معهد «كاتو» الأميركي: بايدن يحتاج إلى سياسات «مغايرة» للتعامل مع حالة ليبيا

بايدن خلال خطاب له في ولاية ديلاوير الأميركية، 16 نوفمبر 2020. (أ ف ب).

أوصى معهد «كاتو» الأميركي إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، المقرر أن تتسلم مهامها بعد أيام، بضرورة «رفض الآراء الداعية إلى إعادة الانخراط في مستنقع ليبيا»، حتى تتجنب تكرار سياسة سابقه باراك أوباما، داعيا الرئيس المنتخب إلى الضغط على الدول الأخرى خصوصا تركيا لممارسة ضبط النفس في البلاد.

وقال «كاتو»، وهو مركز أبحاث ليبرالي مقره في واشنطن، الثلاثاء، إن بايدن عليه إنتاج سجل بناء في السياسة الخارجية، من خلال نبذ الكثير من إرث إدارتي أوباما وترامب السابقتين، معتبراً التدخلات العسكرية لواشنطن وحروب تغيير النظام لم تفعل شيئاً سوى إحداث الفوضى من البوسنة وكوسوفو إلى العراق وسورية واليمن، متسببة في معاناة إنسانية هائلة، مضيفاً: «وتعد ليبيا مثالاً بارزاً على ذلك». ويشير المعهد الأميركي في تقريره إلى نموذج حكم «ديكتاتور البلاد معمر القذافي الذي امتاز بتفشي الفساد والقمع كسمات من حكمه. ومع ذلك، كان القذافي قادراً على الحفاظ على قدر ضئيل من الاستقرار والنظام، وكانت ليبيا مجتمعاً حديثاً مع تنعمه بقدر من الازدهار».

تشبيه ليبيا بالمستعمرات الأوروبية
ومع ذلك يرى «كاتو» أن ليبيا مثلها مثل عديد المستعمرات السابقة للقوى الأوروبية كانت «كياناً هشاً مع بعض الانقسامات المجتمعية والسياسية الرئيسية. إذ تقاتلت القبائل المتنافسة في الأجزاء الغربية والشرقية من البلاد بشكل متكرر». وعندما اندلعت حركات التمرد في ليبيا في أوائل العام 2011، قررت إدارة باراك أوباما جنباً إلى جنب مع عديد الأعضاء الأوروبيين في «الناتو»، مساعدة «المتمردين» بشرق البلاد، على الرغم من أنه تم إخفاء هذا الدور تحت غطاء أنه جهد إنساني بحت لحماية المدنيين، إلا أن التدخل العسكري سرعان ما أصبح حرباً صارخة لتغيير النظام، ونجح على المدى القصير، حيث أطاح المتمردون القذافي وقتلوه، وفق التقرير.

وأعرب المسؤولون الأميركيون عن ارتياحهم الكبير لإنجازات الناتو، «لكن باختصار، خلقت إدارة أوباما فوضى سياسية هائلة ومأساة إنسانية في ليبيا». أما أوباما فقد كان أكثر حدة في تعليقاته، لكن تقييمه لحملة تغيير النظام كان إيجابياً وكان ينضح بالتفاؤل بشأن مستقبل ليبيا.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 268 من جريدة «الوسط»

وعشية انتصار «الثوار»، قال الرئيس الأميركي إن «طرابلس تنزلق من قبضة طاغية، ويظهر شعب ليبيا أن السعي العالمي لتحقيق الكرامة والحرية أقوى بكثير من القبضة الحديدية لديكتاتور». وبعد وفاة القذافي، أكد أوباما أن «الظل المظلم للطغيان قد أُزيل من ليبيا».

وتابع التقرير: «لتكون العواقب الفعلية مختلفة بشكل مرعب بعدما انزلقت ليبيا في فوضى دامية، حيث تنافست عديد الميليشيات–بعضها ذو توجهات إسلامية مؤكدة–على السلطة». وتلقت بعدها إدارة أوباما في سبتمبر 2012 ضربة قاسية بمهاجمة إحدى تلك الميليشيات القنصلية الأميركية في بنغازي، مما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين. كما أصبح مئات الآلاف من الليبيين لاجئين، حيث حاول الكثير منهم يائساً الوصول إلى ملاذ في أوروبا عن طريق تحدي مياه البحر الأبيض المتوسط في قوارب مكتظة وماتوا خلال المحاولة.

الخوف من «صومال جديد»
ويضيف التقرير الأميركي أنه بدلاً عن بلد مستقر، وإن كان قمعياً، أصبحت ليبيا «الصومال الجديد» على عتبة البحر الأبيض المتوسط. وبعد سنوات اندمج القتال في صراع على السلطة بين كيانين متنافسين، «حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر؛ فيما ليبيا أصبحت بشكل متزايد اللعبة الجيوسياسية للقوى الخارجية بين مصر وروسيا وتركيا».

وذكر «كاتو» أنه من باب الإنصاف، «عارض جو بايدن بدء التدخل العسكري؛ ففي مذكراتهما، أكد كل من وزير دفاع أوباما، روبرت جيتس، ونائبه مستشار الأمن القومي، بن رودس، هذه النقطة». ويتذكر الأخير اجتماعاً مهماً للرئيس أوباما وفريق سياسته الخارجية، قال فيه بايدن إن التدخل «جنوناً.. فلماذا يجب أن نتورط في حرب أخرى في دولة ذات أغلبية مسلمة؟!». ونبه المعهد بأنه من الواجب على الرئيس الجديد أن يلتزم بشدة بممارسة هذا الحذر الحكيم عندما يتولى منصبه.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 268 من جريدة «الوسط»

إدارة دونالد ترامب لم تتلقف الطعم من مجموعة من المتدخلين ذوي النوايا الحسنة والتدخل الأميركي العميق. ومن بين هذه النصائح التي تلقاها ترامب «التي سيتلقاها بايدن بالتأكيد» تعليقات كاتب عمود في جريدة «واشنطن بوست»، جوش روجين، الذي يقول إنه «بغض النظر عن رأيك في قرار أوباما بالتدخل عسكرياً في ليبيا في العام 2011، فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية التأكد من أن هذا البلد لديه أفضل فرصة ممكنة لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، ويظل شريكنا في مكافحة الإرهاب، لكن إدارة ترامب لم تعمل على ذلك».

ويدعو المعهد الأميركي إلى ضرورة رفض بايدن التدخل في ليبيا، «إذ أن آخر شيء تحتاجه أميركا هو إعادة الانخراط في مستنقع ليبيا»، مؤكداً تسبب المسؤولين الأميركيين بالفعل في الكثير من المعاناة لليبيين، «بل إن أفضل ما يمكن أن تفعله واشنطن الآن هو عدم جعل الأمور أسوأ، وحث الدول الأخرى، خصوصاً تركيا حليفة الناتو، على ممارسة ضبط نفس مماثل». وأخيراً ينصح التقرير الأميركي بإقرار بايدن صراحة مدى الضرر الذي ألحقته إدارة أوباما وأن يوضح أنه لن يكون هناك تكرار لمثل هذه «الحماقة» في ليبيا أو في أي مكان آخر.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط