إغلاق الحدود البرية بين ليبيا وتونس يكبد البلدين خسائر اقتصادية كبرى

خسائر اقتصادية باهظة تتكبدها كل من ليبيا وتونس في ظل استمرار غلق الحدود بين البلدين، إذ أدى قرار الإغلاق إلى توقف حركة نقل البضائع وخسارة مئات الملايين من الدولارات، وهيأ ذلك الظروف لإنعاش نشاط التهريب، وإعطاء الفرصة لصالح المنافسة التركية على السوق الليبية.

وفي غياب أي قرار رسمي يحدد موعد فتح منفذي رأس اجدير بمدينة بن قردان في الجنوب التونسي ومنفذ ذهيبة وازن بمدينة الذهيبة في محافظة تطاوين، الذي بدأ في 11 يوليو الماضي، يحصي مجتمع الأعمال بين البلدين وصغار التجار النشطون خسائرهم، وهم الذين عولوا على وجود حكومة موقتة ومرحلة انتقالية، وخارطة طريق في ليبيا، في إنهاء فترات طويلة من الكساد.

للاطلاع على العدد 303 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وتسترزق عشرات الآلاف من العائلات التونسية عبر المناطق الحدودية من التجارة البينية، أو ما يعرف بـ«تجارة الخط». أما العائلات الليبية فهي الأخرى تأثرت بفعل لجوء الكثير منها للعلاج في عيادات تونسية وهو ما تعطل نتيجة الإغلاق؛ فيما أسفر تراجع دخول مختلف المنتجات على أسعار السلع في الأسواق الليبية.

إجراءات مطلوبة لتحسين الوضع التجاري بين ليبيا وتونس 
ولم يخفِ مجلس الأعمال التونسي امتعاضه من استمرار إغلاق الحدود بين تونس وليبيا. وقال رئيس المجلس، أنيس الجزيري، إن قرار السلطات تعليق الرحلات الجوية وحركة المرور عبر المعابر الحدودية فاجأه، نظرًا لقلة التوترات الدبلوماسية بين الدول، مشيرًا إلى أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات لا ينبغي أن يؤثر على التبادل التجاري كما حدث.

ودعا الجزيري القيادة التونسية إلى تفهم موقف موضوعات العلاقات الاقتصادية، مؤكدًا أن الوضع الحالي أثر على مئات المؤسسات. كما ناشد المجلس، السياسيين في البلدين اتخاذ إجراءات عاجلة، بدءًا من السماح بمرور البضائع عبر الحدود الليبية - التونسية، ومن ثم اتخاذ إجراءات بشأن حركة الأفراد.

وعلى مدى أيام دخلت العلاقات التونسية - الليبية في حالة من التوتر عقب حديث أطراف سياسية عن إمكانية تسرب عناصر إرهابية إلى تونس من أجل تنفيذ عمليات انطلاقًا من قاعدة الوطية في الغرب الليبي؛ بهدف إرباك الوضع في تونس، وذلك عقب التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد، ليل 25 يوليو الماضي، قبل أن تنفي حكومة الوحدة الوطنية الموقتة هذا الأمر جملة وتفصيلًا.

وفي 8 يوليو الماضي، اتخذت الحكومة قرارًا يقضي بغلق حدودها البرية والجوية مع تونس لفترة قصيرة لأسباب صحية، قبل أن تعلن تونس في 20 أغسطس، على لسان وزير خارجيتها، الإبقاء على معبري رأس اجدير وذهيبة مغلقين للأسباب ذاتها، على الرغم من إعلان السلطات الليبية إعادة فتحهما بداية من يوم 19 أغسطس.

مصر وتركيا مستفيدتان تجاريا من إغلاق الحدود بين ليبيا وتونس
ويرى خبراء في الشأن الاقتصادي أن التأخر في إصلاح العلاقات بين تونس وليبيا يخدم تركيا ومصر أهم منافسين اقتصاديين لتونس في ليبيا.

وأظهرت معلومات قدمتها المنظمة الوطنية لدعم المنتوج التونسي (تونس تنتج) وهي منظمة غير حكومية، أن عددًا من الشركات التركية، وبالاتفاق مع موردين ليبيين، قامت باستغلال تواصل غلق الحدود التونسية–الليبية وعمدت إلى تصدير جملة من المواد الغذائية المصنعة في تركيا، الحاملة لأسماء علامات تونسية، إلى السوق الليبية. وحسبما ذكرت المنظمة في بيان لها، نشر عبر موقعها الرسمي الأحد الماضي، فإن عددًا من العلامات المعروفة يتم استعمالها دون علم الشركات التونسية صاحبة العلامة، وذلك للتحايل على المواطن الليبي الذي تعود على استهلاك هذه المنتجات التونسية.

وكشفت المنظمة قيام البعض من الشركات التونسية ببيع علاماتها إلى الشركات التركية لاستخدامها بسبب عدم قدرتها على التصدير، انطلاقًا من تونس، في حين أن شركات أخرى أغلقت أبوابها وانتقلت إلى الاستثمار في تركيا لتتمكن من تصدير منتوجاتها إلى ليبيا.

ودعت المنظمة السلطات التونسية إلى فتح تحقيق في سبب تواجد علامات تونسية في السوق الليبية تقوم بتصديرها تركيا، واتخاذ كل الإجراءات لحماية المنتوج التونسي في الحالات التي يتبين فيها أن العملية تمت دون علم المؤسسات التونسية.

كما طالبت بالتوصل إلى اتفاق مع السلطات الليبية ووضع حد لتواصل إغلاق الحدود التونسية – الليبية، الأمر الذي يكلف الاقتصاد التونسي خسائر فادحة، خاصة أن ليبيا تعتبر سوقًا مهمة للبضائع التونسية. وتشير معطيات تونسية رسمية إلى أن ليبيا تستورد نحو 70% من احتياجاتها من تونس؛ غير أن الأرقام تراجعت في السنوات الأخيرة بسبب غلق الحدود مع ليبيا مرارًا وتداعيات جائحة «كورونا».

الخط البحري يمنع مزيد الخسائر
لكن مع ذلك فإن الخط البحري بين البلدين جنبهما خسائر كادت تلحق بمزيد من التجار والفلاحين، فقد أوضح المجمع المهني المشترك في تونس أن صادرات الغلال إلى ليبيا زادت بنسبة تفوق 50%، لتبلغ أكثر من 24 ألف طن خلال الفترة بين يناير 2021 و3 سبتمبر 2021، مقابل 11 ألف طن خلال الفترة ذاتها من العام 2020، رغم توقف الحركة التصديرية باتجاه السوق الليبية عبر الحدود البرية منذ شهر يوليو بفعل تأثيرات جائحة «كوفيد 19».

وأشار المجمع إلى تواصل عملية تصدير الغلال في اتجاه ليبيا عن طريق الباخرة عبر الخط البحري المباشر صفاقس / طرابلس، إذ جرت برمجة رحلة بحرية بطاقة شحن تناهز 700 طن تنطلق خلال أيام. وأكد مسؤولو المجمع أن الخط البحري المباشر لن يسهم في عودة التصدير بنسب كافية إلى السوق الليبية التي تستقطب أكثر من 70% من مجموع صادرات الغلال التونسية، إلى نسقه المعتاد قبل غلق الحدود البرية.

انتعاش سوق التهريب
وتعتبر ليبيا ثاني شريك اقتصادي لتونس بعد الاتحاد الأوروبي بحجم مبادلات يفوق 500 مليون دولار، فيما تجاوزت تحويلات قرابة 150 ألف تونسي كانوا يشتغلون في ليبيا قبل العام 2010، نحو 60 مليون دينار تونسي.

وفي ظل تأخر إنجاز المنطقة التجارية الحرة المشتركة منذ مارس 2019، ومع دخول البلدين في أزمة حدود متجددة خلفت اضطرابات اجتماعية وتراجع السياحة والاستثمار، انتعشت أنشطة التهريب والسوق الموازية، إذ تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن التهريب والتجارة غير الرسمية يمثلان أكثر من نصف المبادلات التجارية التونسية مع ليبيا.

للاطلاع على العدد 303 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

كما ذكر البنك أن 328 ألف طن من السلع المهربة تمر سنويًّا عبر رأس اجدير، فيما ابتلع التهريب أكثر من 60% من النشاط التجاري بين البلدين. البنك الدولي أكد أيضًا أن تونس تخسر نحو 800 مليون دولار سنويًّا كتأثير مباشر للأزمة الليبية بين استثمارات وصادرات، وشملت هذه الخسائر، وفقًا لدراسة أعدها البنك، رقم معاملات المؤسسات التونسية المستثمرة في ليبيا والمصدرة والمؤسسات غير المرتبطة اقتصاديًّا بصفة مباشرة مع ليبيا بسبب غياب مناخ الاستثمار على المستوى الإقليمي.

وذكرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا)، في تقرير نشرته في يونيو الماضي، أن الأزمة الليبية كلفت تونس 24% من نموها الاقتصادي بين 2011 و2015.

المزيد من بوابة الوسط