دراسة أميركية: ليبيا تحولت إلى «بوابة» لتهريب السلع التركية والصينية

منفذ رأس جدير. (أرشيفية: الإنترنت)

 كشفت دراسة أميركية، عن أساليب باتت جهات غير رسمية وتجّار تونسيون «كبار» يعتمدون عليها، تضع ليبيا كمنطقة عبور لتخزين السلع المستوردة والمنتجة في الصين أو تركيا وشحنها عبر الشبكات البحرية والموانئ التونسية بدل الطرق البرية، وذلك لتجاوز القيود الضريبية.

واستند معهد مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط في دراسة بعنوان: «الوجه الخفي للتجارة غير الرسمية العابرة للحدود في تونس بعد العام 2011» المنشورة منتصف يوليو الجاري، إلى مقابلات مع تجار ومهربين وأعضاء في جمعيات تجارية وخبراء اقتصاديين وموظفين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن التونسية، مؤكدة تسبُّب تشديد الإجراءات الأمنية في المناطق الحدودية والحملة المكثفة للقضاء على شبكات التهريب مع ليبيا بزيادة كبيرة في التكاليف التشغيلية للشبكات التجارية عبر الحدود البرية، وبالحد من تدفقات السلع والمنتجات التي كانت تمد الاقتصاد التونسي باحتياجاته. أيضا أشارت الدراسة إلى تسبب التغيرات التي شهدتها ليبيا، بما في ذلك هبوط أسعار النفط وإصلاح نظم الدعم الحكومي، في تباطؤ نشاط الاقتصاد الحدودي.

للاطلاع على العدد 297 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ورغم تعزيز الإجراءات الأمنية عند المناطق الحدودية، لم تتمكن السلطات التونسية من القضاء كليا على ممر «الخط» البري. ومع أن الحكومة التونسية تحدثت عن مصادرة كميات ضخمة من البضائع والسلع المهربة، في الفترة الممتدة من ديسمبر 2015 إلى يناير 2016، تشير تقارير أخرى إلى استمرار أنشطة التهريب نظرًا إلى الخروقات الكبيرة.

حيل جديدة للتجار الكبار
الدراسة التي أجريت في المدن الحدودية التونسية- الليبية خلال صيف وخريف العام 2020 كشفت عن حيل جديدة لجأ إليها التجار«الكبار» الذين يتعاملون مع مستودعات وجهات شحن تعمل لحسابهم، ويستخدمون ليبيا بمثابة نقطة عبور؛ حيث تسلم البضائع المستوردة بصورة أساسية من تركيا والصين في ليبيا و تخزن هناك أيضا، ثم تنقل إلى تونس من خلال ترتيبات مع الأجهزة الأمنية التونسية والمجموعات المسلحة الليبية وفق معهد كارنيغي.

أما التجار «الصغار» الذين ينقلون بضائعهم عن طريق «الخط»البري، فهم مجرد باعة في أسواق الشوارع أو عمال شحن يزودون المتاجر في هذه الأسواق بالبضائع. وفسرت الدراسة الأمر بأن المشهد الأمني المفكك في غرب ليبيا ترك صغار التجار التونسيين تحت رحمة القوى التي تسيطر على الجانب الليبي من معبر رأس جدير. وفيما تعمل الشبكات الكبرى بسهولة نسبية، غالبا ما يتعرض صغار التجار للابتزاز من المجموعات المسلحة التي تسيطر على الطرقات التجارية.

وأوضحت مصادر  حسب الدراسة الأميركية، أن تونس أدركت ضرورة التخفيف من الضغوط على المناطق الحدودية، فسمحت لمجموعات مدنية محددة الهدف وبلديات محلية بالانخراط في مبادرات شعبية وفي الدبلوماسية القائمة على التواصل بين الأشخاص على الأرض، ما أسفر عن اتفاقات حول التجارة الحدودية مع مراكز نفوذ محلية ليبية.

اتفاقات بعيدًا عن السلطة
وأصبحت هذه الاتفاقات الشعبية التي أطلقها فرقاء بعيدًا عن الدولتين وأبرموها في ما بينهم المعيار السائد. ولكن نظرا إلى هشاشة الوضع الأمني والخصومات بين الفصائل الليبية، فشلت هذه الاتفاقات في تأمين آليات مستدامة للتجارة تحتاج إليها الأراضي الحدودية الواقعة شرق تونس كي تتمكن من الصمود والاستمرار. والأهم من ذلك، يعاني المشهد التجاري التونسي أيضا الانقسام والتجزئة، ويشوبه الاستقطاب بين الفرقاء الذين تحركهم مصالح متباينة.

وأكدت الدراسة الأميركية أن المجموعات المدنية وصغار التجار الذين يريدون انتزاع اتفاق دائم لدعم مستقبل اقتصادي حيوي، يقبلون بالسقف الذي تفرضه السلطات الليبية على قيمة البضائع التي تشحن من ليبيا في إطار معركتها ضد التهريب وإدارتها نقص السلع الذي يعانيه الاقتصاد الليبي. وعلى النقيض، يسعى كبار التجار إلى التحرر من الاتفاقات والترتيبات المعمول بها عند الحدود من أجل تحقيق الحد الأقصى من الأرباح والحصة السوقية. وهم يملكون القدرة على دفع الأموال للقوى الأمنية التونسية والمجموعات المسلحة الليبية من أجل الحصول بطريقة حصرية على بعض السلع وتأمين نقلها عبر تونس.

للاطلاع على العدد 297 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وعاد التقرير إلى حوادث إغلاق الحدود بمعبر رأس جدير للسماح للتجار التونسيين الصغار بإدخال البضائع، وعلى إثرها أجاز اتفاق مشترك لكل مسافر، نقل كميات صغيرة من البضائع المختلفة (مثلا: مكيفان هوائيان، أو ثلاثة إطارات، أو بضع عبوات وقود)، على ألا تتعدى القيمة الإجمالية لهذه البضائع 10 آلاف دينار ليبي (2225 دولارا أميركيا)، مقابل ضريبة قدرها 450 دينارًا تونسيًا (أي نحو 165 دولارًا) تسدد إلى السلطات الجمركية التونسية.

ولكن هذا الاتفاق كان ليعرقل أنشطة كبار التجار الذين ينقلون كميات كبيرة من البضائع من ليبيا. فمن مصلحة هؤلاء ألا يكون هناك سقف لقيمة السلع التي يسمح بشحنها، أو أقله أن يتأكدوا من أن السقف مرتفع بما فيه الكفاية ليتمكنوا من جني الأرباح من هذه الترتيبات.ونجح كبار التجار في إسقاط هذا الاتفاق في سبتمبر 2019 وتفاوضوا لرفع سقف قيمة السلع المستوردة إلى 150 ألف دينار تونسي (54500 دولار) مع تحديد الضريبة على هذا المبلغ بـ3500 دينار تونسي (1275 دولارًا). وبعد بضعة أيام، ألغي السقف تماما. 

وانضم إلى المهربين التونسيين الكبار في مفاوضاتهم حليف مهم من الجانب الليبي يتمثل في وكلاء شحن مدينة زوارة، يعملون بالقرب من معبر رأس جدير الحدودي.
وحسب الدراسة الأميركية لا يعتبر هؤلاء هيئة رسمية؛ بل سماسرة يتقاضون أموالهم من كبار التجار لقاء تسهيل التبادلات التجارية عند معبر رأس جدير؛ حيث أقاموا مكاتب لهم. وأثناء صياغة الاتفاق الذي حصل عليه صغار التجار، والذي حدد سقف 10 آلاف دينار ليبي على البضائع، حمل وكلاء شحن زوارة السلاح وتجمعوا أمام مبنى بلدية زوارة، على الجانب الليبي من الحدود، للتنديد به.

ووصف أحد أعضاء جمعية تجار بنقردان ما حصل قائلا: «لقد حاصروا البلدية وتمكنوا من عرقلة الاتفاق خلال 24 ساعة». أما على الجانب التونسي، فينسق وكلاء شحن زوارة مع سماسرة تونسيين يعملون كوسطاء لتسهيل مرور البضائع ولهذه الأسباب، لا يعتبر وكلاء الشحن الليبيون في زوارة والسماسرة التونسيون أن إبرام اتفاق لتحديد سقف الواردات، وفرض ضريبة ثابتة، يصبان في صالحهم، نظرا إلى أنهم يستفيدون من حالة غياب الشفافية على الحدود وإمكانية التفاوض بشأن قيمة الضريبة بشكل غير قانوني.

شبكات الجزء الجنوبي الحدودي مع ليبيا
أيضا أدى تدهور الوضع الأمني وتنامي التوترات في رأس جدير إلى صعود الشبكات التي تعمل في الجزء الجنوبي من الحدود مع ليبيا وخصوصا في محيط بلدة ذهيبة التونسية. لافتا المعهد الأميركي الى انخراط المهربين العاملين في ذهيبة، التي تشكل معبرًا حدوديًا ثانويًا في منطقة تطاوين الواقعة جنوب تونس، على مقربة من الحدود الليبية، في عملية نقل البضائع في إطار سلسلة توريد تمتد من طرابلس إلى بنقردان وغيرها. وباتوا شركاء لتجار بنقردان الذين كانوا يبحثون عن ممرات أخرى لعبور السلع الخاضعة إلى ضرائب مرتفعة أو المحظورة، كالتبغ مثلا.

ومع ذلك، يواجه الاقتصاد الحدودي صعوبات جمة بسبب حالة اللا يقين السائدة على الحدود التونسية- الليبية، والناجمة عن المشهد الأمني الفوضوي وعمليات الإغلاق غير المتوقعة. ورغم أن الاقتصاد الحدودي شكل مصدر دخل لآلاف الأشخاص من سكان المناطق الجنوبية في تونس، وساهم في تزويد أسواق المناطق الداخلية باحتياجاتها، لم يعد الوضع كذلك اليوم.

وقد انخفضت كميات البضائع المنقولة انخفاضًا حادًا، وبات من الضروري الاعتماد على شبكات المهربين الكبار التي باستطاعتها التعامل مع الوضع المحلي غير المستقر.

علاوة على ذلك، أدى قمع الموردين البريين التونسيين والليبيين إلى إعادة تشكيل الشبكات العابرة للحدود من خلال تحفيز النشاط في الممرات البحرية. وفيما يتم استبدال سوق بنقردان بحركة ناشطة جدا في الموانئ التونسية مثل سوسة وصفاقس وتونس العاصمة، بات حتى كبار التجار العاملين برًا يواجهون صعوبة في منافسة التجار والشبكات العاملة بحرًا.

المزيد من بوابة الوسط