الليبيون يترقبون صدى المصالحة الخليجية على الأزمة السياسية والفاعلين المحليين

ليبيون يرفعون علم بلدهم. (أرشيفية: الإنترنت).

يترقب الليبيون تأثير المصالحة الخليجية على الأزمة السياسية في بلادهم، كون بعض الأطراف الخليجية لعبت دورا في الأزمة بالبلاد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر دعم أطراف محلية فاعلة في الأزمة.

وقد تؤدي المصالحة إلى إعادة ترتيب القوى الإقليمية أوراقها في بؤر الصراع بالمنطقة، وعلى رأسها ما يحدث في ليبيا المقرر أن تشهد انتخابات بنهاية العام 2021، وعرفت لسنوات أكبر تصادم حول النفوذ بين البلدان المعنية عبر شن «حرب بالوكالة»، وسط تساؤلات في الداخل الليبي، عما ستكون عليه أدوار اللاعبين المحليين وهل سيكون هناك مزيد من الضبط في هذه الأدوار ومن ثم تحقيق استقرار؟

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة الوسط اضغط هنا 

وترصد الأمم المتحدة مؤشرات دولية إيجابية ينبغي استغلالها مثلما عبر السفير التونسي في الأمم المتحدة، رئيس مجلس الأمن الدولي للشهر الحالي، طارق الأدب، في مؤتمر صحفي بنيويورك عندما أشار إلى «زخم وفرصة يجب أن نغتنمها من أجل المضي قدما في الملف الليبي». أما الممثلة الخاصة للأمين العام بالإنابة ستيفاني وليامز فأكدت أن هناك دعما واضحا من المجتمع الدولي مؤيدا للسلام في ليبيا، وأنه «يجب الاستفادة من هذه الفرصة التي قد لا تدوم طويلا».

تساؤلات عن نجاح وعود عدم التدخل في شؤون الدول العربية
هذا الزخم الإيجابي يعكسه البيان الختامي للقمة الخليجية الـ41 التي عقدت في المملكة العربية السعودية، الثلاثاء، بحضور أمير قطر تميم بن حمد، إذ شدد البيان على تعزيز الدور الإقليمي لمجلس التعاون من خلال توحيد المواقف بما يحقق المصالح المشتركة. فيما أكد بيان لوزارة الخارجية المصرية بعد مشاركة الوزير سامح شكري في القمة على حتمية البناء على هذه الخطوة المهمة، انطلاقا من علاقات قائمة على حسن النوايا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.

ورحب المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بإعلان كل من المجلس الرئاسي ومجلس النواب في ليبيا وقف إطلاق النار، معربا عن أمله بنجاح الحوار السياسي بين الأطراف الليبية؛ لكن الحديث عن توحيد المواقف وعدم التدخل في شؤون الغير يطرح أسئلة حول ما إذا كان هذا التغيير في العلاقات الجديدة سيؤدي إلى تغييرات على أرض الواقع في بؤر النزاع، وهل سيتقلص النزاع في ليبيا، وهل ستتباطأ المغامرات العسكرية التركية في شرق المتوسط وليبيا أم لا؟

وبالنسبة لأطراف الأزمة الليبية الذين يتم دعمهم من جانب أو آخر قد تكون هناك استفهامات حول ما إذا كان الوضع السياسي بعد حل أزمة الخليج قد يحلحل بعض الخلافات الداخلية أو ما إذا كانت الصراعات بالوكالة ستستمر.

موقع ليبيا من الأزمة الخليجية
ولسنوات أصبحت ليبيا ميدانا مغلقا للصراع والتنافس على النفوذ بين دول الخليج، حيث انعكست أصداء الخلاف على الملف الليبي، نتيجة العلاقات التي تربط حكومة الوفاق بقطر، فيما تربط قوات القيادة العامة علاقات قوية مع الإمارات وبشكل أقل مع السعودية.

وقبل نحو شهر، أجاب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في منتدى روما السادس لحوار المتوسط عن تساؤل عن مدى تأثير المصالحة الخليجية في حل الأزمة الليبية، قائلا: «إن عالمنا بأكمله مترابط، وما يحدث في منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد له ترابط خاص للغاية مع بعضنا البعض. وحتى عندما نتحدث عن دول مجلس التعاون الخليجي مقابل ليبيا، وسورية»، معربا عن رفضه معالجة الأمور على أساس «المعايير المزدوجة» أثناء طرح أي حل للوضع في ليبيا.

ولفت إلى الحاجة إلى استبعاد المصالح الإقليمية المختلفة عن الصراع الليبي، من أجل التأكد من إعطاء الأولوية لمصالح الشعب الليبي، مضيفا: «لن يحدث حل لأزمة ليبيا ما لم يكن هنالك نقاش صريح وصادق بين الدول المتورطة في ليبيا، فهم بحاجة إلى التعامل مع الأمر بانضباط».

هل تنعكس المصالحة إيجابيا على الأزمة الليبية؟
بدوره، أكد رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، أنه يأمل بأن تقود المصالحة الخليجية إلى «لم الشمل العربي وأن تسهم بفعالية في تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا وإنهاء جميع التدخلات السلبية، وتذليل العقبات التي تعترض الجهود المبذولة لتحقيق ذلك».

وشدد على «أهمية البناء على هذا الاتفاق لترسيخ الالتزام الكامل بمبادئ الاحترام المتبادل وسيادة الدول ووحدتها الوطنية، وضمان الأمن والحفاظ على الاستقرار وتعزيز التعاون الاستراتيجي البناء في كامل الوطن العربي، وإقامة شراكات بين الدول العربية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ العمل الاقتصادي العربي المشترك». أما رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، فعبر عن أمله بأن تسهم المصالحة في الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية.

أزمة تجاوزت 3 سنوات
وتعود أزمة الخليج إلى يونيو 2017 حين قطعت السعودية ومصر والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، متهمة إياها بالتقارب مع إيران وتمويل تنظيمات إسلامية متطرفة، وهو ما تنفيه الدوحة بشدة. وتشير قمة العلا التاريخية إلى تغير كبير في الخليج بعد سنوات من قطع العلاقات مع الدوحة؛ إذ ليس من الواضح إلى أي مدى ستذهب المصالحة بعيدا، خصوصا لدى الإمارات والبحرين، لكنها تحول مهم دفعته إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب بعدما دفعت اتفاقات التطبيع بين كل من الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني.

ويقول مراقبون إن ترامب يرغب بشدة في توحيد الجبهة الخليجية تحسبا لتصعيد عسكري ضد إيران؛ رغم أنه يغادر البيت الأبيض رسميا هذا الشهر. وستحمل الأيام المقبلة مدى تأثير تصالح قطر مع جيرانها على الأزمة الليبية، خصوصا أن الدوحة لها علاقة مميزة مع تركيا، التي لعبت دورا مباشرا لصالح حكومة الوفاق، إذ أرسلت أنقرة قوات وطائرات دون طيار إلى ليبيا و«أغرقتها بالمرتزقة» وأشرفت على تدريبات عسكرية لقوات الوفاق، ما زاد من تفاقم الصراع، في ظل دعم الإمارات قوات القيادة العامة.

مخاوف أمنية
ويقول مركز «بوركينغز» الأميركي في تحليل نشرته جريدة «فاينانشيال تايمز»، الثلاثاء، إن علاقات الدوحة مع أنقرة تعززت بسبب الخلاف الخليجي؛ معتبرا أن تعاون البلدين العسكري القوي يوفر الإجابة على مجموعة من المخاوف الأمنية التي ستستمر بعد التوصل إلى حل للأزمة الخليجية، وهو ما سينعكس على الأزمة الليبية.

ومن ناحية أخرى، لدى أنقرة مصلحة عميقة في تطبيع العلاقات مع الرياض، ويمكن لقطر أن تلعب دورا فعالا في التوسط في التوترات الثنائية المتزايدة بين البلدين. وقد مرت العلاقات السعودية مع تركيا بملامح تحسن في الآونة الأخيرة بعدما جمع اتصال الملك سلمان بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، قدم خلاله الأول تعزيته لضحايا أهالي زلزال مدينة إزمير التركية، وأمر بتوجيه مساعدات لهم.

وفور الإعلان عن المصالحة كانت الخارجية التركية من أول المرحبين بالقرار ووصفته بأنه تطور إيجابي، إذ يرى متابعون أنها ربما تصب في صالح ملفات تركيا العالقة إقليميا، خصوصا قبل تقلد الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم، وسط مساعيها لإعادة تموقع لفترة ما بعد ترامب، الذي أتاح لها تجاوز خطوط حمراء في ليبيا.

وتخدم المصالحة الخليجية أنقرة مع إمكانية تجنبها أي انعكاسات للخلافات بين قطر والإمارات على الملف الليبي، خصوصا أن أبوظبي تلعب دورا كبيرا في دعم معسكر شرق ليبيا، كما أن موقفها من أزمة الغاز بشرق المتوسط كان منحازا إلى فرنسا وقبرص واليونان ومصر ضد تركيا.

تواصل مصري- تركي
وأيضا بعد سنوات من التوتر السياسي بين مصر وتركيا، الذي يعود إلى صيف 2013، شهدت أخيرا العلاقات بين البلدين تطورات لافتة تؤشر لإرادة مشتركة في التهدئة. ففي تصريحات لوزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو حول بلاده ومصر، قال إنهما تسعيان لتحديد خارطة طريق بشأن علاقاتهما الثنائية، مشيرا إلى أن التواصل الاستخباراتي بينهما مستمر لتعزيز العلاقات، وأن الحوار قائم على مستوى الخارجية، مؤكدا وجود مساع للتحرك وفق مبدأ عدم التضارب بالمحافل الدولية.

وباشرت مصر وتركيا بشكل متواز إعادة ترتيب نفوذهما في ليبيا، من خلال تنشيط العلاقات الدبلوماسية والوساطات، فضلا عن عروض المساعدات والتدريب واستئناف المشاريع الاقتصادية، سعيا وراء توظيف أوراقهما مستقبلا في حال نجاح المسار السياسي والوصول إلى الانتخابات الليبية في 24 ديسمبر 2021.

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة الوسط اضغط هنا 

ومع ذلك، فإن الأوضاع في ليبيا لا تزال على درجة من المتغيرات والتعقيد التي تجعل اتفاقا نهائيا في الخفاء أمرا بعيد المنال، حتى لو رفع شعار «التحدث بصوت واحد مع الليبيين» بين دول الخليج وتركيا، إذ إنه من المستبعد أن تبعد هذه الأطراف الإقليمية يدها عن الملف الليبي، نظرا لما تم استثماره من مبالغ كبيرة في الأزمة، وسعيا لتحقيق مصالح لم تتحقق كاملة بعد.

لكن يبدو أن الأمور كلها ستبدو معلقة إلى حين وضوح موقف الرئيس الأميركي المنتخب الذي يصل إلى سدة البيت الأبيض خلال يناير الجاري، إذ لم تتضح بعد رؤيته الكاملة للنزاع الليبي، وهو موقف سيكون كاشفا عن مستقبل البلاد، التي تأمل بأن يكون العام الجديد موعدا لإنهاء نحو عقد من النزاع والتشرذم.

المزيد من بوابة الوسط