تيار أفريقي يقاوم مبادرات إعادة المرتزقة: «قنابل موقوتة»

جانب من انعقاد مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا، برلين في 23 يونيو 2021. (الإنترنت)

بالتزامن مع الحراك الدولي العازم على إخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا، يبرز تيار إقليمي مقاوم للخطط الليبية والدولية لترحيل المرتزقة والمقاتلين الأجانب باعتبارهم «قنابل موقوتة» قابلة لخلط الأوراق في أي لحظة على مقربة من الاستحقاقات المقبلة، وبينما تعتبر إعادتهم إلى بلدانهم مفتاحا لاستعادة الاستقرار في البلاد.

ولم تجد حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، أمام هذا التحدي إلا الطلب من «جوارها» البحث عن حلول مشتركة، فيما حثت الأمم المتحدة كلا من السودان وتشاد، على توفير عملية انسحاب منظمة.

المرتزقة.. صداع في رأس أفريقيا
ثلاث دول قريبة جغرافيا من ليبيا وتكتل أفريقي قائم بحد ذاته لم يخفوا موقفهم المتحفظ على الإطار العملي الجاري إعداده بدعم دولي لطرد جميع المقاتلين الأجانب والمرتزقة وإعادتهم إلى بلدانهم. فانتهزت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» التي تضم في عضويتها 15 دولة اجتماعا لها لمراجعة ما وصفته بـ«الآثار المزعزعة للاستقرار لعمليات ترحيل مجموعات المرتزقة من ليبيا»، داعية إلى اتخاذ إجراءات دولية متضافرة لحل هذه المشكلة على وجه السرعة، لكنها اشترطت أن يشمل العمل المتضافر بشكل خاص نزع سلاحهم.

ويقاسم رئيس نيجيريا محمد بخاري زملاءه في المجموعة «القلق الشديد» ذاته، مفضلا تحرك «الدول المجاورة لوضع طرق لاحتواء أو إدارة تحركات هؤلاء المقاتلين»، محذرا من تسبب القرار في خلق تهديدات جديدة لأمن المنطقة.

إعادة دمج المسلحين الليبيين 
وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدين، طرحت قضية عودة المرتزقة بشكل مباشر على نظيرتها الليبية نجلاء المنقوش في العاصمة القطرية الدوحة، مع أهمية أن ينظر لهذه القضية باعتبارها جزءاً من الأمن الإقليمي، والتأكيد على ضرورة التباحث في آليات لحفظ السلام والتسريح وإعادة دمج «هؤلاء المسلحين واستيعابهم في مشروعات تدعم الاستقرار في بلادهم»، وفق بيان للخارجية السودانية. المنقوش ردت بأن مسألة إخراج المرتزقة الأجانب أصبحت ملحة بسبب الظروف الأمنية، مشددة على أهمية جلوس دول الجوار وأصدقاء ليبيا للبحث عن حلول مشتركة لهذه القضية.

ولا يخفي بدورهم دبلوماسيون أمميون خشيتهم من تهديدات قد يشكلها ترحيل هؤلاء المقاتلين المدججين بالسلاح على المنطقة عند انسحابهم، مستندين إلى حادثة مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو في أبريل المنصرم خلال هجوم شنه متمردون انطلقوا من ليبيا.

ومن ضمن نحو 20 ألفا من المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا يرفض المئات من التشاديين والسودانيين المتورطين مع أحد طرفي النزاع أو عمليات التهريب والعصابات الإجرامية العودة إلى بلدانهم، إذ يستقر مرتزقة من إقليم دارفور غرب السودان، ومن بقايا تجمع «قوى تحرير السودان» الموجودة قريبا من مرزق بأقصى جنوب ليبيا ومحيط سبها بجنوب شرق البلاد، وفصائل من «جبهة الوفاق من أجل التغيير» التشادية الموجودة في مناطق الجنوب الغربي بأم الأرانب وقرب جبال الهروج.

وعلاوة على غياب ملجأ لهؤلاء في بلدانهم التي ستمنعهم من الرجوع إليها، فإن المبادرات الغربية المطروحة ترمي إلى إنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا عن طريق البدء في ترحيل مقاتلي الجماعات المتمردة الخارجة عن الشرعية باعتبارها الحلقة الأضعف، ثم يتم التحاور مع البلدان الأخرى المتورطة بقواتها الأجنبية على غرار تركيا وروسيا، الأمر الذي يستوجب فتح قنوات نقاش مع حكومات أفريقية لإقناعها بإعادة توطين مقاتليها المتمردين في بلدانهم.

وما يثير المخاوف الأمنية أكثر لدى دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد التي ابتليت بتمدد ما بات يعرف باسم «ولاية داعش في غرب أفريقيا» ونشاط غريمه «بوكوحرام» إعلان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خططاً لسحب أكثر من خمسة آلاف جندي من منطقة الساحل.

وفي ظل استمرار غياب مؤسسة عسكرية ليبية موحدة، بدت جهود طرد المرتزقة من حيث جاؤوا مشتتة وإن قُدمت بعناوين مختلفة، بعدما أطلقت قبل أيام قوات القيادة العامة للجيش الوطني عملية عسكرية لـ«تعقب المتطرفين وطرد عصابات المرتزقة الأفارقة» في الجنوب الليبي. أعقبها إصدار المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش، قرارين بشأن تشكيل «قوة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بالجنوب» وتعيين الرائد مسعود عبد الجليل قائداً لها، وتشكيل «غرفة عمليات مشتركة لتأمين الجنوب» وتعيين العقيد علي الغناي بالنيران قائدا لها.

مبادرة الحكومة هل تنتهي وجود القوات الأجنبية؟
هذه التحركات العسكرية سابقة لمبادرة طرحتها حكومة الوحدة خلال مؤتمر «برلين 2»، استغرقت ثلاثة أشهر لإعدادها بعد مشاورات مع عدة أطراف فاعلة تتضمن وضع برنامج زمني واضح لانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة الأجانب من البلاد بجانب العمل على توحيد الجيش الوطني وحل المشاكل الأمنية والاقتصادية. في حين تأتي بعد مقترح فرنسي عرض على واشنطن وأنقرة ودول غربية أخرى لسحب متسلسل للمرتزقة الأتراك كمرحلة أولى يليهم مقاتلون من بلدان أخرى، وسط تحفظ تركي على نقاط في الخطة.

وبعكس موقفها السابق حين أبدت واشنطن خيارا بتفضيل طرد المرتزقة إلى حين تشكيل حكومة شرعية، أي بحلول مطلع العام المقبل، عبر المبعوث الخاص لليبيا ريتشارد نورلاند عن حماسة للخطة الفرنسية .

نورلاند قال قبيل مؤتمر برلين الثاني بشأن ليبيا: «سيكون ذلك تطورا مهما للغاية ومؤثرا جدا، لكننا لا نقترح الانتظار حتى العام المقبل في محاولة لتحقيق بعض التقدم».

وشكلت المسألة محادثات أيضا لقائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا مع ممثلي حكومة الوحدة الوطنية حول جهود إخراجهم من البلاد وتوحيد المؤسسة العسكرية، بعدما التقى الجنرال ستيفن تاونسند رئيس أركان الجيش بحكومة الوحدة اللواء محمد الحداد.

تحركات تركية حذرة
وتظهر واشنطن في هذا السياق، حذرا من سعي تركيا إلى تعزيز نفوذها في ليبيا خلال العامين الجاري والمقبل وفق آخر تقرير لها نشر هذا الأسبوع، مذكرة بدعم الجيش التركي حكومة الوفاق بطائرات دون طيار وأنظمة الدفاع الجوي، بهدف منع الجيش الليبي من الاستيلاء على طرابلس.

التقرير توقع أن تعيد روسيا المتهمة بالوقوف وراء قوات «فاغنر» العسكرية الخاصة، ترتيب أولوياتها في التعامل مع حكومة الوحدة الجديدة، بهدف تأمين نفوذها في ليبيا، مؤكدا أن الصراع الليبي الذي لم يتم حله، والوجود المستمر للشبكات الإرهابية في شمال أفريقيا، تعد من الأمور الصعبة في المنطقة، ومن بين أعظم التحديات الأمنية.

وفي إشارة مبطنة إلى روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في مقابلة الإثنين مع جريدة «دي فيلت» إن «الأطراف الذين تعهدوا خلال اجتماع برلين الأخير سحب قواتهم لم يفوا بوعدهم». متابعاً: «إذا أردنا أن يتمتع الليبيون بحق تقرير المصير يجب أن ترحل القوات الأجنبية».

وشدد ماس على ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد بشكل تدريجي وبآلية موحدة، بما يمنع اختلال التوازن العسكري الذي يمكن أن يستغله طرف معين لشن هجوم مباغت.

المزيد من بوابة الوسط