تجارة «الكتالايزر».. سوق سوداء تسرق هواء الليبيين «تقرير»

صورة من إحدى الصفحات التي تتاجر في شراء «الكتالايزر» (فيسبوك).

من رحم أزمة نقص السيولة التي يعاني منها عموم الليبيين، وفي غياب دور فاعل للجهات الرقابية، خرجت ظاهرة جديدة تسرق من سماء ليبيا الهواء، لتتركه يذهب إلى صدور مواطنيها وقد تلوث بالعوادم السامة، بعد استجابة بعض أصحاب المركبات بأنواعها إلى إغراءات المال الوفير مقابل بيع «الكتالايزر»، في عملية تمثل جوهر تلك السرقة المستحدثة في قاموس السرقات التي لا يكاد يفلت منها شيء.

وفيما يبرر المقبلون على بيع تلك القطعة الموجودة بأسفل مركباتهم، بأزمات المعيشة وقلة السيولة، يتمسك آخرون بمقاومة الظاهرة، محذرين من آثارها الكارثية على الأمدية القصيرة والمتوسطة والبعيدة.

ما «الكتالايزر»؟
و«الكتالايزر» هو «المحوّل الحفّاز، وهو قطعة توجد في أسفل المركبة، هدفها الأساس تحويل الغازات السامّة المنبعثة من عمليّة احتراق المادّة النفطيّة في محرّك السيارات إلى غازات غير سامّة وغير ملوّثة للهواء»، وفق منشور يتم تداوله عبر مجموعة لسائقي الشاحنات الثقيلة في ليبيا، تضم أكثر من مئة ألف عضو، على موقع «فيسبوك».

يقول المنشور التحذيري المنتشر في أوساط المجموعات المهتمة بالظاهرة: «في الآونة الأخيرة لاحظنا جميعا انتشار محلات لشراء الكربون وبشكل علني وكأننا نعيش في عالم منفصل عن البشرية، ولا بدّ وأنكم تلقيّتم عرضا من الميكانيكي أو صاحب محل تصليح (المرميطات)، أو ممّن امتهن هذه التجارة حديثا، أو قرأتم على صفحات التواصل الاجتماعي، عروضات زادت في اليومين الأخيرين، لشراء الكتلايزر».

ويضيف: «أمام السعر المغري المعروض، لا يتردّد البعض في البيع، من دون البحث في آثار هذه الخطوة، فضلا عن قيام بعض الميكانيكيين بسرقة هذه القطعة، من دون علم صاحب السيارة، ما يتطلّب انتباها من أصحابها».

وجه الخطورة
ما وجه الخطورة في تلك الظاهرة؟ يجيب: «إنّ سير السيارات في بلد، يعاني من ارتفاع كبير في منسوب التلوّث، سيحوّل العوادم إلى رشّاش سموم قاتلة متنقّل، وبالتالي، ما سيجنيه المواطن من هذه التّجارة، سيكون على حساب صحّته وصحّة عائلته، وصحّة الناس من حوله وربما على حساب حياته وحياتهم، ويتحوّل إلى قاتل، ومساهم في قتل أحدهم، عن غير علم، أو قصد».

ووفق المنشور التوعوي نفسه، فإن هذا الجهاز الذي يستغني عنه البعض مقابل المال، مسؤول عن معالجة غازات خطيرة وتحويلها إلى أخرى غير سامة، وفي حالة خروجها دون معالجة فإنها تتسبب حال استنشاقها في مشكلات صحية بالرئة والجهاز العصبي، والقلب، والتهاب العيون، والصداع، فضلا عن احتمال حدوث فقدان للوعي أو الوفاة عند استنشاق الكثير من تلك الغازات المضرة.

لا تبيعوا صحتكم
ويختتم بنصيحة تخاطب الليبيين: «لا تبيعوا حياتكم وصحّتكم، وصحّة عائلاتكم، بدولارات لن تعيد أرواحا قتلها التلوّث.. شير لو سمحت... وحارب الجهل والاستغلال».

بعد بحث لم يستغرق طويلا، تمكنت «بوابة الوسط» من الوصول إلى صفحات متخصصة في عمليات الاتجار في تلك القطعة المهمة داخل المركبات، حيث تنتشر بكثافة إعلانات شرائها، مع أرقام هواتف صريحة للتواصل بين البائع والمشتري.

اللافت أن تلك الصفحات تنشر عديد الصور للكميات التي اشترتها من المواطنين، من دون أن يكون هناك أي تفاعل أو تعليق من أي جهة رسمية أو رقابية معنية بالأمر.

الظاهرة نفسها، استوقفت جريدة «الإندبندنت البريطانية» التي نشرت تقريرا عنها. وتعزو الجريدة عمليات البيع هذه إلى «ارتفاع أسعار تلك القطعة، لأنها تحتوي على عنصر البلاديوم»، وتشير إلى أنه «منذ أن وضع الاتحاد الأوروبي معايير جديدة لخفض معدل انبعاثات الكربون من السيارات في العام 2014، ارتفع سعر البلاديوم بشكل كبير لاستخدامه في هذه المحولات، فقد وصلت قيمته 2590 دولارًا للأونصة، متجاوزًا قيمة الذهب في الوقت الحالي والتي تبلغ 1640 دولارًا»، وفق ما أورده موقع قناة «الحرة» الأميركي على شبكة الإنترنت.

كنز مخبأ في السيارة
وتنقل الجريدة على لسان مواطن يدعى هشام بن سريتي، قوله: «تعلمت من صديقي أن لدي كنزًا مخبأ في سيارتي. نظرًا للاقتصاد الجاف وتأخر الرواتب وارتفاع الأسعار، ذهبت مع صديقي إلى أحد تجار الكربون الذي كان يمتلك ورشة عمل متخصصة لهذا الغرض ووضع لافتة كبيرة توضح بالتفصيل طبيعة عمله (..) كان لديه عدد من العمال الأفارقة الذين كانوا منشغلين في تفكيك المحولات الحفازة وإعطائها لمدير الورشة الذي يزنها باستخدام الميزان الذي وضعه على مكتبه بجانب مبالغ ضخمة من المال الهش».

سالم العجيلي واحد من المتاجرين في تداول الكربون، ويقول -وفق التقرير نفسه- إن «الشراء بالوزن لا يعطي القيمة الحقيقية للمنتج للبائع، فالسعر لا يقاس بالوزن، بل بالجودة، والتي يمكن التأكد منها من خلال الكود الرقمي أو المفتاح المدرج على المحول الذي يظهر قيمته حسب الأسعار المدرجة في كتالوج خاص. ثم يتم تقدير السعر وفقًا للقيمة الحالية للدولار». في حين يقول حسين المهدي، عامل بإحدى الورش: «عدد السيارات التي يتم إحضارها إلى الورشة يختلف كل يوم، فهذا يعتمد على الأموال النقدية المتاحة للناس. في بعض الأيام، نعمل على خمس سيارات وفي أخرى نحصل على 35 إلى 50 سيارة، وتتراوح الأسعار بين 500 و6000 دينار ليبي (370 إلى 4430 دولارًا) حسب جودة المعدن».

تجارة «الكتالايزر».. سوق سوداء تنتشر في أوساط الليبيين (إحدى صفحات الشراء على موقع فيسبوك).
صورة من إحدى الصفحات التي تتاجر في شراء «الكتالايزر» (فيسبوك).

المزيد من بوابة الوسط