قراءة في خطة الرئيس الأميركي المنتخب إزاء الملف الليبي

جو بايدن خلال خطاب بويلمنغتون، ديلاوير في 28 يوليو 2020. (أ ف ب)

يتسلم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، في اليوم الأول من تقلده رسميًا، مجموعة من التحديات العابرة للحدود، منها الصراع الليبي، وهي قضية أمنية تعيد سياسات سلفه السابق باراك أوباما لما كان ذراعه اليمنى، تاركًا البلاد للفوضى، بينما قدم مؤشرات قوية على انخراط أوسع في تقويض التواجد الروسي جنوب البحر المتوسط.

وبفوز بايدن سرعان ما تبادر إلى المشتغلين بأزمة ليبيا سؤال عما يمكن أن تتوقعه البلاد من عودة الملف إلى «الديمقراطيين» في المستقبل القريب لإنهاء الخلافات الدولية بشأنه؟ ويرى البعض أن سياسات بايدن ستكون امتدادًا لمسلك الرئيس السابق باراك أوباما. فعلى مدى 8 سنوات شغل الرجل منصب نائب الرئيس الديمقراطي الأسبق، وكان من داعمي الحرب على ليبيا التي أدت إلى اغتيال معمر القذافي، وخلفت انهيارًا للدولة في جميع مناحي الحياة مع عدم تخطيط البيت الأبيض للبقاء حتى تحقيق الاستقرار ما تسبب لاحقاً في خسارة مأساوية لأربعة دبلوماسيين أميركيين في بنغازي في العام 2012.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 260 من جريدة «الوسط»

لا سيما وأنه اختار أعضاء فريق حملته من الإدارة السابقة أو من المرشحين لشغل مناصب بوزارة الشؤون الخارجية. ومن ضمنهم سوزان رايس التي كانت تمثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة من 2009 إلى 2013. كما كانت لاعباً رئيسياً في تمرير قرار التدخل الدولي في ليبيا في مجلس الأمن، بمساعدة مستشارة الأمن القومي سامانثا باور التي خلفتها في الأمم المتحدة وتحت قيادة هيلاري كلينتون.

وبينما بدأ يخطط للإعلان عن خياراته للمناصب الوزارية في يوم الشكر المصادف 26 نوفمبر، تبدأ الولاية الجديدة للرئيس المنتخب في ظهر يوم 20 يناير بحسب دستور الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لبعض المراقبين، فإن ذلك يعتبر ميزة يمكن للرئيس الأميركي المنتخب، أن يستغلها بعدما أصبح أكثر إلمامًا بتفاصيل الأزمة الليبية منذ اندلاعها العام 2011 وفي كيفية تعامل الإدارة الأميركية مع الملف الذي شهد خلال بدايات ولاية دونالد ترامب عدم اهتمام كبير، وتميزه بالمواقف الدبلوماسية الغامضة فلم يتحرك إلا أخيرًا بعدما لاحظت دوائر صناعة القرار حدوث تفاهمات دولية بشأن ليبيا بين روسيا وتركيا. بل لم يظهر ترامب عدم اهتمامه العميق بأفريقيا، إلا عندما فرض قيوداً على السفر على دول معينة، منها ليبيا، بينما يخطط خلفه بايدن لإلغاء حظر السفر من عديد الدول الإسلامية مثل إيران وليبيا والصومال وسورية واليمن وفق ما نقلت وسائل إعلام أميركية.

ومن الأرجح أن يستفيد بايدن كثيرًا من الزخم الدبلوماسي الذي خلفه النشاط الدؤوب للمبعوث السابق غسان سلامة وخليفته بالإنابة ستيفاني ويليامز في بعثة الأمم المتحدة بعدما أطلقت محاولات منذ العام 2018 لبدء عملية تسوية سياسية قوضتها قوى دولية وحولتها دول أجنبية بتدخلاتها إلى حرب بالوكالة لمنافسة القوى الإقليمية الأخرى قبل أن تسهم الضغوط الأميركية في توفير الأرضية لاحتضان تونس الحوار الليبي - الليبي، وذلك بمساعدة من حكومات أوروبية مهدت لاتفاق حول معايير اتفاق وقف إطلاق النار وترحيل المقاتلين الأجانب، واستئناف إنتاج النفط، وتشكيل حكومة جديدة وإجراء انتخابات. وفي هذا الإطار يرجح خبراء اهتمام الولايات المتحدة أكثر بتقديم الدعم السياسي للجهود متعددة الأطراف، فيما ينتظر إعادة فتح السفارة الأميركية في طرابلس، بعد أن أجبرتها التوترات الأمنية على نقل دبلوماسييها إلى مالطا ثم تونس.

ويبدي الكونغرس الأميركي مخاوف من أن استمرار وتصعيد الحرب في ليبيا يمكن أن يخلق فرصة لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» الإرهابي للظهور مرة أخرى وشن الهجمات. لذا يعتبر إرساء الاستقرار في ليبيا أمرًا حاسمًا لأمن ليبيا نفسها والولايات المتحدة وعديد القوى الأجنبية الأخرى.

لكن هذا الهاجس لم يعجل بتقديم مشروع قانون لتحقيق الاستقرار في ليبيا ولتهدئة الصراع وحماية المجتمعات الضعيفة وتقديم المساعدات الإنسانية. إذ لا يزال معطلاً في اللجان داخل مجلس النواب الأميركي منذ تقديمه في 11 أكتوبر 2019. وينص مشروع القانون على أن «العملية السياسية فقط هي التي يمكن أن تؤمن مصالح الولايات المتحدة، وتضمن ليبيا مستقرة وموحدة، وتقلل من خطر الإرهاب وتوفر السلام والفرصة للشعب الليبي». كما خصص المشروع حيزًا كبيرًا لمعالجة التدخل الروسي والتجاوزات الروسية فى ليبيا بشقيها العسكري والاقتصادي.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 260 من جريدة «الوسط»

ويرتقب أن يعاد التركيز على الشق الأخير من مشروع القانون خلال عهد الرئيس المنتخب، فمنذ العام 2011 تزايدت شكوكه في نوايا موسكو، وانتقد السياسة الخارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عدة مناسبات، وكان آخرها وصف روسيا بأنها «أكبر تهديد للولايات المتحدة في الوقت الحالي» خلال المناظرات الرئاسية الأميركية للعام 2020.

ويعود خبير العلاقات الدولية ورئيس تحرير مجلة «روسيا»، فيودور لوكيانوف، إلى تفاصيل خطة بايدن في 2011 التي تقضي بمنح بوتين وظيفة كأمين عام للناتو. ووفقًا للوكيانوف، خلال زيارة بايدن بصفته مبعوثًا لأوباما إلى موسكو العام 2011 ، كان عليه أن يعرض على بوتين رئيس الوزراء الروسي آنذاك ، المنصب المرموق في التحالف ، مقابل التدخل العسكري الروسي في ليبيا. لكن روسيا عارضت التدخل العسكري في ليبيا الذي حدث بعد وقت قصير من زيارة بايدن في العام 2011. ومع تعثر الولايات المتحدة وروسيا في التوصل إلى اتفاق بشأن ترشيح المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا أوكلت واجبات البعثة مؤقتا إلى الأميركية ستيفاني وليامز، والتي لا تناسب موسكو وفق أوساط دبلوماسية روسية.

الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول ترشيح المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مع الإدارة الأميركية الجديدة قد يأخذ أولويات سياسة بايدن إن لم يتم التوصل إلى خليفة لوليامز بعد ملتقى تونس، بيد أن أكثر ما سيعمل عليه لاحقًا احتواء التواجد الروسي في ليبيا.

ففي مقابلة للسفير نورلاند مع جريدة «كوميرسانتا» الروسية، نشرت يوم 8 نوفمبر في إشارته إلى مرتزقة «فاغنر»، قال إنه «من السخف الاعتقاد بأن روسيا لا تلعب أي دور في البحر المتوسط، بالطبع، لموسكو مصالح تجارية ومصالح أخرى مشروعة في هذه المنطقة، ونحن مستعدون للتفاعل الطبيعي في هذه المجالات». ولم يخفِ وجود حوار أميركي مع المشير خليفة حفتر قائد قوات القيادة العامة، وكذلك مع شخصيات رئيسية أخرى في شرق ليبيا، مثل المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب.

ويقول: «والآن بعد أن أعلنت الأطراف الليبية وقف إطلاق النار، نأمل أن يلعب الجنرال حفتر دورًا بناءً في تشكيل ليبيا الجديدة، وتحقيق أهدافه من خلال الحوار تحت رعاية الأمم المتحدة. إنني على ثقة من أن الأطراف الليبية سترفض أي محاولة لإعادة إشعال الصراع العسكري»، وفق تقديره.

ولتحقيق ذلك، شدد على ضرورة سحب جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من البلاد، وليس فقط شركة «فاغنر» الروسية التي تزعزع الاستقرار. وعن التدخل العسكري التركي، يرى السفير أنه «ساعد على استعادة التوازن وخلق الظروف الملائمة للمفاوضات السياسية الجارية، لكن المخاوف من هجمات محتملة من الجزء الشرقي من ليبيا لا تزال قائمة، لا سيما بالنظر إلى حجم وجود شركة فاغنر العسكرية».

وإلى أن يتم تهدئة هذه المخاوف، سيستمر صدى قضية إبقاء القوات التركية في مكانها لدى بعض الأطراف الليبية، وفق قوله. وبين السفير أن الوضع في ليبيا غير مستقر «ويجب علينا جميعًا - لاعبين خارجيين وداخليين - أن نعمل معًا لتعزيز تقدم ونجاح المنتدى الليبي للحوار السياسي، الذي سيحدد خارطة الطريق للانتخابات والسلام على المدى الطويل».

المزيد من بوابة الوسط