ليبيون يلجؤون إلى فرص عمل بديلة لمواجهة سوء الأوضاع المعيشية

وائل النزوغي أثناء ممارسة مهنة الطلاء. (بوابة الوسط)

وسط غياب الحلول الرسمية، ومع تردي الأوضاع المعيشية لعموم الليبيين، مع استمرار أزمات مثل نقص السيولة، وضعف الدخل الشهري للفرد والأسرة، لجأ مواطنون ليبيون إلى البحث عن فرص بديلة توفر لهم دخلا شهريا يسد حاجاتهم اليومية بشكل بات أقرب إلى الظاهرة الاجتماعية التي أفرزتها الأوضاع الراهنة في البلاد.
وترتبط بتلك الظاهرة مشاهد وقصص كانت بعيدة عن طقوس المجتمع الليبي في الحياة حتى وقت قريب، حيث صار أرباب أسر عديدة يعملون لأكثر من فترة في النهار والليل بغية تحسين أوضاعهم المادية، في حين يلجأ آخرون إلى ابتكار مهن لم تكن مألوفة لديهم على أمل أن توفر لهم فرصة للنجاة من صعوبة الوضع الحالي.

في السطور التالية، ترصد «الوسط» بعض هذه القصص التي أراد أصحابها ألا يكتفوا بالشكوى من ضيق العيش، وانقطاع التيار الكهربائي، وغياب الحلول الحكومية لأزماتهم التي لا تنتهي. 

تنور الحاجة ناجية
البداية كانت من الحاجة ناجية محمد «60 عاما»، التي تجلس مبتمسة في رضا، خلف فرن تنتج من خلاله «خبز التنور» الذي يعد خبزا شعبيا في البلاد، لتبيعه للزبائن بعدما ضاقت بها سبل العيش، ولم تعد قادرة على سد حاجات أولادها الخمسة بعد وفاة زوجها تاركا معاشا ضمانيا لا يتجاوز 450 دينارا. وتقول ناجية محمد: «لم أكمل دراستي، اكتفيت بالمرحلة الابتدائية فحسب، وبعد وفاة زوجي، وفي ظل ما نعانيه من أزمات، لم أجد معاش زوجي كافيا لشراء الاحتياجات الأسرية والمنزلية وحاجات الأولاد، ففكرت في هذا المشروع لعلني أجد فيه ما يغنيني». وأضافت: «فكرة المشروع جاءتني من بعض جيراني الذين طلبوا مني أن أصنع لهم خبزا لإطعام الضيوف في إحدى المناسبات الاجتماعية، وبالفعل نفذت لهم ما طلبوا، ولاقى الخبز استحسانا منهم، ثم وجدت آخرين يطلبون مني نفس الأمر وهم من الجارات والصديقات، فقلت ولم لا أجعله مشروعا دائما بالتعاون مع عدد من المحال التي تبيع الخبز، فأقدمه لهم بجودة تلقى إقبال وإعجاب الزبائن، ويحقق لي دخلا معقولا، وهو ما كان بالفعل». 

وواصلت: «لم يقف مشروعي عند إعداد الخبز الشعبي فقط، بل تطور إلى صناعة الفطائر وغيرها من المعجنات، التي تلقى رواجا بين الأطعمة السريعة مثل البيتزا الليبية، وبعض الحلويات التي ترتبط بمناسباتنا الاجتماعية والأعياد، مثل الغريبة والمقروض وغير ذلك من المقبلات الأخرى». حين شرعت الحاجة ناجية في تنفيذ فكرتها لم تكن تتصور أنها ستتحول إلى مشروع يجتذب نساء أخريات يعملن معها، لكن ذلك ما حدث بالفعل حين توسع نشاطها، فقررت فتح الباب أمام الراغبات في العمل معها نظير أجر يومي، لتتمكن من مواجهة ارتفاع الطلب على منتجاتها، حسب قولها.

النزوغي ومهنة الطلاء
إلى جانب قصة الحاجة ناجية محمد، ثمة قصص أخرى عديدة، لشباب لم تغل الظروف الصعبة أياديهم عن العمل الجاد، لخلق فرص قد تبدو بعيدة المنال لكثيرين. من هؤلاء وائل النزوغي «24 عاما» الذي يدرس الإعلام بالجامعة.

ويسرد النزوغي قصته بالقول: «بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وحاجتي إلى عدة مراجع وكتب للدراسة وضعف مرتب والدي.. كل ذلك جعلني أبحث عن وظيفة بالفترة المسائية بحيث تكون غير نظامية وبدوام غير يومي، حتى لا يتعارض الأمر مع دراستي، وبعد قليل من التفكير، قررت تعلم مهنة الطلاء من أحد أصدقائي ويدعى محمد، الذي شجعني على تنفيذ الفكرة، وعلمني كيفية العمل ولم يبخل علي بمعلومة أو نصيحة». ويضيف: «تعلمت مهنة الطلاء في وقت وجيز، وأصبحت معلما في أمرها كما يقولون، وتلقيت طلبات عديدة من المواطنين لطلاء محالهم التجارية ومنازلهم، وقد شعرت بأنها مهنة متعبة في بداية الأمر، لكن الظروف الحالية جعلتني أواصل العمل، وشعرت بأن مشروعي ينجح بالفعل في تحقيق ما أردته مع مرور الوقت».

وتابع قائلا: «في بداية الأمر، ومع اللحظات الأولى لي في مهنة الطلاء، كان لجوئي لها بهدف الاستعانة على مواصلة الدراسة وتوفير النقود اللازمة لذلك، أما بعد سنوات من مزاولة المهنة، فباتت هي عملي الأساسي الذي أدخر منه النقود، ليس لاستكمال دراستي فحسب، ولكن لتكوين مستقبلي، بعد قرار بخطبة إحدى الفتيات التي سأتزوجها قريبا».

وعن المردود الاقتصادي لمهنة الطلاء، يقول وائل: «تمكنت من ادخار أكثر من 30 ألف دينار من عملي في هذه المهنة، وبعض الناس قد يسألون إن كنت قادرا على فتح بيت أم لا من ورائها، وأقول لهم إنني قادر على فتح بيت وأكثر من بيت، فالمتر الواحد من الطلاء تصل تكلفته إلى عشرة دينارات، ويختلف السعر من مكان إلى آخر، ومن نوع طلاء إلى آخر».

خالد ورحلة مع السباكة
ولا يختلف الأمر كثيرا من وائل إلى خالد، الذي قرر امتهان السباكة، رغم ما يبدو من رفض مجتمعي لبعض المهن مثلها، أو شعور الناس بالريبة من ممتهنيها وعدم الثقة في أدائهم مهتمهم بالأمانة المطلوبة.

ويقول خالد عبدالرحمن، وهو متزوج ولديه 3 أولاد: «سبب دخولي مهنة السباكة هو نقص العاملين فيها، وكذلك رغبتي في الاعتماد على نفسي، كما أفكر مستقبلا في فتح محل خاص بي يضم عددا من فنيي السباكة لأني أعمل بالطلب، حيث يتصل بي من يرغب في أي عمل، فأنا في بداية مشروعي، وعندي طموح لمتابعته حتى يكبر، ويعتمد عليه الناس في حل مشكلاتهم المتعلقة بالسباكة». ويرد عبد الرحمن على القائلين بأن الشباب لم يعد راغبا في امتهان السباكة أو غيرها من المهن اليدوية، بالقول: «الشباب اليوم، وبسبب الأوضاع الحالية فقد الأمل في بناء ذاته ومجتمعه، فجميع أحلامه تحطمت بسبب الصراعات المستمرة والنزاعات والانقسامات، لكن من الجانب الآخر هناك الكثير من الشباب الذين يعملون في عدة حرف ومهن مثل السباكة والبناء واللحام وغيرها».

وتابع عبدالرحمن: «هؤلاء القادرون على مواصلة العمل، والبحث عن فرص يحتاجون إلى دعم وتحفيز في إنجاح مشروعاتهم، والحصول على المهنة أو الحرفة، فغياب وزارة العمل واضح تماما، رغم أنها المفترض تدعم الشباب في إقامة دورات مهنية لتطوير المهن الخاصة بهم، وهذا سيؤدي في النهاية إلى التقليل من العمالة الوافدة واستبدال المحلية بها، التي لا تنقصها الخبرة ولا الكفاءة».

ومع تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي في مناطق ليبيا كافة، وجد الشاب أسامة البراني نفسه أمام مهنة جديدة قد ينطبق عليها المثل القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد»، حيث يقول البراني متحدثا عن قصته إنه لم يعتمد على مؤسسات الدولة في توفير وظيفة له، بل توجه إلى عمه يوسف البراني لكي يعلمه مهنة تبدو حديثة نسبيا ونتجت من أزمة انقطاع التيار، ألا وهي «صيانة مولدات الكهرباء»، حيث تلجأ عديد الأسر والمنازل والشركات والمؤسسات إلى الاعتماد على تلك المولدات لسد حاجاتها الضرورية من التيار الكهربائي.

ويقول أسامة إن المهنة ليست متعبة، لكنها تحتاج إلى صبر وسعة بال، وفق تعبيره. وأضاف: «ما زلت أتعلم المهنة من عمي لتطوير نفسي، وأطمح إلى فتح ورشة خاصة بي بعد إتقان الصيانة بتفاصيلها الدقيقة كافة».

وتابع أسامة في حديثه إلى جريدة «الوسط»: «أقول للشباب الليبي اليوم، لا تنتظروا من مؤسسات الدولة أن توفر لكم شيئا، سواء وظيفة أو فرصة عمل أو غير ذلك من الحلول لأزماتنا المعيشية الصعبة، فهذه المؤسسات عاجزة وغير قادرة، ولكل إنسان منا موهبة في مجال معين فليبحث كل شاب عن موهبته ليطورها وينميها، وليتمكن أن يجد من خلالها فرصة تعينه على ظروف الحياة، فكلما أبدع الإنسان وتميز في مجال عمله، وجد الحصاد الجيد والربح الوفير، كما تعلمنا من حكمة الأجداد الذين سبقونا في شق طريقهم في هذه الحياة، رغم صعوبة ما كانوا يعانونه أيضا».

الحاجة ناجية خلال إعداد خبز التنور. (بوابة الوسط)
أسامة البراني أثناء صيانة مولد كهرباء. (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط