لغز «أبو عجيلة» المتهم أمام القضاء الأمريكي بقضية لوكربي قبل 32 عاما

حطام طائرة «بان أميركان 103» التي جرى تفجيرها فوق قرية لوكيربي الإسكتلندية في العام 1988، (أرشيفية: الإنترنت)

بعد مرور اثنين وثلاثين عاما على قضية لوكربي، عاد الجدل حولها من جديد بالتزامن مع إعلان القضاء الأميركي، الاثنين، توجيه الاتهام إلى العنصر السابق في الاستخبارات الليبية، أبوعجيلة محمد مسعود، والذي يشتبه بمشاركته في الاعتداء الذي وقع في ديسمبر 1988 في اسكتلندا.

ومن بين تعليقات عدة، وتفاصيل تداولتها وسائل إعلام ليبية وعربية ودولية حول الملف، يبرز ما أوضحه مندوب ليبيا الأسبق لدى الأمم المتحدة، ووزير الخارجية الليبي إبان أزمة لوكربي، عبدالرحمن شلقم، بأن التحقيق الأميركي الجديد في قضية لوكربي «لا يفتح الملف المغلق» و«لن يغير شيئا في ما تم الاتفاق عليه مع الحكومتين البريطانية والأميركية».

كتب شلقم عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك» إدراجا قصيرا بعنوان «لوكربي ملف الأوراق والأسماء»، قائلا: «عاد الحديث عن قضية لوكربي مرة أخرى وهذه المرة عبر شخص قيل إن له علاقة بالحادث وجرى اعتقاله مؤخرا في طرابلس. وجه الاتهام إلى ليبيا ورفعت القضية إلى مجلس الأمن الذي أصدر أكثر من قرار بالخصوص». وأوضح شلقم أن «القرار العامل على الفصل السابع نص على: تسليم المتهمين الاثنين وهما عبدالباسط المقرحي والأمين افحيمة، اعتراف ليبيا بالمسؤولية، تعويض أسر الضحايا، والتعاون مع التحقيقات المتعلقة بالحادث»، مشيرا إلى أن «ليبيا رفضت لسنوات التجاوب مع هذه القرارات وفرضت عليها عقوبات» لكنها «في النهاية تجاوبت مع تلك الطلبات. وأغلق الملف نهائيا».

وبيّن مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة أن «الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن أصدر مرسوما رئاسيا بقفل ملف الجانب المدني في القضية»، داعيا «من يريد مطالبة مدنية» إلى أن «يرفعها على الحكومة الأميركية».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 266 من جريدة «الوسط»

وأشار إلى أن «النقطة الرابعة في قرار مجلس الأمن المتعلقة بالتحقيق في القضية تبقى مفتوحة في حال ظهور ما هو جديد عن القضية لكنه لا يطال الدولة الليبية»، مؤكدا أن «ملف التعويض أقفل نهائيا». وأن «أي جديد يتعلق بأفراد لا يطال الدولة. التحقيق مع أي متهم ليبي يمكن أن يتم عبر الإنابة القضائية». واختتم شلقم الذي ترأس الدبلوماسية الليبية إبان تسوية القضية بالتأكيد على أن «بيان وزير العدل الأميركي (..) لا يفتح الملف المغلق والتحقيق الذي يجرى أو سيجري مع الشخص المذكور لن يغير شيئا في ما تم الاتفاق عليه مع الحكومتين البريطانية والأميركية».

وقبل أسابيع، قررت اللجنة الاسكتلندية المستقلة لمراجعة القضايا الجنائية إحالة الحكم بإدانة المقرحي للمحكمة العليا في اسكتلندا لإعادة النظر فيه، معربة عن اعتقادها بأنه «ربما حدثت إساءة في تطبيق العدالة في قضية المقرحي»، وهي تدفع بسببين في تبرير قرارها هما «أن حكم الإدانة غير معقول، وأن دليل الإدانة لم يُكشف عنه النقاب»، وفق موقع «شفقنا» العراقي.

وصدر في العام 2001 حكم الإدانة بحق الضابط السابق في المخابرات الليبية عبدالباسط المقرحي بقتل 270 شخصا في تفجير طائرة الركاب المتجهة من لندن إلى نيويورك فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية في ديسمبر 1988. وحكم على المقرحي بالسجن مدى الحياة، لكن السلطات الاسكتلندية أفرجت عنه لاعتبارات إنسانية في العام 2009، نظرا لإصابته بمرض السرطان وتوفي المقرحي في ليبيا العام 2012.

وفي شهر مارس الماضي قررت هيئة مراجعة مستقلة في اسكتلندا أنه من حق عائلة المقرحي أن تقدم طعنا في حكم الإدانة. وأفاد محامي عائلة المقرحي عامر أنور في بيان له، قائلاً: إن «إلغاء الحكم سيعني أن حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستكتشفان أنهما عاشتا كذبة ضخمة على مدى 31 عاما، وسجنتا رجلا كانتا تعرفان أنه بريء وتعاقبان الشعب الليبي على جريمة لم يرتكبها»، وفقا لما ذكره موقع «روسيا اليوم».

وبحسب «فرانس برس»، أعلن القضاء الأميركي، الإثنين، توجيه الاتهام إلى المدعو أبوعجيلة محمد مسعود العنصر السابق في الاستخبارات الليبية، والذي يشتبه بمشاركته في اعتداء لوكربي في ديسمبر 1988 في اسكتلندا. واتهم الليبي بتجميع القنبلة التي انفجرت في طائرة البوينغ 747 التابعة لشركة بان أم الأميركية فوق المدينة الاسكتلندية الصغيرة في 21 ديسمبر 1988، مما أسفر عن مقتل ركابها وأفراد طاقمها الـ259، وبينهم 190 أميركيا، إضافة إلى مقتل 11 من سكان لوكربي.

ووفقًا لما نشرته جريدة «وول ستريت جورنال» على لسان مسؤولين بارزين فإن هذه الخطوة تفتح فصلا جديدا في تحقيقات هي الأقدم والأكثر تشعبًا في تاريخ الحوادث الإرهابية. أما جريدة «نيويورك تايمز» فتقول إن مكان مسعود غير معلوم على وجه التحديد. لكنها أضافت أنه كان محبوسا في ليبيا على ذمة جرائم ليست ذات صلة بحادث تفجير لوكربي.

قصة قضية لوكربي
تتلخص قضية لوكربي في حادث سقوط طائرة ركاب أميركية فوق قرية لوكربي باسكتلندا يوم الأربعاء 21 ديسمبر 1988، حيث انفجرت الطائرة البوينج 747، التابعة لشركة بان ام للخطوط الجوية الأميركية، أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي، الواقعة في مقاطعة دمفريز وكالواي بغرب اسكتلندا. وقد نجم عن الحادث موت 259 شخصا هم جميع من كان على متن الطائرة و11 شخصا من سكان القرية حيث وقعت.

في 13 نوفمبر 1991 أصدرت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، أمرا بالقبض على مواطنين ليبيين يشتبه في مسؤوليتهما عن تفجير الطائرة كونهما يعملان بمكتب شركة الخطوط الجوية الليبية بمطار لوقا بمالطا وبمعرفتهما تم شحن حقيبة تحتوي على متفجرات. ورفضت ليبيا الطلب وبدأ القضاء الليبي التحقيق في الاتهام وأوقف المواطنين الليبيين وطلب من الدولتين تقديم ما لديهما من أدلة ضدّهما. أصرت الدولتان على طلبهما ورفضت ليبيا الاستجابة، لما رأته حسب ما أعلنته من اتهامات باطلة تثيرها الدولتان دون توفّر أية أدلة لديهما.

اكتشفت اللجنة المحققة لاحقاً وثيقة يُعتقد بأنها تحتوى على معلومات عن جهاز توقيت قنبلة لوكربى، والتي اعتُبرت لاحقاً عنصراً محورياً في دعوى استئناف المقرحي. لكن الحكومة البريطانية رفضت تسليم الوثيقة ووثيقة أخرى لفريق الدفاع عن المقرحي لأسباب تتعلق بالأمن القومي للمملكة المتحدة، والذى يسعى للحصول على مداخل إلى الوثيقتين لاستخدامهما كدليل أمام محكمة الاستئناف لتبرئته.

قرار مجلس الأمن الدولي
بدأت الدولتان التحرك داخل مجلس الأمن الدولي حتى تمكنتا من إصدار قرار أممي في 31 مارس 1992 يحمل الرقم 748 بأغلبية 10 أصوات بينها دولة عربية وامتناع 5 أعضاء عن التصويت، يوجب على ليبيا الاستجابة لطلب الدولتين، ويهدد بفرض عقوبات عليها من بينها حظر الطيران منها وإليها، وقد رفضت ليبيا الاستجابة لهذا القرار وتم فعلا توقيع العقوبات في الموعد المحدد كأجل نهائي وهو 15 أبريل 1992، واستصدرت الدولتان في وقت لاحق في 11 نوفمبر من نفس العام قرارا آخر من مجلس الأمن برقم 883 يطوّر من نوع العقوبات المفروضة ويوسّعها لإجبار ليبيا على الإذعان لمطالبهما.

لم تستجب ليبيا لمطالب الدولتين التي اكتسبت طابع الدولية، وبدأت تحركا دوليا واسعا يستهدف إقناع العالم بالوقوف إلى جانبها على الأقل بالقبول بمحاكمة المشتبه فيهما في بلد ثالث إذا لم يكن بالإمكان تجاوز القرار الدولي، وقد نجحت ليبيا في ذلك إلى حد بعيد عندما حصلت على دعم الدول العربية ممثلة في جامعتها، التي شكلت لجنة سباعية دائمة لهذا الغرض، وحصلت على دعم دول عدم الانحياز، ولعل أهم دعم حصلت عليه كان من الدول الأفريقية التي قررت في قمتها التي انعقدت في عاصمة بوركينا فاسو واجا دوجو في 10 يونيو 1998 كسر الحظر المفروض على ليبيا بحلول شهر سبتمبر من نفس العام مالم يستجاب إلى مطالبها.

وعندما أحست الدولتان أن ثغرة قد فتحت في جدار العقوبات المتصدع، قبلتا في 24 أغسطس 1998 بمحاكمة الليبيين في بلد ثالث هو هولندا حيث وافقت ليبيا، وبعد إجراءات استمرت لفترة، بدأت المحاكمة بهيئة مؤلفة من 3 قضاة وعقدت مداولات استمرت 84 يوما من المرافعات القانونية. وفي 31 يناير 2001 دانت المحكمة أحد المواطنين استنادا إلى قرائن ظرفية وبرأت الآخر.

اقرأ أيضا: شلقم: التحقيق الأميركي الجديد بقضية لوكربي لا يفتح الملف المغلق

واشنطن تتهم عنصرا سابقا في الاستخبارات الليبية بالمشاركة في اعتداء لوكربي في 1988

صدر الحكم بإدانة المقرحي في 31 يناير 2001 مع قرار بالسجن المؤبد. وفي نوفمبر 2003، قررت المحكمة العليا في اسكتلندا أن على المقرحي أن يمضي 27 عاما علي الأقل في السجن قبل أن يحظى بالإفراج المشروط، وقد قضى فترة سجن طويلة معتقلاً في سجن قرب جلاسكو إلى أن تم الإفراج عنه لأسباب صحية فقط، حيث إنه مصاب بمرض سرطان البروستاتا وتمت إعادته إلى ليبيا دون تبرئته.

وعلى خلفية هذا الحكم دخلت الدولتان في مفاوضات مع ليبيا أسفرت عن الوصول إلى تسوية دفعت بموجبها ليبيا تعويضات إلى أسر الضحايا، مع الإعلان عن مسؤوليتها عن أعمال موظفيها. والتزمت ليبيا في أغسطس 2008 بدفع التعويضات، وبذلك بدأت صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ثغرات في حيثيات الحكم
وقال المحققون الإنجليز والأميركيون إن القنبلة التي استخدمت في التفجير كانت موضوعة في حقيبة بها ملابس داخلية، كما ادعوا أن هذه الملابس لم تحترق في الانفجار، بل ظلت على ما هي عليه. وأنه بفحص هذه الملابس تبيّن أنها مشتراة من محل تجاري في مالطا. قام المحققون بزيارة المحل الذي تم شراء هذه الملابس منه، فالتقوا بصاحبه، وهو رجل عجوز. وقد ادعى هذا العجوز أن الذي اشترى هذه الملابـس هو شخص ليبي. وبعد التدقيق وعمل رسم تقريبي لهذا الشخـص، افترض المحققـون أن هذا الليبي هو ضابط أمن اسمه عبدالباسط المقرحي. لكن كيف استطاع هذا الضابط أن ينقل القنبلة من ليبيا إلى مالطا ومن ثم إلى بريطانيا؟ وهنا افترض المحققون أن مدير مكتب الخطوط الجوية الليبية في مالطا واسمه الأمين خليل فحيمة، هو الذي ساعد المقرحي في نقل القنبلة من ليبيا إلى مالطا، كما أنه ساعده في تمرير الحقيبة ذات القنبلة في مطار (لوقا) بمالطا إلى مطار (هيثرو) بلندن. وافترض المحققون أن المقرحي سافر مع الحقيبة إلى لندن، وأنه استطاع أن يتخطى حواجز الأمن في المطار وأن يضع الحقيبة الملغومة في طائرة بان أميركان المتجهة إلى الولايات المتحدة. لم يغادر المقرحي مع الحقيبة الملغومة، بل عاد أدراجه إلى ليبيا.

أبرز البروفيسور روبرت بلاك أستاذ القانون الاسكتلندي في جامعة إدنبرة، الذي يعتبر «مهندس» فكرة محاكمة المقرحي ومواطنه الأمين خليفة فحيمة (الذي برأته المحكمة) في هولندا، هشاشة الأدلة التي قدمها الادعاء، وقال إن القضاة الاسكتلنديين الثلاثة قبلوها على علاتها، وأوضح أن الادعاء لم يقدم أي دليل مصدره مالطا يؤيد طرحه بأن الحقيبة غير المصحوبة الحاوية للقنبلة التي دمرت طائرة الـ«بان ام» فوق لوكربي باسكتلندا بدأت رحلتها من مالطا على متن طائرة مالطية متوجهة إلى مطار فرانكفورت.

وبالنسبة لفرانكفورت أشار بلاك إلى أن الدليل الوحيد كان سجل كومبيوتر يشير إلى أن حقيبة غير مصحوبة مرت بنظام الحقائب في المطار في وقت مقارب لوقت تفريغ حمولة الطائرة المالطية «ولكن مع ذلك اقتنع القضاة بأن الحقيبة جاءت من مالطا».

ومن نقاط الضعف الأخرى التي أبرزها بلاك في أدلة الادعاء ما يتعلق بشهادة أنتوني غوتشي، صاحب المتجر المالطي الذي زعم الادعاء أن المقرحي اشترى منه ملابس عثر على بقاياها ضمن بقايا الحقيبة الملغومة. وقال بلاك ان غوتشي قدم 17 إفادة للمحققين قبل المحاكمة ولم يقل في أي منها أن المقرحي هو الرجل الذي اشترى منه الملابس بل قال إنه «يشبه ذلك الرجل». وأشار أيضا إلى الأوصاف التي قدمها غوتشي لذلك الرجل وقوله «عمره لا يقل عن 50 عاما وطوله ستة أقدام على الأقل»، مذكرا بأن المقرحي كان في ذلك اليوم في السادسة والثلاثين من العمر وطوله كان ولا يزال خمسة أقدام وثماني بوصات. وأشار بلاك أيضا إلى أن غوتشي تعرف أيضا على شخصين آخرين باعتبارهما يشبهان الرجل الذي اشترى منه الملابس. وأثار بلاك تساؤلات حول تأريخ زيارة المقرحي المزعومة للمحل المالطي، موضحا أن ما ورد في سياق المحاكمة وإفادات غوتشي لا يثبت إطلاقا بأن المقرحي زار محله في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1988 كما يزعم الادعاء.

وقال بلاك إن القضاة بدلا من أن يفترضوا حسن النية لدى المتهم حسب قاعدة «المتهم بريء حتى تثبت ادانته» فإنه أحسن الظن بالادعاء وأخذ مواقفه وطروحاته على علاتها، متابعا أن الدفاع حصل على أدلة جديدة سيثيرها في مرحلة الاستئناف بما في ذلك أدلة من عملاء سابقين أو حاليين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه) وأدلة حول آلية تفجير القنبلة.

مستجدات القضية
كان أقارب بعض ضحايا كارثة لوكربي ومراقبون مستقلون قد أثاروا منذ فترة طويلة الشكوك بشأن إدانة المقرحي. وتركز هذه الشكوك على مصداقية شهود الادعاء وأدلة الطب الشرعي. وتتعلق شكوك اللجنة، خصوصاً، بما تردد بأن المقرحي اشترى ملابس من متجر في مالطا في السابع من ديسمبر 1988 ووضع بعضها داخل حقيبة تحتوي على قنبلة. وقالت اللجنة إنه لا يوجد «سبب معقول» للاستنتاج بأن هذه السلع تم شراؤها قبل السادس من ديسمبر بينما لا توجد أدلة على أن المقرحي كان في مالطا.

الشاهد توني غورتشي كان له دور حاسم في المحاكمة الأصلية حيث أدلى بـشهادة يعتمد عليها تفيد بأن المقرحي قد اشترى ملابس من متجره استعملت فيما بعد للفّ القنبلة. شهادة غوتشي اعتبرت منذ فترة كمثيرة للجدل وظهرت ادعاءات سابقة تقول بأنه استلم مكافآت ومزايا من قبل المحققين.

تقول مصادر مقربة من لجنة مراجعة القضايا الجنائية الاسكتلندية بأن الأموال دفعت لصاحب الحانوت المالطي توني غوتشي كمكافأة مباشرة عن دوره بشهادة حاسمة لصالح الادعاء وأخرجت هذه الدفعة تحت ستار التعويض. قامت اللجنة بجهد مكثف للتحقق من الادعاءات وتبينت بأن غوتشي قد استلم فعلا مبلغا فلكيا من الولايات المتحدة الأميركية، وتقول مصادر مقربة من هيئة الدفاع عن المقرحي بأن المبلغ يصل إلى أربعة ملايين دولار (أي مليوني جنيه استرليني تقريبا).

المكافأة فسرت على أساس أنها تعويض لما عاناه غوتشي من ضغوط كبير على حياته وعمله بسبب توريطه اللصيق بهذه القضية. ولكنه من الواضح أن الدفعة كانت مكافأة لأن الحكومتين البريطانية والأميركية كانتا في حاجة إلى إدانة في القضية، وحقيقة أن الشاهد الرئيسي كوفيء مقابل شهادته فهذا من شأنه أن يثير الشكوك على قيمة شهادته، إنه من غير المقبول أن يدفع لشاهد حيث إن ذلك من شأنه أن يدفعه للتحمس في شهادته وبما يرضي من دفع له.

استخدام القضية للانتقام من القذافي
ووفق الكاتب التونسي الحبيب الأسود في مقال له بموقع العرب الإلكتروني، فإن الحديث عن براءة ليبيا من القضية ليس وليد اليوم، ولا هو نتيجة لما تم الكشف عنه مؤخرا من حيثيات جديدة، وإنما سبق ذلك بـ30 عاما، حيث تم تجيير القضية للانتقام السياسي من نظام القذافي، بسبب علاقاته المتوترة مع الغرب وخاصة مع لندن وواشنطن، اللتين كانتا تعتبرانه نظاما داعما للإرهاب، ومعاديا لمصالحهما، فكانت النتيجة العقوبات الأممية بما فيها الحصار الذي تعرض له الشعب الليبي ما بين العامين 1993 و1999. ورفع في الـ12 من سبتمبر 2003 بعد أن اضطرت ليبيا لتوقيع اتفاق مع لندن وواشنطن لدفع تعويضات لأسر الضحايا.

ويقدر المقال الخسائر المالية المباشرة بحوالي 33 مليار دولار، وضربت العقوبات كل المجالات نتيجة حرمان البلاد من التعامل مع الشركات الغربية وتكنولوجياتها المتطورة، وأدى ذلك إلى صعوبة بالغة في حياة المجتمع وفي وضع الدولة وإلى حالة من التململ والتوتر بين الليبيين، كان من بين نتائجها انتشار الفكر الإرهابي وخاصة المنطقة الشرقية مما جعل مدينة كدرنة تصنف في العام 2008 على أنها الأكثر تصديرا للانتحاريين إلى العراق.

كما أدت العقوبات إلى تراجع كبير في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والخدمات وغيرها، وإلى اتساع ظاهرة الفساد التي استظلت بالخوف من المجهول. واندفع النظام إلى البحث عن فضاءات بديلة فكان التوجه إلى أفريقيا، مما أثار بدوره توترا إضافيا لدى الليبيين غذّته أبواق الإسلام السياسي بالحديث عن التفريط في ثروات البلاد للأفارقة.

وكانت النتيجة لكل ذلك أحداث 2011 وما أفرزته من انتشار للجماعات الإرهابية التي كان أغلب عناصرها من شباب نما وترعرع تحت الحصار. وعاش حالة من الضغط السياسي والأمني والاجتماعي، لتدخل ليبيا نفق الفوضى الذي بات يمثل امتدادا لما سبقه من سنوات الخضوع للعقوبات الدولية، وهو تقريبا ذات ما حصل في العراق، الذي واجه عقوبات قاسية ساهمت في تدمير مقدرات الدولة وضرب النسيج الاجتماعي وهجرة العقول ونشر الخطاب المتشدد وتوفير الأرضية لقوى الإسلام السياسي التي لا تزال تمثل في الحالتين العراقية والليبية مشكلة، وكذلك للقوى الخارجية التي كانت وراء إنعاشها باستعمال العقوبات والحصار ليس لعزل النظام فقط، وإنما لضرب كيان الدولة، وتبخيس سيادتها، وتحويلها إلى مجرد جغرافيا مهيأة لاحتضان الفوضى واستقبال أدوات العبث الخارجي، على حد قول الكاتب.

المزيد من بوابة الوسط