العملية السياسية في مفترق طرق: الاستفتاء أم الانتخابات أولا؟

العلم الليبي وأحدهم يحمل الدستور, (الإنترنت)

يراوح المسار الدستوري مكانه دون حسم القاعدة القانونية الموكل لها إجراء الاستحقاق الانتخابي المقرر في 24 ديسمبر المقبل على أساسها، مجدداً بذلك جدل تحديد أولويات مستقبل العملية السياسية، إن كان تبني خيار الاستفتاء أو الالتزام بموعد صندوق الاقتراع أو تأجيلهما ريثما يتم الانتهاء من إعداد الدستور وقوانينه، ما يثير المخاوف من الدخول في مرحلة انتقالية أخرى.

وأمام الانشغال بمكان وتوقيت عقد البرلمان جلسة منح الثقة للحكومة التنفيذية الجديدة انقضت مهلة الـ60 يوماً المحددة لمجلس النواب ومجلس الدولة الممنوحة من ملتقى الحوار السياسي للجنة القانونية لإقرار قانون الاستفتاء على الدستور، فيما لم تتسلم بعد المفوضية العليا للانتخابات إلى غاية 2 مارس الوثيقة، وتنتظر قانون انتخابات معتمداً من النواب حتى يتسنى لها إجراء الاستفتاء. في وقت تعهد رئيس المجلس الرئاسي المختار من ملتقى الحوار السياسي الليبي محمد المنفي، ورئيس الحكومة المكلف عبدالحميد دبيبة الالتزام بمواعيد إجراء الاستحقاقات وتسليم السلطة وفق خارطة الطريق.

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبناء عليه يشكك وفد الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الذي طرح على المبعوث الخاص للأمين ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يان كوبيش، مقترحاته في «إنهاء المراحل الانتقالية» ما لم تجر الانتخابات العامة وفق أحكام الدستور الدائم للبلاد، مطالبين في بيان لهم صدر يوم الثلاثاء باعتماد مخرجات الغردقة المصرية المتفق عليها برعاية الأمم المتحدة أساساً لإجراء الانتخابات المقبلة كونها جرت في الإطار الزمني المحدد بخارطة الطريق للمرحلة التمهيدية. ويقترح الوفد المكون من 6 أعضاء عقد الاستفتاء على مشروع الدستور يوم 24 ديسمبر وإجراء الانتخابات بعدها، مضيفاً أن مقترحه لإجراء الاستفتاء في التاريخ المذكور باعتباره كان محدداً للاستحقاق الديمقراطي، وأيضاً من أجل قطع الطريق أمام أي ذرائع يدفع بها بقصد تجاوز الاستحقاق الدستوري وفق تعبيرهم.
تقييم مجلسي النواب والدولة

وقال الأعضاء إن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد الاستفتاء لن يتجاوز عدة أشهر، يعد لها بقرار صادر عن مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، وفق تصورات فنية محددة بعيدة عن أي اعتبارات سياسية، وتخضع في ذلك لمتابعة وتقييم مجلسي النواب والدولة. وأوكل إلى لجنة الستين أو الهيئة التأسيسية إعداد دستور جديد بعد أحداث فبراير قبل عشر سنوات وهي مقسمة بين أقاليم ليبيا الثلاثة بالتساوي، ولا تتبع أي سلطة.

ونصت اجتماعات الغردقة في 12 فبراير الماضي على صدور التعديل الدستوري بـ4 مواد، تقوم على نظام الدوائر الثلاث (طرابلس، برقة، وفزان) تنفذ عملية الاستفتاء على الدستور، وأن ينال المشروع ثقة الشعب إذا صوت بـ(نعم) الأغلبية المطلقة (50+1) من المقترعين بكل دائرة، أما إذا رفض يعاد للهيئة لصياغته وعرضه على الاستفتاء خلال 30 يوماً، وورد في المادة الرابعة أنه إذا تعذر إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم، ويكون نافذاً بعد إقراره من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وفي هذه الحالة تجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفق هذه القاعدة الدستورية.

ورغم اتفاق وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على تنظيمه، استبعد رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السايح إجراءها نهاية هذا العام، قائلاً في تصريح إن «الاستفتاء على مسودة الدستور بنعم يضعنا أمام 11 شهراً كمرحلة تمهيدية–بعد المرحلة الانتقالية–لاعتماده وتنفيذه وإذا صوت أحد الأقاليم الثلاثة بـ(لا) فإن الأمر قد يتطلب سنوات أخرى». وواصل السايح أنه في حال تمرير الدستور ستكون الانتخابات نهاية 2022 وليس 2021، بسبب ضيق الوقت وصعوبة العملية الانتخابية التي وصفها بأكبر العمليات اللوجستية بعد الحروب.

انقسام في وفد النواب
ويؤكد مراقبون وجود انقسام داخل وفد مجلس النواب بين من يدفع نحو الاستفتاء ومن يؤيد التعجيل بإجراء انتخابات وفق قاعدة دستورية محددة في وقت جل أعضاء وفد الأعلى للدولة متفقون على إجراء الاستفتاء على الدستور قبل الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية وهو تباين يعزز إمكانية تعثر المسار الانتقالي مرة أخرى.

وضمن خيار الدفع نحو الاستفتاء يكشف رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري في كلمة له في افتتاح الجلسة الثامنة والخمسين للمجلس يوم الإثنين أن «عبد الحميد دبيبة يقول إنه يحتاج إلى سنتين ونصف لاستكمال خارطة طريق الحكومة؛ وهذا سيؤجل موعد الانتخابات المقرر عقدها في شهر ديسمبر المقبل، ونحن نطالب إما بتعديل خارطة الطريق أو الالتزام بموعد الانتخابات وعدم تجاوزها».

وأضاف بشأن حوار المسار الدستوري إن ممثلي المجلس قدموا في الغردقة أربعة خيارات هي الاستفتاء على الدستور، تعديل الإعلان الدستوري، اعتماد الباب الثالث من مشروع الدستور حول نظام الحكم كقاعدة دستورية تُجرى عليها الانتخابات، التوافق بين مجلسي الدولة والنواب على قاعدة دستورية، مشيراً إلى قبوله من حيث المبدأ هذا المقترح الأخير. غير أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، له وجهة نظر أخرى، إذ أبلغ خلال اجتماعه قبل أيام مع عدد من أعيان القبائل في إقليم برقة، أنه كان يرى تكليف لجنة مختصة إعداد الدستور وعرضه للاستفتاء، غير أن الوقت لا يسمح بذلك، مفضلاً الاستناد إلى الإعلان الدستوري من أجل إجراء الانتخابات العامة المقبلة، إضافة إلى قرار النواب في العام 2014 انتخاب رئيس الدولة مباشرة من الشعب وفق قوله.

بدائل دستورية أخرى
ولتجاوز الانقسامات يدور في كواليس اجتماعات المسار الدستوري توجه نحو بدائل أخرى أقل تكلفة تنص على تمرير مسودة الدستور دون استفتاء باعتبار الهيئة التأسيسية منتخبة من الشعب ليقوم البرلمان المنتخب في أول جلسة له بإدراج التعديلات المطلوبة على الوثيقة بإشراك جميع مكونات المجتمع الليبي من الأمازيغ والتبو والفيدراليين ومزدوجي الجنسية وغيرهم. ومع ذلك فإن المحاذير من عدم التوصل إلى دستور مستفتى عليه أكبر من مخاوف تأخر العملية الانتخابية برمتها، إذ أن أي قاعدة دستورية قد لا تكون مثار احترام من المنتخبين فيذهبون إلى تمديد فترة حكمهم لسنوات أخرى.

ويعد تنظيم الانتخابات في موعدها أهم بند في خارطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي في نوفمبر الماضي، وتم على أساسها تحديد مسؤوليات السلطات التنفيذية المنتخبة في جنيف في فبراير الماضي، ما يجعله خياراً صعب التراجع عنه، خصوصاً أن الحراك الأممي والدولي يتمسك بتثبيته ليكون متوافقاً مع الذكرى السبعين لاستقلال ليبيا.

وقد طالبت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة سابقاً ستيفاني وليامز، والدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان في مقال مشترك نشره معهد «بروكينغز» الأميركي، من الحكومة الجديدة والمجتمع الدولي دعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بقوة لحاجتها إلى مساعدة إضافية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر المقبل رغم قدرتها التقنية وتلقيها المساعدة الفنية من الأمم المتحدة منذ العام 2012.

كما أوصى معهد واشنطن للأبحاث الأميركي إدارة الرئيس جو بايدن بدعم الانتخابات الليبية كجزء من مساعدتها في مجال الديمقراطية لليبيا، حيث تمتلك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية برنامجاً بقيمة 10 ملايين دولار لدعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وبعض المنظمات غير الحكومية، كما فعلت خلال الانتخابات السابقة في البلاد. ولكن ، في حين لا غنى عن هؤلاء المستشارين الفنيين، إلا أن المعهد يعتبرهم غير كافين لضمان إجراء الانتخابات في الوقت المحدد. وبالنسبة لدورة التصويت هذه دعا واشنطن إلى الاضطلاع بدور التنسيق الدبلوماسي كما فعلت في العام 2012. وجنباً إلى جنب مع شعبة المساعدة الانتخابية للأمم المتحدة شديدة الفعالية، يجب أن تجتمع بانتظام مع جميع أصحاب المصلحة المعنيين لضمان أن المهام المتعلقة بالانتخابات يتم العمل عليها، من إنتاج بطاقات الاقتراع إلى التخطيط الأمني.