خبراء: توحيد سعر العملة الليبية يقضي على السوق السوداء لكنه يرفع الأسعار

جانب من الاجتماع الفني الذي انطلق ضمن الجولة الجديدة من مباحثات المسار الاقتصادي، الإثنين 14 ديسمبر 2020. (الإنترنت)

أخيرا، أقر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، الأربعاء، توحيد سعر صرف الدينار الليبي، ليصبح سعره مقابل حقوق السحب الخاصة 0.1555، أي ما يعادل الدولار 4.48 دينار، ابتداء من الثالث من يناير المقبل؛ على أن يسري هذا السعر على جميع أغراض واستعمالات النقد الأجنبي الحكومية والتجارية والشخصية.
القرار جرى اتخاذه بإجماع أعضاء مجلس الإدارة خلال اجتماعهم الموحد، استجابة لتوصية اللجنة الفنية المكلفة بدراسة خيارات تعديل سعر الصرف، حسبما أكد بيان نشرته صفحة المصرف على موقع «فيسبوك»، وشاركته صفحة المصرف المركزي في البيضاء.

وساد الاجتماع «روح التفاؤل والإيجابية وإعلاء مصلحة الوطن»، حسب البيان الذي نوه بأن مجلس الإدارة سيكثف اجتماعاته خلال الأسابيع المقبلة «بما يمكنه من اتخاذ مزيد من القرارات الهادفة إلى حل المشكلات والمعوقات التي يعاني منها القطاع المصرفي، بالشكل الذي يحقق استدامة السلامة المالية والنقدية، ويسهم في تخفيف معاناة المواطنين».

يذكر أن حقوق السحب الخاصة التي يرتبط الدينار الليبي بها، هي أصل احتياطي دولي استحدثه صندوق النقد الدولي في العام 1969 ليصبح مكملا للأصول الرسمية للدول الأعضاء، ويستخدم كوحدة حساب في الصندوق وبعض المنظمات الدولية، وتتحدد قيمة حق السحب الخاص وفقا لسلة عملات هي الدولار واليورو والاسترليني والين الياباني، ثم انضم لها أخيرا اليوان الصيني.

وقبل الإعلان عن توحيد سعر صرف الدينار، قالت البعثة الأممية إن المشاركين في اجتماع جنيف لتنسيق السياسة الاقتصادية الوطنية، الثلاثاء، وضعوا توصيات لتوحيد سعر الصرف «بغية ضمان استقرار أكبر للعملة الليبية ومكافحة الفساد».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 265 من جريدة «الوسط»

كما رحب المشاركون بـ«خطة المصرف المركزي لمعالجة الأزمة المصرفية بطريقة تعيد بناء الثقة في القطاع المصرفي وتضمن سهولة الحصول على السيولة في عموم البلاد».

وأكدت البعثة الأممية أهمية اتخاذ خطوات لتوحيد الميزانية الوطنية، ومنها توحيد وترشيد رواتب القطاع العام، وتخصيص التمويل الكافي للتنمية والبنية التحتية في جميع أنحاء البلاد، والإدارة الفعالة للدين الوطني المتصاعد ومعالجة جائحة كوفيد -19.

ونقلت البعثة عن المشاركين تعهدهم بالعمل «بحسن نية على استعادة عائدات النفط من خلال وضع حلول تعالج التحديات الأساسية التي استلزمت التجميد»، مشيرين إلى أهمية تخصيص ميزانية في الوقت المناسب للمؤسسة الوطنية للنفط «لضمان استمرار عملها في صالح ليبيا» ودعوا جميع الأطراف إلى «الكف عن أية أعمال تهديد ضد المؤسسة».

واتفق المشاركون على «اللقاء مرة أخرى في شهر يناير المقبل لاستعراض التقدم المحرز في هذه القضايا والنظر في اتخاذ المزيد من الخطوات الفنية اللازمة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الليبي والاستجابة لاحتياجات جميع الليبيين».

وشارك في الاجتماع كل من مصر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بصفتهم رؤساء مشاركين لمجموعة العمل الاقتصادية حول ليبيا، والمنبثقة من عملية برلين، وحضره ممثلون عن البنك الدولي.

- «المركزي» يوحد سعر العملة الليبية بـ4.48 للدولار ابتداء من 3 يناير
- «تعويم الدينار».. قضية جدلية قد تفجرها الجولة الجديدة من المسار الاقتصادي بجنيف
- الأغا: خفض تدريجي لسعر الدولار الذي أقره «المركزي»

وكانت البعثة الأممية أشارت، الثلاثاء، إلى استمرار عملية المراجعة الدولية لحسابات كلا فرعي مصرف ليبيا المركزي، موضحة أن هذه المراجعة «في منتصف الطريق تقريبا، وهي عملية حيوية تهدف إلى تيسير إعادة توحيد المصرف المركزي، وإعادة وضع آليات وطنية للمساءلة بشكل كامل».

تحجيم السوق الموازية
ويتوقع أن يؤدي توحيد سعر صرف الدينار إلى تحجيم السوق الموازية (السوداء)، والقضاء على نسبة كبيرة من الفساد، خاصة أن وجود هذه السوق تسبب في وجود سعرين للصرف أحدهما رسمي ثابت يحدده المصرف المركزي، وآخر في السوق غير القانونية «الموازية»، والتي نمت وتغذت على الصراع السياسي.

وشكلت السوق الموازية للعملات قناة خاصة لاقتصاد الظل، مستفيدة من أزمات السيولة وفروقات أسعار الصرف، فقد انتعش هذا النوع من الاقتصاد غير الرسمي، واختلط بأنشطة غير مشروعة، مثل التجارة في الصكوك والبطاقات المصرفية والاعتمادات المستندية، بل وبأنشطة إجرامية مثل تهريب الوقود والبشر وعمليات الخطف.

وأدت هذه العوامل إلى هبوط قياسي للدينار أمام العملات الدولية الرئيسية، وتناقص قيمته الشرائية بشكل مستمر منذ العام 2014، إذ وصل معدل تراجع العملة الليبية أمام الدولار إلى «نسبة 75%»، وفق بيانات أممية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا، «الإسكوا»، وقد نشرت هذه البيانات قبل الإعلان عن توحيد سعر صرف الدينار.

وظل السعر الرسمي ثابتا عند 1.4 دينار للدولار، ووصل السعر في السوق الموازية إلى أرقام قياسية في العام 2017، حيث قدر متوسط السعر في السوق الموازية بـ12.39 دينار مقابل الصك المصرفي.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 265 من جريدة «الوسط»

وأشارت البيانات الأممية إلى الحل الذي تفضله المؤسسات النقدية الدولية وهو «تعويم سعر الدينار الليبي»، ودعت المصرف المركزي في ليبيا إلى «دراسة حلول أكثر ديمومة، مثل إمكانية تحرير العملة المحلية لتجنب الضغط عليها وعلى المصرف المركزي بالبيع بسعر غير عادل».

سلبيات خفض سعر العملة الليبية
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد أبو سنينة، إن تخفيض سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي «يعني دفع مبلغ أكبر من الدينارات لشراء الدولار أو أي عملة أجنبية أخرى، مثل اليورو أو الجنيه الاسترليني».

وأوضح أن الآثار المحتملة التي تترتب على تخفيض سعر صرف الدينار سيكون منها ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يتم استيرادها حاليا بسعر الصرف الرسمي، كما أن تكلفة استيراد بعض المحروقات ستزداد بنسبة 200%، حسبما نشر في مقال عبر صفحته بموقع «فيسبوك».

أما أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة، مختار الجديد، فيرى أن هناك خيارين لأي عملة «إما التعويم وإما التثبيت»، موضحا أن تعويم العملة يعني ترك سعرها يتغير صعودا وهبوطا أمام العملات الأخرى بحسب الطلب على هذه العملة وكمية المعروض منها.

ولفت إلى أن أغلب العملات الرئيسية في العالم معومة «فنشاهد ارتفاعها وانخفاضها بشكل يومي وفي كل دقيقة كالدولار واليورو والباوند والين وغيرها».

ونوه بأن الدينار الليبي كان مثبتا أمام الجنيه الاسترليني في فترة الستينات بسعر جنيه ليبي بجنيه استرليني، وفي بداية السبعينات تم فك ارتباطه بالاسترليني وتثبيته أمام الدولار، قبل فك هذا التثبيت بين العملة الليبية والأميركية في العام 1986.

مخاوف من زيادة التضخم
بدوره، يرى الخبير المصرفي، سليمان الشحومي، أن تعديل سعر الصرف «يعني ضرورة إعادة تقييم الأصول النقدية للعملة الأجنبية، كما أنه سيزيد من حجم الإنفاق بالموازنة الحكومية القادمة ويرفع المستوى العام للأسعار، ويتطلب أن يتم إخطار صندوق النقد الدولي لإعادة تقييم العملة الليبية أمام وحدات حقوق السحب الخاصة».

وأشار إلى ضرورة أن تقوم الحكومة بتعديل مشروع الموازنة العامة وفقا للسعر الجديد، وتقوم بمعالجة دعم الوقود ورصد المخصصات اللازمة لمعالجة الانخفاض في الدخل الحقيقي للمواطن، لحماية الفئات الهشة، وعلى الأغلب يكون ذلك عبر علاوة العائلة المتوقفة، التي تراكمت عبر سنوات من عدم الصرف، فضلا عن إطلاق مشروع جديد للمرتبات والأجور وإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي الأخرى، لمجابهة العجز المتوقع في الموازنة، والتوافق مع المصرف المركزي في آليات تمويل العجز بالميزانية القادمة، وسداد وتسوية التزامات الدين العام السابقة عبر إجراء تعديل لتقييم الاحتياطات».

المزيد من بوابة الوسط