جريدة «الوسط»: مولودان في انتظار مخاض ملتقى تونس

جانب من حضور الملتقى السياسي الليبي في تونس، 8 نوفمبر 2020. (البعثة الأممية)

حط الحوار الليبي في تونس، بعد خمس سنوات من التحليق في عديد العواصم، جراء الانسداد السياسي الذي رافق الأزمة الليبية منذ التوقيع على الاتقاق السياسي في الصخيرات وفشل الجهاز التشريعي في تمرير حكومة الوافاق الوطني، ما أدى إلى وجود حكومة موازية إلى جانب برلمان منقسم، وستكون مهمة ملتقى تونس حسب مصادر البعثة الأممية في ليبيا، منظمة الملتقى، إنتاج وثيقة سياسية تحمل اسم «قمرت» وهي الضاحية التونسية التي ينعقد فيها الحوار الليبي، على أن تكون الوثيقة مكملة لاتفاق الصخيرات، لا بديلة عنه.

وتأمل البعثة الأممية بقيادة الأميركية، ستيفاني ويليامز، أن يفلح الملتقى بتجاوز عديد العقبات باتجاه التوصل إلى خارطة مرحلة تمهيدية تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، في وقت تلوح مؤشرات إيجابية من سرت، حيث ينعقد اجتماع «لجنة العشرة»، لأول مرة بالمدينة التي كانت إلى وقت قريب مهددة باندلاع حرب وشيكة، ولم يعكر صفو هذا المناخ الإيجابي سوى ارتكاب جريمة اغتيال المحامية الناشطة حنان البرعصي في مدينة بنغازي أول من أمس الثلاثاء.

ويعكف الأعضاء الـ75 المشاركون في ملتقى تونس على مناقشة مسودة «وثيقة قمرت»، التي تتدارك الثغرات التي عاناها اتفاق الصخيرات، وتأخذ في حسبانها بعض المستجدات التي شهدتها الحالة الليبية خلال السنوات الخمس التي أعقبت هذا الاتفاق، ومن أبرز البنود التي سيتصدى لها النقاش، هي شروط وآليات اختيار السلطة التنفيذية الجديدة، وتنص على اتفاق معدل لـ«ما ورد في الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات» بتاريخ 17 ديسمبر 2015، إلا أن التغييرات في الاتفاق الجديد كانت جوهرية بعد منحها صلاحيات واسعة لملتقى الحوار السياسي الحالي كجهة عليا تتدخل لمنع حدوث الانسداد في قرارات مجلسي الدولة والنواب والحكومة، وهو ما أثار حفيظة الأخيرين، بذرائع أن ذلك يعني توجهاً لاستحداث جسم تشريعي جديد، وظهر رد الفعل هذا واضحاً في بيان احتجاجي وقع عليه 112 نائباً.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 260 من جريدة «الوسط»

وتحدد مسودة الوثيقة هيكل عمل الملتقى باختيار خمسة أعضاء لمتابعة وتقييم وتقويم المؤسسات المعنية بتنفيذ هذا الاتفاق بواقع نصف سنوي، وتحديد مدى التزام وكفاءة أداء تلك المؤسسات في تنفيذ المهام المحددة لها في المرحلة التمهيدية، كما يسمح لأعضاء الملتقى بالاجتماع مجدداً لـ«تعديل الاتفاق السياسي بما يعالج الإشكاليات التي تواجه المؤسسات المختارة»، بالتنسيق مع البعثة الأممية.

ولم تخلُ جلسات الحوار من نقاشات حادة وصفها متابعون بـ«المخاض الطبيعي» المتعلق بأولويات خارطة المرحلة المقبلة، بين متحفظ على طول الفترة الانتقالية الى 18 شهراً، في حين يرى فريق آخر أنه من الأجدر تكليف الملتقى مهمة الترتيب لقاعدة دستورية والإشراف على تنظيم الانتخابات بدل السلطة التنفيذية الجديدة مثلما جاء في الوثيقة تفادياً لتكرار سيناريو إخفاق المجلس الرئاسي الحالي.

فريق ثالث أصر قبل تحديد مواعيد للاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية الاستفتاء على مسودة الدستور التي انتهت لجنة الستين من إعدادها، فيما اشترط غالبية الأعضاء إعداد دستور انتقالي ليكون أساساً للانتخابات. وحسم رئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السائح، الجدل لدى عرض قدمه لأعضاء ملتقى تونس، حين أكد عدم جاهزية المفوضية للإشراف على انتخابات عامة، بسبب قلة الإمكانات المادية والبشرية اللازمة، وقدر السائح الفترة اللازمة لتجهيز المفوضية لهذه المهمة بسنة ونصف السنة، معرباً عن أمله باستخدام بطاقات اقتراع إلكترونية لتفادي الغش والتزوير.

وترافق الترتيب للمرحلة الانتقالية مع مواصلة انتقاد عدة جهات ليبية البعثة الأممية بشأن الآلية المعتمدة في اختيارهم لملتقى تونس، خصوصاً للمستقلين الذين ستكون لهم بموجب «وثيقة قمرت» صلاحيات كبرى رغم أنهم غير منتخبين، لترد البعثة ببيان أن المشاركين تم اختيارهم بناءً على «مبادئ الشمولية والتمثيل الجغرافي والسياسي والقبلي والاجتماعي العادل».

وفي السياق، وجهت كتل وطنية ليبية تحمل اسم الهيئة الطرابلسية والهيئة البرقاوية وكتلة فزان وأعضاء من مجلس الدولة ونشطاء مدنيين مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، مستنكرة تجاهل «عدد من المطالب الوطنية والحقوقية»، مستغربة «الاستعجال في عقد الاجتماع المخصص للحوار بتونس وتقرير مصير الشعب الليبي دون ترتيب، والبحث في من يحق لهم تمثيل الشعب الليبي في هذا الحوار»، بل طلبت ضرورة الدخول للمرحلة المقبلة من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 260 من جريدة «الوسط»

وفيما تدفع الأمم المتحدة باتجاه بدء المسؤولين العسكريين بـ«لجنة العشرة» في تطبيق الاتفاق العسكري من سرت التي تجتمع لأول مرة بالمدينة، لإبعاد خطر السلاح وتأثيره على أي توافق سياسي مرتقب، راسلت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي وزير الخارجية مايك بومبيو، يوم الثلاثاء، لاتخاذ إجراءات للحد من الانتهاكات الواسعة النطاق لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا وقالوا في مذكرة نشرتها جريدة «واشنطن بوست» إنه «إذا أريد لمحادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة في تونس أن تنجح، فيجب احترام حظر الأسلحة».

يتزامن النداء الأميركي وجولة الحوار السياسي بتونس مع الجولة السادسة للجنة العسكرية المشتركة، والثانية داخلياً لها في سرت، وتستمر إلى الـ13 من نوفمبر الجاري، حيث يستكمل فيها أعضاء اللجنة آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الدائم، وسحب المجموعات المسلحة من خطوط التماس قرب مدينتي سرت ومصراتة، إضافة إلى استكمال تشكيل اللجان الفرعية المتخصصة. وهبطت طائرة فريق حكومة «الوفاق» المشارك في الاجتماعات في ميناء السدرة النفطي برأس لانوف، التي تبعد 175 كيلومتراً عن سرت، وبعدها توجه براً.

وبرر الوفد عدم هبوط الطائرة بمطار قاعدة القرضابية بسرت كونها «محتلة من عصابة مرتزقة (فاغنر) الروسية، كما تنشر فيها منظومات دفاعية وأجهزة تشويش».
وبوصول الملتقى إلى المنطقة الساخنة وهي التي ستحدد شروط وآليات تسمية أصحاب المناصب الرئيسة في السلطة التنفيذية الجديدة، ينتظر أن يأخذ مسار النقاش منحى أكثر حساسية وجدلاً، وربما انقساماً سيكون تداركه صعباً، ويتوقف حسمه على قدرة قائدة الحوار، ستيفاني ويليامز، على القبض بحكمة وصرامة على خيوط النقاش، والتعامل مع أي اتجاه لعرقلة المسار.

المزيد من بوابة الوسط