جريدة «الوسط»: تسابق أوروبي يخفي تنافسًا على «كعكة» العقود في ليبيا

وزراء خارجية إيطاليا وفرنسا وألمانيا، (أرشيفية: الإنترنت)

فيما تنشغل السلطة الجديدة ممثلة في المجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة الوطنية الموقتة، في ليبيا في ترتيب مهامها، وتحديد أولوياتها المتعلقة بالملفات الداخلية، تفرض التغيرات السياسية الأخيرة في البلاد ظهور تسابق أوروبي-أوروبي على الحضور في ليبيا، لا شك في أنه يخفي عودة التنافس على كعكة «العقود» في ليبيا المقبلة على آفاق مفتوحة لإعادة الإعمار، آخذًا في الاعتبار وجود كبريات شركات النفط والغاز والمقاولات الأوروبية العاملة في ليبيا منذ سنوات، التي توقفت أعمالها عقب أحداث فبراير العام 2011، ومن زيارة رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، ونائبه، موسى الكوني باريس ولقائهما الرئيس ماكرون، إلى زيارة وزير خارجية إيطاليا، دي مايو طرابلس الأحد الماضي، ثم عودة الوزير الإيطالي إلى طرابلس، اليوم الخميس، رفقة وزيري خارجيتي فرنسا وإيطاليا.

وتوالت على مدى الأسبوع عمليات التسليم والتسلم بين أعضاء الحكومة الجديدة ونظرائهم بحكومتي الوفاق والموقتة، رافقتها تساؤلات بشأن أول ميزانية موحدة للدولة في 2021 أثارت الكثير من الجدل في الأوساط الليبية؛ حيث يعكف أعضاء اللجنة المالية بمجلس النواب على دراستها قبل إحالتها إلى الاعتماد أو مطالبة الحكومة بإجراء تعديلات عليها، يتذرع المدافعون عن الإبقاء عليها بثقل الاستحقاقات ونفقات مواجهة وباء «كورونا» والإصلاح الاقتصادي وتحسين معيشة المواطنين.

اهتمام أميركي بالتطورات في ليبيا
وتصطف الحكومات الغربية وراء السلطة التنفيذية في مطالبتها بإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، وبرز انخراط أميركي لافت بعد إجراء وزير الخارجية أنتوني بلينكن، اتصالًا مع رئيس الحكومة، عبدالحميد الدبيبة، إذ أكد الطرفان «الحاجة إلى تنفيذ كامل لاتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في أكتوبر الماضي، بما يشمل إخراج القوات والمرتزقة الأجانب من ليبيا دون تأخير» وفق بيان عن الخارجية الأميركية.

وشكلت مسألة «ضمان الاستقرار في ليبيا» محور محادثات المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ومستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، في وقت اجتمع بلينكن بنظيره الإيطالي لويغي دي مايو على هامش اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي في بروكسل؛ حيث اتفقا على أن تواصل روما وواشنطن العمل معًا لدعم الإصلاح في ليبيا.

لمطالعة العدد 278 من جريدة «الوسط» انقر هنا

بدورها أعلنت نائبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية، جالينا بورتر، مساء الثلاثاء، عزم واشنطن استئناف عمل السفارة الأميركية في ليبيا «في أقرب فرصة تسمح بها الظروف الأمنية»، وتأتي خطوة واشنطن في وقت أعلنت فيه أيضًا فرنسا بمناسبة زيارة المنفي باريس استئناف عمل سفارتها في العاصمة طرابلس.

وتلقى المجلس الرئاسي وعوداً فرنسية بالتعاون المشترك بين البلدين لحماية الحدود الجنوبية والبحرية الليبية، وتدريب وحدات لحراستها. بدوره قال أمين عام حلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، مساء الإثنين، إن «ناتو» مستعد لتعزيز العمل الأمني في ليبيا في ظل تسلم الحكومة الموقتة مهامها، وذلك إذا طلب الليبيون.

أما وزير الخارجية الإيطالي، وهو أول وزير أوروبي زار ليبيا بعد تشكيل حكومتها الجديدة، فبحث في طرابلس آلية تشكيل لجنة مشتركة تعمل على إعادة ربط العلاقات الثنائية في المجالات التنموية والتجارية، بالإضافة إلى ملفات أخرى، من بينها ملف الهجرة في حين ستعقبها زيارات مبرمجة لمسؤولين أوروبيين، من بينهم الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيف بوريل.

زيارة وزراء إيطاليا وفرنسا وألمانيا طرابلس
وفي السياق عاد الوزير دي مايو إلى طرابلس، الخميس، في ثاني زيارة له خلال أقل من أسبوع، لكنه هذه المرة برفقة وزيري خارجيتي فرنسا وألمانيا، جان إيف لودريان، وهايكو ماس؛ حيث ملف العلاقات الأوروبية الليبية في ظل السلطة الجديدة على رأس المواضيع التي يبحثونها مع المسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية.

لمطالعة العدد 278 من جريدة «الوسط» انقر هنا

ويرى متابعون للشأن الليبي أن التحرك الأوروبي الأخير تجاه ليبيا إنما يعكس رغبة أوروبية في الوجود بقوة في ليبيا عبر خارطة المصالح الأوروبية عموماً، ومصالح الدول الأوروبية كل على حدة، ما يوحي بمؤشرات تنافس بين هذه الدول، وعلى رأسها إيطاليا وفرنسا، اللذين تمثلهما في ليبيا اثنتان من كبريات شركات النفط والغاز، هما «إيني» الإيطالية، و«توتال» الفرنسية، إلى جانب عديد الشركات الأخرى، إذ يخشى الأوروبيون من تعاظم الدور التركي في ليبيا، ما يؤهلها للاستحواذ على القسم الكبير من «كعكة» العقود والمشاريع الكبرى المتوقعة مع توجه البلاد نحو مزيد الاستقرار، وما يتبعه من خطط إعادة الإعمار التي تثير شهية الشركات الأجنبية.

على الجانب الآخر تقف روسيا الموجودة بقوة في ليبيا عبر مرتزقة «فاغنر» متأهبة لضمان مصالحها الاقتصادية، وربما الاستراتيجية في ليبيا، مستندة إلى حضورها العسكري الممثل في قوة «فاغنر» المتمترسة في عدد من القواعد العسكرية وسط وجنوب البلاد، وهو الحضور الذي قد تستخدمه للمقايضة من أجل ضمان مصالحها، وفي الوقت نفسه تحقيق توازن القوة هناك بينها وبين تركيا المعروفة بأن لديها قوات وقواعد عسكرية في الغرب الليبي، ما من شأنه أن يدفع إلى توازن أيضًا فيما يتعلق بمصالح الطرفين، ولا شك أن كل هذا يحفز الطرف الأوروبي إلى التسابق على الحضور في ليبيا عبر الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين، وما قد ينتج عنها من اتفاقات اقتصادية وأمنية.

المزيد من بوابة الوسط