استطلاع «الوسط»: ليبيون يرجحون عدم إتمام الانتخابات.. ومطالب بطرد المرتزقة وتحسين الاقتصاد أولاً

فاديا حمد وعمر النعاس وسمية سالم

الحديث عن الانتخابات يشغل قطاعا عريضا من الليبيين الراغبين فى إنهاء المرحلة الراهنة، التي مزقت نسيج البلاد الاجتماعي ودمرت مقدرتها الاقتصادية، ولكن إجراء الانتخابات من عدمه لا يزال أمراً غير مؤكد بالنسبة للغالبية، التي ترى تخبطاً وعدم وجود خطوات ملموسة لإنجاز الاستحقاق الانتخابي، في موعده المقرر وفق خارطة الطريق التي وضعها ملتقى الحوار السياسي وهو 24 ديسمبر المقبل.

ويرى الأكاديمي، الدكتور إمحمد البكاي، أن الغموض لا يزال يحيط بانتخابات 24 ديسمبر، إذ لا يعرف حتى الآن مدى قدرة حكومة الوحدة الوطنية الموقتة على تنظيمها في ظل استمرار الخلاف بين «مجلس النواب في طبرق ومجلس الدولة في طرابلس حول القاعدة الدستورية التي ستعتمد عليها الانتخابات».

وأضاف: «مع ضيق الوقت وتعثر الوصول إلى رؤية أو اتفاق فإن التساؤل لا يزال قائماً دون إجابة: هل الاستفتاء على الدستور أولاً أم تنظيم الانتخابات أولاً».

التخلص من المرتزقة ضرورة
وأشار البكاي إلى ضرورة تخليص ليبيا من انتشار المرتزقة في البلاد، «فوجودهم يعني أن الظروف غير ملائمة لإجراء انتخابات حرة نزيهة وشفافة، فضلاً عن وجود عديد التحديات أمام الحكومة لإجراء الانتخابات في الموعد المتفق عليه».

وتابع: «إن المهمة الأساسية لحكومة الوحدة التحضير لإجراء الانتخابات ولكنها لم تبدأ فعلياً بعد، ولم نرَ أي بوادر أو ترتيبات سياسية وأمنية، أو حتى استعدادات فنية ولوجستية ممكن توحى بأن هناك رغبة حقيقية لخوض هذه الانتخابات، كما أن بعض الدول المتدخلة في الشأن الليبي تعمل على عرقلة الانتخابات للحفاظ على مصالحها».

صعوبات اقتصادية
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي قد يعرقل إتمام الانتخابات، «فحتى الآن لم يتم توفير الأموال اللازمة لإجراء الانتخابات، كما أن الأوضاع المالية السيئة قد تدفع المواطنين إلى العزوف عن المشاركة».

ويرى البكاي أنه إذا مارس المجتمع الدولي ضغوطات بفرض عقوبات على أي شخص يعرقل الانتخابات المخطط لها في خارطة طريق منتدى الحوار السياسي فستتم هذه الانتخابات.

كما حمل مجلس النواب المسؤولية وقال: «هو مسؤول عن التعجيل بإجرائها أو العمل على إفشالها، والمجتمع الدولي على دراية تامة بكل ما يحدث داخل المجلس، ويعلم من هم الأشخاص المعرقلون للعملية الانتخابية، ولكن لا يريد التدخل».

انتخابات يريدها الساسة
وتقول الناشطة المدنية، فاديا حمد، إن الانتخابات لم يطلبها الليبيون، بل طلبها الفرقاء السياسيون، وهم من قرر عن الليبيين، فلا أحد أجرى دراسة عن احتياجات الشعب أو ما شابه، «نحن في حيرة».

وأشارت إلى أن تاريخ 24 ديسمبر «عيد استقلال ليبيا، واختياره موعداً للانتخابات نوع من الاستخفاف بنا وباحتياجاتنا.. فليبيا تحتاج توحيد مؤسسات الدولة وحماية المدنيين».

للاطلاع على العدد الجديد من «جريدة الوسط» اضغط هنا 

وتتوقع الصحفية سمية سالم، أن تجرى الانتخابات في موعدها، «لكن متوقع أيضاً أن يسيطر تيار معين على عملية سيرها وقد يتلاعب بنتائجها، فانتخابات مع سلاح منتشر وأطراف متنازعة أمر كارثي بامتياز».

وترى أن كثيراً من الناخبين لم يسجل في منظومة المفوضية الوطنية للانتخابات لأنهم لا يصدقون بهذه العملية، كما أن «المفوضية لم تقم بدورها المناط بها بدقة ووضوح، خاصة من حيث التوعية وتحديد الأزمنة الحاسمة».

الدستور أولاً
ويرسم عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، عمر النعاس، صورة إيجابية عن المستقبل السياسي، ويقول: «الشعب الليبي لن يخفق في بناء ليبيا، وأنا دائماً أؤكد أن أي انتخابات حقيقية يجب أن تقوم وفق دستور حقيقي نابع من إرادة الشعب الليبي».

وأشار إلى إقرار الهيئة التأسيسية مشروع الدستور «وفق آلية دستورية صحيحة وواضحة وبأغلبية معززة بلغت 43عضواً من أصل 44عضواً حاضرين من كل المناطق والدوائر الانتخابية في البلاد، وبنسبة تجاوزت المنصوص عليها في الإعلان الدستوري».

وأضاف: «جرى ذلك من خلال التصويت العلني الحر المباشر بمقر الهيئة التأسيسية بمدينة البيضاء بتاريخ 29 يوليو 2017، ومشروع الدستور جاهز منذ أكثر من أربع سنوات للاستفتاء عليه من الشعب الليبي، علماً بأن مجلس النواب كان أصدر قانون الاستفتاء سنة 2018».

اقتراح
وشدد على أن الاستفتاء على مشروع الدستور هو الأصل، وحق دستوري للشعب الليبي، «ولكن في حال التمسك بتاريخ 24 ديسمبر لإجراء الانتخابات العامة، والقول بوجود صعوبة في الاستفتاء أو لضيق الوقت، ومحاولة البعض البحث عن قاعدة دستورية بتدخل سافر من البعثة الأممية، فإن الحل الأنسب هو إقرار مشروع الدستور كقاعدة دستورية حقيقية نابعة من إرادة الشعب الليبي، وتكون نافذة لمدة خمس سنوات وتجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفق أحكام الدستور ويمكن الاستفتاء عليه مستقبلاً».

واعتبر أن القيمة الحقيقية للدستور ليست فقط لإجراء الانتخابات، ولكن لتقييد السلطات المنتخبة بأحكام الدستور وفق آلية واضحة للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة والعزل لكل المسؤولين دون أي استثناء.

أخيراً، يرى الناشط أبكر الغصني، أن المواطن الليبي أبعد ما يكون عن دائرة اهتمام المسؤولين، «فالمواطنون الليبيون ليست لهم علاقة من قريب أو من بعيد في الإخفاق أو نجاح العملية الانتخابية، لأن الجهات المسؤولة والأجسام ذات الاختصاص هي من تقرر، وبالتأكيد الإخفاق أمر محتوم ومحسوم، ولن تكون هناك انتخابات يوم 24 ديسمبر، حسب ظني».

من جانبه يرى مسعود بكاكو، المهتم بالشأن العام، أن إخفاق الليبيين في إجراء الانتخابات أكبر من احتمال النجاح، حسب المعطيات السياسية والميدانية الراهنة، وبعبارة أخرى فإن اجراء الانتخابات فى ليبيا فى موعدها المحدد مشكوك فيه بدرجة كبيرة، بسبب تشابك وتعقيد الأوضاع وتعارض مصالح الأطراف الداخلية والخارجية في الساحة الليبية.

وأرجع رأيه هذا لعدة أسباب داخلية وخارجية، على رأسها عجز حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي عن القيام بالمهام اللازمة لإنجاح الانتخابات، سواء على صعيد توحيد المؤسسات خاصة الأمنية والعسكرية أو على صعيد دعم المفوضية العليا للانتخابات، وفق قوله.

وانتقد عدم إعطاء الأولوية للمصالحة الوطنية الشاملة، باعتبارها وسيلة ضرورية لبناء توافقات وطنية مشترطة بالحد الأدنى حول المسائل المختلف عليها، مثل شكل الدولة، وتقاسم الموارد والثروة وإدارة المؤسسات السيادية، مؤكدا أن غياب المصالحة الوطنية انعكس على حالة الانقسام والصراع على مجمل نتائج الحوار بين الأطراف الليبية المتنازعة، وحال دون وصول الأطراف إلى أي توافقات وطنية حول القضايا والمسائل الخلافية، ومنها القاعدة الدستورية للانتخابات والمناصب السيادية وغيرها.

وشدد على أن العامل الخارجي المتمثل فى المجتمع الدولي سيكون هو العامل الأساسي في نجاح أو إخفاق الليبيين في إنجاز الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية والرئاسية، مضيفا أن انفراط عقد المجتمع الدولي سيفسح المجال للأطراف المتصارعة محليا وإقليميا أن تلعب فى الساحة الليبية وفق رغباتها ومصالحها الضيقة واللا أخلاقية دون النظر لأي اعتبارات أخرى، حسب قوله.

في العدد 301: الحكومة تحت قصف «النواب».. ومطالب بالتخلص من المرتزقة وتحسين الاقتصاد

لكن الدكتور عمران مفتاح، المهتم بالشأن العام أيضا، يؤكد أن كل المعطيات التي نراها أمامنا تشير إلى أن موعد الاستحقاق الانتخابي يسير حسب المخطط له، «الإرادة الدولية والإرادة الشعبية والمفوضية، كلها تعمل على قدم وساق لإنجاز هذا الاستحقاق»، لكن هناك العديد من العراقيل والعوائق التي ستشكل حجر عثرة أمام الوصول إلى ظهور هذا الاستحقاق بشكل أمثل، ومنها عدم وجود دستور يستند عليه وعدم الاتفاق على قاعدة دستورية مبدئية لإنجاز الاستحقاق بالإضافة إلى عدم توحيد بعض المؤسسات وأهمها العسكرية، الأمر الذي مازال ينذر بالخطر والخوف من دخول البلاد في دوامة عنف جديدة.

وحسب وجهة نظر مفتاح، فبدون وجود قاعدة دستورية واضحة المعالم يستند عليها، وبدون وجود سلطات قضائية عليا يحتكم لها، وبدون وجود قوات حماية حقيقية تؤمن هذا الاستحقاق، «لا يزال هذا الحلم بعيد المنال، وإن تحقق سيكون معيبا وناقصا وسيقود إلى المزيد من الاضطرابات».

سيناريو تأجيل الانتخابات 
وبرأي الكاتب الصحفي موسى تيهو ساي، فإن تأجيل الانتخابات بات سيناريو واردًا بشكل متزايد؛ نتيجة للأنانية السياسية التي ينتهجها متصدرو المشهد الحالي خصوصًا مجلسي النواب والدولة.

وقال: «البرلمان تفرَّد بصياغة القوانين الخاصة بالانتخابات دون إشراك مجلس الدولة، الذي بدوره يرى هذه الخطوة بمثابة العرقلة للمسار السياسي برمته، ويشهر بشكل مفرط الرفض. وهو ما يشكل تهديدًا حقيقيًّا للمسار السياسي برمته، بل وينذر بعودة الأمور إلى المربع صفر، حيث الاصطفاف العسكري من جديد».

إضافة إلى ذلك، يشير ساي إلى عدة مؤشرات للاتجاه نحو سيناريو التأجيل منها: انقسام المؤسسات الأمنية والعسكرية، واستمرار بقاء المرتزقة والقوات الأجنبية، وحملات إعادة ترسيخ فكرة الانقسام وتعدد الحكومات، وعدم وضع خطة حكومية لتخفيف معاناة المواطنين، واستمرار سياسية المركزية.

لكن ساي يؤكد مع ذلك أن الوقت «لايزال مناسبًا لإجراء الانتخابات إذا كانت هناك رغبة حقيقية لدى الساسة الحاليين، وحد أدنى من احترام إرادة الشعب في انتخاب سلطة جديدة تمثله، بعيدًا عن مَن فرضوا أنفسهم على المشهد الليبي منذ عقد من الزمان»، ودعا السلطات الحالية إلى «تسجيل موقف مشرف، والامتثال إلى إرادة الليبيين».

الانتخابات «نهاية لحكم الفترات الانتقالية»
وحسب المهتم بالشأن العام عمر أبوسعدة، فإن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المنتظرة نهاية العام الجاري بمثابة «بداية عملية الخروج السليم من أزمة ليبيا السياسية والاقتصادية المستفحلة، ونهاية مؤكدة لحكم الفترات الانتقالية المتكررة الفاشلة المضطربة الهشة التي عصفت بأحلام الليبيين في الاستقرار والتنمية».

ويرى أن أكبر تهديد لإجراء الانتخابات في موعدها يتمثل في «فشل مجلس النواب في إنتاج قاعدة دستورية أو سن تشريعات تقضي بقانونية وشرعية مؤسسات الحكم المنتخبة الجديدة»، وأشار إلى عدم رغبة مَن وصفهم بـ«دوائر الفساد المستشري، المحمية من مراكز قوة مشارِكة في صناعة القرار» في إجراء «انتخابات تزيل عنهم الغطاء السياسي وتأتي ضد مصالحهم».

وتحدث عن تأثير، التدخل الخارجي في الشأن الليبي، على إجراء الانتخابات في موعدها قائلًا: «الكل يبحث عن موطئ قدم، وقد يكون هذا التدافع أحد العوامل المؤثرة لفشل إجراء العملية الانتخابية بموعدها المحدد».

ناديا عمران: لن تكون هناك انتخابات في ديسمبر
وحسب عضوة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ناديا عمران، فإن «كل المؤشرات تنبئ بوضوح بأنه لن تكون هناك انتخابات في ديسمبر المقبل».
وقالت: «الانتخابات تحتاج إلى أسس عدة لإجرائها ونجاحها (...) وللأسف لم يتوفر منها شيء حتى الآن».

وأكد الناشط الشبابي، علي قليلي، تطلع الليبيين إلى «ليبيا موحدة، وغد أفضل» عبر الاستحقاق الانتخابي في ديسمبر المقبل، موضحًا أن «الإخفاق أو العجز يتمحور حول القاعدة الدستورية» المنظمة لهذا الاستحقاق، وكذلك الأجندات التي لا ترغب في إجراء هذه الانتخابات.

وقال: «يتطلع أبناء الشعب الليبي لإجراء انتخابات نزيهة، وعادلة تضمن حق كل المكونات والتوجهات بالساحة السياسية في ليبيا»، متحدثًا عن عقبات أمام إجراء الانتخابات في موعدها منها التدخل الخارجي. واتهم حكومة الوحدة الوطنية الموقتة بـ«عدم الجدية في تهيئة الأرضية بشكل جيد» لهذا الاستحقاق، و«عدم الالتزام بمخرجات الحوار السياسي في جنيف.

إنهاء تعدد الشرعيات وتوحيد المؤسسات
وقال الكاتب والناشط المدني عبدالقادر أبوشناف، إن الليبيين يتطلعون إلى هذه الانتخابات لإنهاء أزمة تعدد الشرعيات وتوحيد مؤسسات الدولة، لكنه تحدث عن «عدم رغبة الأطراف السياسية على المستويين المحلي والإقليمي» في إجراء هذا الاستحقاق في موعده.

ورأى أن الظروف المعيشية الصعبة التي لازالت تواجه الليبيين «يسأل عنها البرلمان»، وقال: «هذا ربما يكون سببًا في مماطلة النواب في اعتماد الميزانية العامة للدولة؛ لأن توافر الظروف للانتخابات يعني المطالبة بها».

كما تحدث عن وجود خلل في تركيبة الاتفاق السياسي متسائلًا: كيف يمكن لسلطة تنفيذية أن تعمل على إنهاء انقسام سياسي في مدة قصيرة، وفي ظل انقسام حاد وصل إلى ذروته في المعارك العسكرية على مشارف العاصمة؟ وأجاب: «هذا يجعلنا نصل إلى عدد من الأسباب، أولها غياب الإرادة السياسية وأيضًا التوافق الإقليمي والدولي، والاضطرابات التي تشهدها المنطقة خصوصًا المغاربية، من تدهور الوضع في تونس، والقطيعة بين الجزائر والمغرب، وانتقال السلطة العسير في تشاد، وغيرها من الملفات الساخنة». 

المزيد من بوابة الوسط