا.

الدبيبة: تجربة أفغانستان لا يجب أن تفرض نفسها على دولة أخرى
ومن إيطاليا، خاطب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبد الحميد الدبيبة، الاتحاد الأوروبي على هامش «منتدى أمبروزيتي» مطلع سبتمبر بدعوته إلى إدراك أن التجربة الأفغانية يجب ألا تفرض نفسها على دولة أخرى بالقوة، مشيراً إلى التحديات التي تواجه ليبيا.

وفي السياق ذاته، طلبت حكومة الوحدة خلال الاجتماع، الذي عقد نهاية الأسبوع في طرابلس، بين وكيل الشؤون السياسية بوزارة الخارجية محمد خليل عيسى مع رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في الإدارة المتكاملة لأمن الحدود بليبيا ناتالينا شيا، توسيع دعم البعثة في المناطق الصحراوية الشاسعة في الجنوب ليشمل التعاون مع دول الساحل المجاورة. وحثت أيضاً البعثة الأوروبية على المساعدة في الجنوب بتوفير نظام المراقبة الإلكتروني والمعدات والتعاون مع دول الساحل.

المزيد من بوابة الوسط