حرب بيانات وتبادل اتهامات بين المصرف المركزي ومؤسسة النفط

استعرت حرب البيانات بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ووصلت إلى مستوى غير مسبوق في ظل غياب واضح لمؤسسات الدولة المعنية، بما ينذر بأخطار تهدد مصير الإيرادات النفطية، ومصدر الدخل الأهم لميزانية الدولة.

كيف بدأ الخلاف؟ .. ولماذا الآن؟ .. وإلى ماذا يهدف؟ .. وأين يتجه؟ .. وما هي الرسائل التي أراد كل طرف أن يبعث بها إلى الداخل أو الخارج؟ والأهم، متى يتوقف ويحسم قبل أن يصل إلى مصير غامض، ويقود إلى أوضاع خطرة  تهدد مصير المورد الرئيسي لقوت الليبيين، في وقت يعانون فيه أزمة سيولة شديدة؟

أسئلة أفزعت الليبيين، وهم يتابعون سجالا حادًا لأول مرة بين أهم مؤسستين في الدولة الليبية، مؤسسة النفط، والمصرف المركزي. وجعلت الرأي العام الليبي في حيرة من أمر هذه البيانات وما يطرحه كل طرف بشأن حقيقة ومآلات صرف هذه الإيرادات النفطية. وهي أيضا أسئلة مشروعة، تنتظر إجابات واضحة وشفافة من الأجهزة الرقابية والسيادية المعنية، طالما أن خطوة المراجعة الدولية قد تأخرت وربما تطول لأكثر مما كان متوقعا.

مؤسسة النفط والمصرف المركزي وجها لوجه
منذ 19 نوفمبر الجاري، اندلع الخلاف بين مؤسسة النفط والمصرف المركزي، حين  تبادلا الاتهامات حول دقة البيانات والأرقام المعلنة عن الإيرادات النفطية ، بل وجرى التراشق بالاتهامات، التي امتدت إلى حديث عن غياب عدالة حول آلية وأوجه صرف تلك الإيرادات النفطية.

وردت المؤسسة الأحد، بأنها ستبقي إيراداتها النفطية في حساباتها بالمصرف الليبي الخارجي، ولن تحولها إلى حساب المصرف المركزي، «حتى تكون لدى المصرف شفافية واضحة أمام الشعب الليبي عن آلية صرف الإيرادات النفطية خلال السنوات السابقة، وعن الجهات التي استفادت من هذه الإيرادات بالعملة الأجنبية، التي تجاوزت في مجموعها 186 مليار دوالر خلال الأعوام الماضية».

وجاء إعلان المؤسسة ردا على  بيان المصرف المركزي، الذي وصف بيانات المؤسسة بشأن الإيرادات النفطية بأنها «غير دقيقة»، وألمح في بيانه الصادر في 19 نوفمبر، حول الإيراد والإنفاق خلال الفترة من 1 يناير إلى 31 أكتوبر الماضي، إلى وجود «تلاعب» في بيانات المؤسسة منذ عدة أعوام، مطالبا بمراجعتها والتحقق منها.

وردت مؤسسة النفط في 22 نوفمبر، بوصف بيان «المركزي» بـ«الكيدي» والمليئ بـ«المغالطات»، وحذرت من أنها ستلجأ إلى «سلطة الادعاء العام» حال لم يقم المصرف بـ«تصحيح بيانه فورا». كما اتهمت «المركزي» بـ«عدم الالتزام بالشفافية والإفصاح عن مصروفات الدولة»، ما «خلق مناخا مناسبا لإقفال النفط واستخدمت فيه سياسات المركزي المعتمة كذرائع للمقفلين».

وقالت المؤسسة إن كل البيانات الشهرية السابقة للمصرف المركزي أكدت إتمام عمليات مطابقة الأرقام مع مؤسسة النفط، ما يفند «ادعاءه  الكيدي»، وكشفت أنها بصدد «التعاقد مع إحدى الشركات العالمية الكبرى للمراجعة والتدقيق المالي لأنظمتها المالية والإدارية»، وأن «كافة الإيرادات وحقوق الشركاء الأجانب موثقة توثيقا دقيقا».

ونبهت إلى أن «احتجاز الإيرادات في حسابات المؤسسة لدى المصرف الليبي الخارجي موقتة إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، والتي من أهم مخرجاتها الاستخدام العادل للإيرادات بين كل مدن وقرى ليبيا».

الكبير: مؤسسة النفط لم تورد 3.2 مليار دولار إلى الخزانة العامة
ولم تتوقف حرب البيانات عند ذلك الحد، إذ عاد محافظ البنك المركزي الصديق الكبير، أمس الخميس، واتهم في رسالة وجهها إلى رئيس مؤسسة النفط، المهندس مصطفى صنع الله، بمخالفة المؤسسة التشريعات النافذة، وعدم توريدها 3.2 مليار دولار من الإيرادات النفطية إلى الخزانة العامة.

وقال الكبير إن حجم الإيرادات النفطية الموردة إلى المصرف المركزي خلال شهر أكتوبر وحتى منتصف نوفمبر بلغ 15 مليون دولار فقط، برغم إعلان المؤسسة بلوغ الإنتاج معدل 1.2 مليون برميل يوميا، وأوضح أن أعمال المراجعة بينت أن «المؤسسة لم تورد منذ سنوات أجزاء من إيرادات النفط».

واتهم مؤسسة النفط بـ«حجب الإيرادات النفطية عن حسابات الدولة لدى المصرف المركزي في مواجهة الطلب على النقد  الأجنبي للقطاعين العام والخاص والمحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار وسعر صرف الدينار الليبي».

وجدد الكبير التأكيد على أن بيانات مؤسسة النفط «غير صحيحة، ولا تحقق مطابقة فعلية لشحنات النفط والغاز المصدرة مع ما يورد للخزانة العامة من عائد، بالمخالفة لمقتضى الشفافية والإفصاح». واعتبر إعلان مؤسسة النفط أنها بصدد التعاقد مع إحدى الشركات العالمية الكبرى للقيام بالمراجعة والتدقيق المالي لأنظمتها المالية والإدارية، بمثابة تأكيد على عدم دقة بياناتها المالية ووجود خلل في منظوماتها.

صنع الله يرد على الكبير
وفي رد سريع على رسالة الكبير، حذر رئيس مجلس إدارة مؤسسة النفط المهندس مصطفى صنع الله، من مغبة توقف إنتاج النفط مجددا حال المساس بالإيرادات النفطية المحتجزة بحسابات المؤسسة لدى المصرف الخارجي.

وأوضح صنع الله في خطاب وجهه إلى ديوان المحاسبة والجهات المعنية في الدولة، أن عدم تحويل إيرادات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي منذ استئناف عملياتها ورفع حالة «القوة القاهرة» في 24 سبتمبر الماضي واحتجازها بحساباتها لدى المصرف الليبي الخارجي يأتي بناء على توجيه «رئيس المجلس الرئاسي (المكلف الإشراف الوحيد والفعال) على المؤسسة الوطنية للنفط، وفقًا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (2259) لسنة 2015».

وأكد أن المؤسسة «تدرك أن الهدف من هذا التوجه هو أن يكون ترتيبًا موقتًا، في انتظار تسوية سياسية شاملة وتوافق بين الأطراف الليبية على نموذج جديد لإدارة شفافة لعائدات النفط والغاز»، مشيرا إلى إعلان المجلس الرئاسي في 21 أغسطس الماضي «أنه يجب استئناف عمليات المؤسسة الوطنية للنفط شريطة أن يتم إيداع الإيرادات في حساب ضمان لدى المؤسسة الوطنية للنفط في المصرف الليبي الخارجي».

«لا مدفوعات إلا بعد التوصل إلى ترتيبات سياسية شاملة»
وشدد صنع الله على أنه «لن تكون هناك مدفوعات إلا بعد التوصل إلى ترتيبات سياسية شاملة وفق نتائج مؤتمر برلين، وذلك لضمان الشفافية والحكم الرشيد بمساعدة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمجتمع الدولي»، وأكد أن هذا الإجراء يأتي «بالتنسيق مع السلطات الليبية وبما يتفق مع جميع الالتزامات القانونية المحلية والدولية»، حيث «تقوم المؤسسة الوطنية للنفط بإيداع جميع الإيرادات من مبيعات النفط والغاز في حسابها في المصرف الليبي الخارجي حاليًا»، مبينًا أن «آخر رصيد سجل عند الساعة 08:52 مساء بتوقيت طرابلس من الأربعاء الموافق 18 نوفمبر 2020 بلغ (3.122.708.87 دولار) وفق البريد الإلكتروني المستلم من المصرف الليبي الخارجي».

وتحدث صنع الله عن ما وصفه ب«عقبة أخرى» في الطريق، تتعلق بتعطيل «المصرف الليبي الخارجي في 22 نوفمبر (حقوق الغير) وذلك بإيقاف سداد أجرة نقل الناقلة المسماة (Explorar Gas) التي تم شحنها من ميناء مليتة للتفريغ بميناء الزويتينة»، واعتبر ذلك  «سابقة خطيرة وبخلاف الترتيبات المعمول بها منذ عقود»، محذرا من «أن هذه التصرفات غير المسؤولة يمكن أن توصلنا إلى مرحلة خفض الإنتاج، وربما إيقافه بالكامل»، لافتًا إلى أن «سوق النواقل تتسم بالحساسية، والتعامل فيها يتطلب قدرا كبيرا من المصداقية في التعامل والإيفاء بالالتزامات المالية المستحقة في حينها، وأن الإخلال بذلك يحرمنا من المرونة المطلوبة في التشغيل».

ونبه صنع الله إلى أن خبراء مؤسسة النفط «يعكفون حاليًا على دراسة الخيارات المناسبة والمتاحة، التي يمكن اللجوء إليها، ومن ضمنها فتح حسابات في الخارج، بما يضمن استمرارية وانسياب عمليات الإنتاج والتشغيل». 

أين ديوان المحاسبة؟
وهكذا استمرت حرب البيانات بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط في ضوء صمت مطبق من ديوان المحاسبة، أعلى جهة رقابة مالية، دون أن يفصل في حقيقة هذه الاتهامات المتبادلة، وبعد طول انتظار لنتائج المراجعة الدولية للحسابات المالية للمصرف المركزي.

لكن المؤسسة الوطنية للنفط تجاوزت ديوان المحاسبة، الهيئة الرقابة المفترض بموجب صلاحياتها أن تتدخل للتحري حول مزاعم الجهتين، خصوصا أن اللوائح والتشريعات تمنع مؤسسة النفط من تجميد الإيرادات فضلا عن الاستنجاد بإحدى الشركات العالمية الكبرى للمراجعة.

وتستند اختصاصات الرقابة المالية لديوان المحاسبة كأعلى هيئة رقابية في ليبيا ويحق لها فحص ومراجعة الحسابات والقوائم المالية والعمليات الفنية الأخرى للجهات الخاصة لرقابته إلى جانب تطبيق الضوابط الرقابية التي تضمن تحصيلا للإيرادات العامة.

وفي تقريره السنوي لسنة 2018، الصادر في سبتمبر الماضي، رصد ديوان المحاسبة تأخيرا شديدا من قبل مؤسسة النفط في إعداد الميزانيات، وأشار إلى أن أخر ميزانية للمؤسسة تعود إلى العام 2007، كما رصد قصور مراجعة الإدارة الداخلية واقتصار عملها على المراجعة المستندية للمعاملات، وضعف مشاركة المراجعين الوطنيين لحسابات الشركات بشكل مستمر إضافة لعدم ممارسة المراقب المالي لاختصصاته وفقا لواجباته.

كما يأتي الانقسام حيال الإيرادات النفطية في ظل تأخر ظهور نتائج مراجعة الحسابات المالية للمصرف المركزي في كل من طرابلس والبيضاء التي جرت الموافقة عليها في يوليو الماضي تحت ضغط دولي حين اسندت عملية التدقيق المالية إلى شركة «ديلويت» الإنجليزية بعقد قيمة 4.8 مليون دينار.

المشكلة قديمة.. الإفصاح يتطلب صدور ميزانيات مدققة
والواقع أن تضارب بيانات مؤسسة النفط والمصرف المركزي مشكلة قديمة، رصدها منذ أكثر من سنة الخبير النفطي الليبي، د. محمد أحمد، حين كتب عن  تضارب أرقام المركزي ومؤسسة النفط  بشان الإيرادات النفطية للعام 2018، وطلب وقتها بوقف العبث بهذه البيانات المتضاربة غير المدققة مراجعيًّا، بل وتوقع أن تنتج هذه الأرقام المتضاربة مشاكل سياسية عميقة.

ودعا الخبير النفطي الليبي المؤسسات الاقتصادية إلى الالتزام بالأصول المحاسبية الصحيحة، وعدم الانجرار وراء دعاوى محلية أو دولية في إعادة اختراع العجلة واستعمال هذه البيانات سياسيًّا. وقال إن تحقيق مبدأ الشفافية والإفصاح العام توجه محمود من حيث النية، لكن نشر الإحصائيات الخام دائما ما يكون لها أثر سلبي، فضًلا عن أنها تمس بعض جوانب الأمن والتنافسية، التي قد يكون لها انعكاس كبير على المؤسسات السيادية والتجارية. موضحا أن مبدأ الشفافية والإفصاح لا يتحقق من خلال بيانات صحفية بقدر ما يتحقق بميزانيات ختامية مراجعة من قبل مكاتب محاسبة موثوقة.

وأضاف إن الإحصائيات الخام تحمل في ثناياها الكثير من التحديات والتسويات التي «قد تجعلها عديمة الفائدة تماما من ناحية محاسبية قانونية، وكذلك من ناحية الرأي العام بعد إخراجها للعلن، وقد تحدث آثارا عكسية على المدى الطويل، حين تقع في يد من يعرف بالضبط كيف يتعامل معها من ناحية أمنية وتنافسية عن طريق التجسس الصناعي والسياسي».

وأشار إلى ما صدر عن المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي من بيانات صحفية تعرض مسألة واحدة في الجوهر، وهي دخل النفط، بينما ركزت المؤسسة الوطنية للنفط على الدخل الآتي من مبيعات النفط والغاز، امتدت بيانات المصرف المركزي لتوضح طريقة الإنفاق. وقال «هناك مفارقات تحتاج إلى التوضيح، إذ إن بيان المؤسسة مقدر بالدولار الأميركي، بينما بيان المصرف المركزي مقدر بالدينار، وبيان المؤسسة ينتهي بمبيعات شهر نوفمبر، بينما بيان المركزي ينتهي بدخل شهر ديسمبر 2018.

توحيد معايير الإفصاح وتزامن نشر البيانات المالية
وتساءل د. محمد أحمد قائلا: كيف يمكن إعادة ترتيب الأوراق بعد الإفصاح عن أرقام غير مراجعة، وأجاب الخبير النفطي قائلا: «نظريًّا كان ينبغي أن يتم فرض قانون من الدولة إذا ما اعتمد نشر هذه البيانات دوريًّا أن يكون النشر بتوقيت متزامن، بمعنى النشر في الوقت نفسه، وأن تتحدد معايير النشر بها، مثًل من ناحية القيمة وسعر الصرف ومصدر الدخل وغيره. أما النشر الذي قد أقول عنه «عشوائي» فيسبب تضاربًا في الأرقام التي تعد على عَجَل، ولم تدخل الدفاتر المحاسبية بمعالجاتها القانونية والتسويات وغيرها».

وخلص إلى القول بأن  «بيانات كهذه يجب أن تخضع لتشريع دقيق من السلطات التشريعية والتنفيذية، وتكون مرتكزة على ميزانيات حسابية معتمدة من مراجع موثوق قبل عرضها على العامة....ويجب توحيد معايير الإفصاح بين الجهات، وكذلك تزامن البيانات في الوقت نفسه لعدم إعطاء الفرصة للتعديلات المقصودة، وهذا من أهم مبادئ الحوكمة الرشيدة».

وأيًّا كان مرجع هذا الخلاف.. سياسيًّا كان أم تقنيًّا فنيًّا، فالواقع أن الرسائل التي تحملها هذه البيانات تتطلب تدخلًا من الأجهزة الرقابية والتنفيذية تضع تطبيق القانون فوق كل اعتبار، كما تلقي على المشاركين الليبيين في المسار السياسي والاقتصادي أن يجدوا الآليات المناسبة لحسم هذا الجدل بما يحقق الشفافية والعدالة في إنفاق تلك الإيرادات لصالح كل الليبيين.

المزيد من بوابة الوسط