إعادة إعمار ليبيا.. قبلة حياة لاقتصادات دول الجوار

من آثار الدمار التي خلفتها حرب العاصمة طرابلس. (أرشيفية: الإنترنت)

عاد الحديث مرة أخرى عن عودة العمالة إلى السوق الليبية لتطفو على السطح، خصوصًا من دول الجوار، التي طالت اقتصاداتها تداعيات سلبية بعد عشر سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية؛ حيث سارعت حكوماتها مؤخراً، إلى عقد اتفاقيات تنظم استئناف عودة عمالتها إلى ليبيا بعد استقرار الوضع السياسي والأمني إلى حد كبير مع تولي السلطة الجديدة زمام الأمور بقيادة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية الموقتة.

وانتهزت مصر وتونس والجزائر الإرادة السياسية الليبية لإنهاء الصراع بفتح ملف تنظيم حركة دخول العمال على الحدود والاتفاق على التنسيق للدفع بحجم ونوعية العمالة التي تريدها سوق العمل المحلية ونظراً لاعتبارها أنسب الخيارات؛ بسبب القرب الجغرافي وتوافر الماهرة منها بتكلفة قليلة، وهو ما ينعكس بالضرورة على اقتصاد دول الجوار بشكل إيجابي؛ لأنه يرفع من حجم العملة الصعبة لدى بنوكها المركزية.

وترغب دول الجوار في إعادة التمثيل الدبلوماسي لها داخل العاصمة طرابلس في أعقاب التحسن الأمني، الذى سيلعب دوراً في تعزيز مستوى حضور هذه الدول تجارياً واقتصادياً، خاصة أن التنافس الدولي بدأ مبكراً على عقود إعادة إعمار ليبيا.

انعكاسات الصراع الليبي على دول الجوار
التقرير الأخير الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «اسكوا»، أن انعكاسات الصراع الليبي تعدت اقتصاد البلاد؛ لتطال اقتصادات البلدان المجاورة مثل الجزائر وتونس ومصر والسودان التي تربطها مع ليبيا علاقات اقتصادية واسعة على مستويات التجارة والاستثمار والعمالة.

وطغى ملف إعادة إعمار ليبيا على محادثات الحكومة المصرية مع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وتم الإعلان خلال مارس الماضي عن اتفاق بين وزارة العمل اللييبة، ونظيرتها وزارة القوى العاملة المصرية، على تسهيل إجراءات دخول العمالة المصرية إلى ليبيا.

- وفد من كبرى الشركات الصينية يزور ليبيا للمشاركة في خطط إعادة الإعمار
- جريدة «الوسط»: ارتباك حكومة الدبيبة أمام امتحان الأولويات

اجتماع الجانبين الذى عقد في القاهرة، أكد ضرورة البدء في تنفيذ الربط الإلكتروني بين الوزارتين، من أجل توفير قاعدة متكاملة بالبيانات والمعلومات المتعلقة بمعرفة احتياجات السوق الليبية من العمالة المصرية، وتسهيل إجراءات وآلية دخولها بالتنسيق مع مصلحة الجوازات عبر المنافذ في البلدين.

الجانبان الليبي والمصري أكدا ضرورة تنفيذ مذكرة التعاون الموقعة بين الوزارتين في العام 2013 بشأن استخدام العمالة المصرية في ليبيا.

السوق الليبية تحتاج 3 ملايين عامل مصري
وتشير تقديرات شعبة إلحاق العمالة المصرية بالخارج بالغرفة التجارية بالقاهرة، إلى أن السوق الليبية تحتاج إلى العمالة المصرية بنحو يتراوح بين 2 و3 ملايين عامل خلال 5 سنوات مقبلة، بينما تحتاج إلى أكثر من مليوني عامل مصري؛ لإعمار المدن المتضررة.

ويمكن للاتفاق التنظيمي على عودة العمالة المصريّة، أن يضع حداً لتهريب العمال المصريين إلى ليبيا بشكل غير شرعي على خلفية غلق المنافذ البرية خلال فترة الاضطرابات الأمنية في السنوات الأخيرة.

لمطالعة العدد الجديد 280 انقر على الرابط التالي
ومن مصر إلى تونس التي تعيش وضعاً اقتصادياً هشاً تفاقم بفعل الأزمة الليبية مع تراجع مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وعودة نحو نصف مليون تونسي، وفق تصريحات مسؤوليها إلى ديارهم، فتستعد حكومتها، برئاسة هشام المشيشي هي الأخرى إلى القيام بزيارة رسمية إلى ليبيا بصحبة وفد من رجال الأعمال لعقد اتفاقات رسمية مع الجانب الليبي؛ لتذليل العقبات أمام المستثمرين والنشاط الاقتصادي.

هذا الأمر يتطلب تشكيل لجنة تونسية–ليبية مشتركة خاصة بعد زيارة قام بها الرئيسالتونسي قيس سعيد قبل أسابيع خالفت تطلعات المتعاملين الاقتصاديين نظراً لعدم توقيع أي اتفاقيات في هذا الشأن.

كان نحو 150 ألف تونسي يشتغلون في ليبيا يحولون قبل العام 2010 نحو 60 مليون دينار تونسي في الشهر، لكن لم تسجل أي تحويلات تذكر حسب بيانات رسمية كشف عنها محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي، الذي دعا القطاع الخاص إلى الاستعداد للفترة المقبلة للمساهمة في إعادة إعمار ليبيا.

واختزل رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي الأهمية التي تكتسيها ليبيا بالنسبة لبلاده بالقول: «50% من مشاكل تونس يمكن أن تحل في ليبيا».

ومن تونس إلى الجزائر، التى تسعى إلى إنعاش النشاط التجاري وتوسيع ما يُعرف بنظام المقايضة مع ليبيا بالاستفادة من إعادة فتح مختلف الممرات الحدودية مع دول الجوار؛ منها ممر الدبداب الرابط بين إليزي وغدامس.

الأمر نفسه ينطبق على تشاد التي أقر رئيسها إدريس ديبي في يناير الماضي بتأثير الصراعات داخل الدول المجاورة وانعدام الأمن، على جميع الواردات والصادرات إلى ليبيا؛ ما تسبب في أزمة اقتصادية لبلاده.

ولفت الرئيس التشادي إلى هذه المشكلات الاقتصادية، بقوله: «هذه المشكلات ظهرت بعد عودة هائلة لأكثر من 500 ألف مواطن تشادي إلى وطنهم من ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، إلى جانب وجود مئات الآلاف من اللاجئين النازحين من الدول المجاورة في تشاد منذ العام 2003». أيضًا حرمت عودة آلاف العمال من ليبيا، اقتصاد النيجر من ملايين الدولارات سنوياً كان يحولها المغتربون؛ ليتيح الصراع انتعاش تجارة البشر والهجرة ويغذي الاضطرابات الأمنية في البلاد فيما وجد آخرون أنفسهم يعملون مرتزقة في ليبيا.

وتقدر وكالات تابعة للأمم المتحدة إجمالي عدد الأجانب المقيمين في ليبيا قبل الأزمة بنحو 5.2 مليون شخص منهم حوالي مليون مصري و80 ألف باكستاني و59 ألف سوداني وعدد كبير من السكان الأفارقة القادمين بشكل رئيسي من النيجر وتشاد ومالي ونيجيريا وغانا.

ويعمل الأجانب ذوو المؤهلات العالية بشكل رئيسي في القطاع الخاص مديرين ومهندسين وخبراء اقتصاد واستشاريين في مجال التكنولوجيا، ومعظمهم من أوروبا الغربية والشرقية، بينما يكون عادة عمال الطبقة الوسطى من الهند وباكستان ومصر والأردن وسورية وتونس، ويكون العمال غير المهرة للوظائف البسيطة من بنغلاديش ونيبال والنيجر وتشاد والسودان.

أما عدد المهاجرين الذين ينتظرون في ليبيا حالياً للهجرة إلى أوروبا نحو 800 ألف شخص، وهم يعملون بشكل غير رسمي في السوق المحلية ولا يتم حصرهم أو تسجيلهم أو منحهم تراخيص للعمل.

وتعاني دول الجوار الليبي خاصة مصر وتونس وتشاد من مشاكل اقتصادية؛ أبرزها شح النقد الأجنبي وتزايد نسب البطالة بشكل كبير.

المزيد من بوابة الوسط