جريدة «الوسط»: سلطة محكومة بتوافق مصالح الداخل وحسابات الخارج

ملتقى الحوار السياسي في جنيف، 1 فبراير 2021، (البعثة الأممية)

مثلما ينتظر الليبيون تصاعد «الدخان الأبيض» من قاعة الاجتماعات الأممية بجنيف، هكذا هو الحال بالنسبة للأطراف الخارجية الأجنبية المتشابكة في الحالة الليبية، التي ترصد مدى توافق اختيار السلطة التنفيذية الجديدة مع مصالحها في ليبيا.

وتشهد جنيف مخاض ولادة السلطة الجديدة، عبر اختيار أعضاء المجلس الرئاسي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، مهمتها الرئيسة تهيئة البلاد للاستحقاق الانتخابي الذي سبق أن حددته خارطة الطريق المنبثقة عن الحوار السياسي بـ24 ديسمبر من العام الجاري.

تأثير أجنبي على اختيار السلطة الجديدة
لكن المخاض لن ينجو من تدخلات تتجاوز حدود الحسابات الجهوية والمناطقية، وفي هذا السياق تقول جريدة «لاكروا» الفرنسية «ليست فقط فصائل النخب الليبية هي التي ستؤثر على اختيار رئيس الوزراء، ولكن هناك مجموعة من الدول الأجنبية الموجودة عسكريا على الأرض».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 272 من جريدة «الوسط»

وربما يظهر هذا عبر رسائل ضمنية توجهوا بها عبر رؤاهم التي طرحوها أمام لجنة الحوار، فقد تعهد وزير الداخلية بحكومة الوفاق فتحي باشاغا بمحاربة الفساد وتفكيك الميليشيات. من جانبه، نسج نائب المجلس الرئاسي أحمد معيتيق خيوط تواصل أطراف إقليمية ودولية عرفت بدعمها المشير خليفة حفتر، بل مع حفتر نفسه، متجنبا أي موقف قوي من قضية المقاتلين والميليشيات الأجانب.

بينما لم ينقطع تواصل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، المترشح للمجلس الرئاسي مع من يعتبرهم حلفاء إقليميين ودوليين، وكذا فعل غيره من المترشحين.

نداء الولايات المتحدة
واستبقت الولايات المتحدة الجولة الحاسمة من تشكيل الجهاز التنفيذي بتوجيه نداء حازم يدعو إلى الانسحاب الفوري للقوات الروسية والتركية من ليبيا.

ما رآه مراقبون تحولا مقارنة بالإدارة الأميركية السابقة، وذلك بعد انتهاء المهلة المحددة في اتفاق الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في 23 يناير بشأن مغادرة القوات الأجنبية من ليبيا خلال 90 يوما.

ويعكس هذا النداء قلقا أميركيا متجددا بشأن ملف لا يبدو حاليا أنه من بين أولويات السياسة الخارجية لإدارة جو بايدن، لكن بالنظر إلى التداعيات الاستراتيجية الأوسع على الاستقرار في منطقة الساحل، وإمدادات النفط والغاز، واستقرار حلف الناتو يمكن أن يتغير موقفها بسرعة.

فقد استغل خلال السنوات الأربع الأخيرة اللاعبون الخارجيون غياب وبرودة الموقف الأميركي وغموضه، للمضي قدما في تثبيت وجودهم في ليبيا وضمان مصالحهم هناك، لتحقيق مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية.

وصاحب هذا تحرك أوروبي في الاتجاه نفسه، إذ وجه وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، يوم الثلاثاء، رسالة إلى الولايات المتحدة تحت قيادة جو بايدن بشأن استخدام نفوذه لتفعيل دورها في ليبيا، وقال ماس خلال اجتماع في برلين، إنه «يريد من الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة بايدن إظهار المزيد من الاهتمام بشأن ليبيا التي تعاني من الفوضى والصراعات منذ حوالي عشر سنوات»، مضيفا «الولايات المتحدة لديها الوسائل والنفوذ للقيام بدور أكبر، مشيرا إلى المحادثات الجارية لإيجاد حل سلمي».

صمود اتفاق وقف إطلاق النار
وفيما تنفي روسيا أي مسؤولية عن وجود قواتها، مددت أنقرة في ديسمبر الماضي الإذن بنشر جنودها في ليبيا لمدة 18 شهرا، في وقت أعلن وزير دفاع حكومة الوفاق الوطني صلاح النمروش الذي يتنافس على كرسي السلطة التنفيذية أخيرا أن 1300 جندي ليبي قد أكملوا التدريب الذي قدمته قوات أنقرة في مراكز متخصصة في ليبيا.

ولا يزال اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه في 23 أكتوبر الذي تشرف عليه لجنة عسكرية مشتركة صامدا لحد الآن، ومنذ ذلك الحين سارت هدنة مسلحة على الأرض على طول الخط الأمامي، بين سرت وقاعدة الجفرة الجوية التي تقع في وسط البلاد على طول الحدود بين طرابلس وبرقة.

بيد أنه لم يتم الوفاء بشرطين وهما الامتثال لحظر الأمم المتحدة على شحنات الأسلحة إلى ليبيا ورحيل المقاتلين الأجانب الموجودين على الأراضي الليبية.

وكانت الأمم المتحدة قدرت في ديسمبر 2020 عدد المرتزقة والجنود الأجانب المنتشرين في المعسكرين المتناحرين بنحو 20 ألفا، وحددت 10 قواعد عسكرية احتلتها القوات الأجنبية كليا أو جزئيا في البلاد.

هل يقبل الخاسرون في سباق السلطة بالنتائج؟
وذهبت جريدة «ليبراسيون» الفرنسية في تقرير لها إلى اعتبار قبول تجديد القيادة الليبية في جنيف من قبل أطراف النزاع المختلفة سيكون بالتأكيد مهمة أكثر صعوبة.

وتسائلت كيف يمكننا أن نتأكد أولاً من أن الخاسرين بعد تشكيل السلطة التنفيذية أنهم سيتقبلون النتيجة دون تشويش؟ وماذا عن الميليشيات القوية التي تسيطر على مدن غرب ليبيا؟ كما هل تكفي هذه المرة شرعية السلطات الجديدة لفرض نفسها على كامل المنطقة التي فشلت فيها إدارة فائز السراج؟

دعم اللاعبين الدوليين الأساسيين «ضروري»
ويؤكد مهتمون بالشأن الليبي أنه دون دعم الدول الأجنبية الرئيسية التي تقف وراء اللاعبين المحليين، لن يكتب لأي عملية سياسية من أن تؤتي ثمارها، في إشارة إلى كل من تركيا حليف معسكر «الوفاق»، وروسيا حليفة معسكر المشير حفتر.

لكنهم يحذرون من دفع الوضع إلى ما يشبه الحالة السورية، بعدما نصّبت أنقرة وموسكو نفسيهما العام الماضي كطرفين قادرين على التحكم في مسار الصراع الليبي، وهما يملكان الآن إمكانية تمرير أو عرقلة مخرجات جينيف. في غياب الدور الأوروبي الذي يعاني عدم التماسك والانقسام.

ولفتت المتخصصة في الشؤون الليبية بمعهد الجامعة الأوروبية فيرجيني كولومبييه إلى أن «المفاوضات الحقيقية لا تجري في الجلسات العامة المباشرة وإنما في الكواليس».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 272 من جريدة «الوسط»

ويتخوف كثير من الليبيين من تكرار سيناريو العام 2015 لدى توقيع اتفاق الصخيرات، حيث لم تتمكن الأمم المتحدة والأطراف الليبية من حل المشكلة الأساسية، وهي «وحدة السلطة».

وليس بعيدا عما سبق الموقف غير المرحب من قبل بعض القوى في العاصمة طرابلس، حيث أعلنت التشكيلات المسلحة المقربة من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج مرة أخرى تحفظها على العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، ودعت إلى توحيد صفوفها من خلال إنهاء الانقسامات الداخلية، وهاجمت وزير داخلية الوفاق، فتحي باشاغا.

ويحذر أحدث تقرير عن ليبيا من مجموعة الأزمات الدولية من احتمال فشل العملية السياسية، وبحسب خبراء من المجموعة فإن الفصائل المسلحة المختلفة «لديها الوسائل السياسية والعسكرية والمالية لزعزعة التصويت في جنيف أو رفض نتائجه». كل هذا يجري في انتظار ما سينتج عن اجتماع جنيف، وما التركيبة التي ستظهر بها السلطة التنفيذية الجديدة.

المزيد من بوابة الوسط