4 عوامل ساعدت في «توحيد» السلطة الليبية.. ودبيبة أمام تحدٍ قانوني

ملتقى الحوار السياسي في جنيف، 1 فبراير 2021، (البعثة الأممية)

حددت مجموعة الأزمات الدولية أربعة عوامل منها: «الإحباط، وعناصر عسكرية، ومالية، والتدخل الخارجي» كأسباب وراء التقدم نحو إعادة توحيد السلطة في ليبيا، مشيرة إلى تحديات أمام رئيس الحكومة المكلف عبدالحميد دبيبة لتشكيل فريق وزاري يرضي جميع الأطياف، في وقت تعيش على وقع خلافات النواب حول منحها الأساس القانوني للعمل.

وقالت المجموعة، في تقرير لها الثلاثاء، إن عملية السلام في ليبيا حققت تقدماً كبيراً رغم الصعاب بانتخاب سلطة تنفيذية موقتة موحدة جديدة لبلدهم الذي تم تقسيمه إلى منطقتين تدار كل منهما على حدة منذ العام 2014.

وحسب التقرير، اختار منتدى الحوار السياسي محمد المنفي من شرق ليبيا لرئاسة ثلاثة أعضاء جدد من المجلس الرئاسي، كما تم اختيار رجل أعمال من مصراتة بغرب ليبيا عبدالحميد دبيبة رئيساً للحكومة في مهمة ستستمر حتى إجراء الانتخابات في أواخر العام 2021.

في الطريق الصحيح
ووصفت المجموعة هذه النتيجة بـ«النغمة الصحيحة للعودة إلى المنافسة السياسية السلمية والصحية في ليبيا بعد سنوات من الخطاب العدائي وحرب استمرت خمسة عشر شهراً وانتهت في يونيو 2020». لكن لترجمة هذه النتيجة الأولية إلى خطوة ملموسة نحو توحيد البلد يجب على المرشحين للسلطة نيل ثقة مجلس النواب.

وعددت المجموعة أحد أكثر التحديات الماثلة الآن في الجمع بين أعضاء مجلس النواب الذين ينقسمون إلى مجموعة مقرها طبرق وأخرى في العاصمة طرابلس. والشيء الآخر هو أن يقترح دبيبة تشكيلة وزارية ترضي جميع الأطياف. ومع ذلك، فإن الموافقة البرلمانية على الحكومة الجديدة ليست مستحيلة في أعقاب تحسن المناخ السياسي بشكل ملحوظ.

وفي وقت اعترف جميع المرشحين الخاسرين في جنيف بالهزيمة وهنأوا الفائزين برز تطور آخر غير متوقع بإعلان قائد القيادة العامة للجيش الوطني خليفة حفتر دعمه للسلطة الجديدة، بينما صرح الناطق باسمه باستعداد الجيش للعمل مع القادة المنتخبين .ففي وقت سابق رفض حفتر بشكل قاطع فكرة أن القوات المسلحة يمكن أن تخضع لإشراف هيئة غير منتخبة مباشرة من قبل الشعب الليبي، وفق التقرير ذاته.

ويعد هذا الموقف مفاجئاً بدرجة أكبر نظراً لعدم وجود حليف واضح له في التشكيلة المرشحة، إذ أن المنفي مقرب من السياسيين في طرابلس الذين دافعوا عن العاصمة من الهجوم العسكري.

جولة المنفي في بنغازي
ومع ذلك فُرشت السجادة الحمراء للمنفي عندما سافر إلى بنغازي في 11 فبراير. قبل أن يتبعها بجولة في بقية شرق ليبيا. كما لم يحظَ السياسيون المتحالفون مع السلطات التي تتخذ من طرابلس مقراً لها بترحيب حار في الشرق عموماً. لكن المنفي يمكن أن يكون استثناءً لأنه ينحدر من قبيلة البطل الليبي المناهض للاستعمار عمر المختار. من جانبه يمتلك دبيبة شبكة واسعة من شركاء الأعمال في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في الشرق، ويعتبره الكثيرون براغماتياً يمكن للمرء أن يعقد صفقات معه، حسب المجوعة.

وفي الوقت الحالي يبدو أن بطاقة المنفي – دبيبة، تحظى بدعم ضمني من جهات فاعلة مهمة في غرب ليبيا بما في ذلك الجماعات المسلحة في طرابلس التي شعرت بالارتياح لرؤية خصمهم وزير الداخلية بالوفاق فتحي باشاغا يخسر السباق. وتعلق مجموعة الأزمات الدولية أنه إذا بدا أن دبيبة أو المنفي يرضيان أو يتنازلان كثيراً لحفتر فقد يتم دفع بعض الشخصيات المناهضة له التي دعمتها حتى الآن لتغيير مواقفها.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 274 من جريدة «الوسط»
في المقابل كانت ردود الفعل الدولية إيجابية بعدما أعربت مجموعة من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا وألمانيا التي أصدرت بياناً مشتركاً وكذلك الإمارات العربية المتحدة وتركيا ومصر عن دعمها لعملية الأمم المتحدة وفريق السلطة التنفيذية المعين حديثاً. 

وترجع المجموعة التقدم نحو إعادة توحيد السلطة في ليبيا إلى عدة عوامل لعبت دوراً في هذا الاختراق مع تزايد إحباط الليبيين في جميع أنحاء البلاد من قادتهم لفشلهم في تقديم الخدمات الأساسية على مدى السنوات القليلة الماضية. فقد تدهورت الأحوال المعيشية بشكل كبير على الرغم من أن النخب السياسية الليبية لديها سجل حافل في مقاومة التغيير، إلا أنها أصبحت مدركة لخطر رد الفعل العنيف إذا انصبت على العمل كالمعتاد.

أما العامل الآخر، فهو الجمود العسكري الذي أعقب الهجوم على طرابلس. وبالمثل أصبح أصحاب المصلحة في غرب ليبيا يدركون بشكل متزايد أنه سيكون من الصعب عليهم الاستيلاء على شرق البلاد بالقوة دون التسبب في اندلاع حريق أكبر يؤججه الرعاة الأجانب لكلا الجانبين. بالإضافة إلى ذلك، سئم الكثير من الليبيين من التدخل الخارجي في شؤونهم، لا سيما وجود القوات الأجنبية سواء كان الضباط الأتراك والوكلاء السوريين الداعمين لطرابلس علناً أو المتعاقدين الأمنيين الروس المتواجدين سراً. فقد أصبح الشعور بالإلحاح شديداً بشأن قطع العلاقات مع الرعاة الأجانب، وهو ما كان واضحاً خلال المفاوضات التي تدعمها الأمم المتحدة، فالتقت كل هذه المصالح داخل الطبقة السياسية لدفع المفاوضات بشأن منصب تنفيذي جديد.

المسائل المالية مهمة 
ويرى التقرير عنصراً مهماً آخر يجعل فريق القيادة الجديدة أكثر قبولاً على الأقل في نظر بعض مسؤولي الشرق وهو التقدم في معالجة الخلافات المالية التي شوهت العلاقات بين طرابلس وخصومها لسنوات. كما يمكن أن تؤثر الاعتبارات المالية أيضاً في قبول الدوائر المؤيدة لطرابلس للسلطة التنفيذية الجديدة، حيث تدرك السلطات في غرب ليبيا أن الحكومة الموحدة فقط هي التي ستمكن عائدات النفط - مصدر الدخل الرئيسي للبلاد - المحتجزة الآن في حساب تديره المؤسسة الوطنية للنفط، من العودة إلى الدولة.

وفي الوقت الحالي دبيبة والمنفي لم يصبحا بعد ممثلي السلطة بحكم الأمر الواقع، إذ أنهما بحاجة إلى الموافقة البرلمانية، ونقل السلطة رسمياً بحاجة إلى أن تتم وفقاً لخارطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة. 

وأمام دبيبة حتى 26 فبراير لتقديم تشكيلته الوزارية إلى مجلس النواب. ومن تلك اللحظة، أمام الأخير 21 يوماً للموافقة على الحكومة أو رفضها. وفي حالة الرفض، يمكن لأعضاء المنتدى الـ74 من الناحية النظرية أن يقرروا المصادقة على الحكومة من جانب واحد، وهو خيار احتياطي مصمم لتجاوز الانقسام. 

ومع ذلك، فإن الموافقة البرلمانية الكاملة والسليمة مهمة في المرحلة الحالية. ودونها، من المحتمل أن تستمر السلطات الشرقية في العمل كحكومة موازية، في حين أن حكومة الوحدة الوطنية الموقتة الجديدة، كما يقترح دبيبة ستفتقر إلى الأساس القانوني للعمل. في حين تبقى المشكلة في انقسام أعضاء مجلس النواب إلى فصيلين أحدهما في طبرق، حيث تولى المجلس رسمياً الرئاسة والآخر في طرابلس.

منح الثقة
أما ظاهرياً فلا تزال الديناميكيات بين هاتين المجموعتين تصادمية، حيث دعا أحد الطرفين إلى إجراء تصويت على منح الثقة في طبرق، وطالب الآخر بالمضي قدماً في مكان ما في غرب ليبيا. ومع ذلك، فقد بدأ موقف الوسط في الظهور، داعياً إلى عقد جلسة عامة في أي مدينة توافق عليها بعثة الأمم المتحدة، أما سرت المدينة الواقعة في وسط ليبيا، حيث يوجد مقر اللجنة العسكرية، شتكون خياراً طبيعياً، لكن لا تزال القضية دون حل في الوقت الحالي.

وتعتقد مجموعة الأزمات الدولية أن أعضاء مجلس النواب عليهم الاستفادة من التطورات لإجراء تصويت على السلطة التنفيذية والحكومة المقترحة عندما تكون الأخيرة جاهزة، كما يجب على الأمم المتحدة أن تدعم بنشاط هذه الجهود، لافتة إلى عقد اجتماع رمزي في سرت، حيث توجد قاعة مؤتمرات لهذا الغرض سيكون بالفعل خطوة مرحباً بها، لكنه يتطلب من اللجنة العسكرية المشتركة ضمان سلامة جميع أعضاء البرلمان وتأمين الوصول إلى مطار المدينة الذي كان محظوراً بزعم وجود متعاقدين أمنيين روس وطائرات مقاتلة هناك، حيث يمكن أن تعرض الأمم المتحدة تسهيل مثل هذه الجلسة والمساعدة في ضمان السماح للرحلات الجوية بالهبوط في سرت.

ويقر التقرير الدولي بهشاشة الوضع في ليبيا حتى الآن، ومع ذلك من أجل مصلحة البلاد يحتاج أصحاب المصلحة الليبيون والأجانب إلى البناء على إنجازات المنتدى ومقاومة إغراء العودة إلى تكتيكات الفساد القائمة على حساباتهم طويلة الأمد.

المزيد من بوابة الوسط