جريدة «الوسط»: اختراقان لمسارات برلين قبل شهر من ملتقى جنيف

المشاركون في مؤتمر برلين حول ليبيا، 19 يناير 2020، (الإنترنت)

بينما تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى استعدادات استئناف مسارات الحوار في جنيف والترتيب لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بدأت المؤسسة الوطنية للنفط استئنافا جزئيا لإنتاج وتصدير النفط على خلفية «تفاهمات موازية» في روسيا لإعادة العمل بالحقول والموانئ النفطية، أثارت كثيرا من ردود الفعل في الداخل مقابل تجاهل الخارج، فيما أثارت من ناحية أخرى تساؤلات بشأن علاقة الخطوة بالمساعي الدولية والأممية التي تعد لحوار جنيف في أكتوبر المقبل.

ويلاحظ أن الاتفاق الذي وقف وراءه نائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، والقيادة العامة، ركز على اقتسام أموال النفط دون آليات واضحة وشفافة رآها منتقدو الخطوة قد تطيل من عمر الانقسام بين فرقاء الأزمة الليبية.

وبموجب هذا التفاهم المكون من سبع نقاط، أهمها استئناف إنتاج وتصدير النفط، وتشكيل لجنة فنية مشتركة تشرف على توزيع عائدات النفط، وتستفيد حكومة الوفاق من نسبة 60% من العائدات مقابل 40% للطرف الآخر، وهو توزيع يخالف ما طرحه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح سابقا، القاضي بتوزيع العائدات النفطية على النحو التالي، 50% لطرابلس و30 بالمئة% و20% لفزان.

وتجاهل اتفاق حفتر-معيتيق مسألة انسحاب المرتزقة من بعض الحقول والموانئ النفطية، وهو ما دفع المؤسسة الوطنية للنفط في البداية إلى التمسك بعدم رفع «القوة القاهرة» عن هذه المنشآت النفطية، ما لم يتم إخلاؤها من المظاهر العسكرية، إلا أن المؤسسة، وربما تحت ضغط دولي تراجعت عن ذلك مستبدلة شرطها بإعلان رفع «القوة القاهرة» عن الموانئ والحقول «الآمنة» وفق تصنيفها.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 253 من جريدة «الوسط»

ولعل ما يعزز هواجس المؤسسة الوطنية للنفط من الوجود العسكري الأجنبي، هو المعلومات التي ظهرت حول مقتل أربعة من مرتزقة «فاغنر» الروسية في تحطم مروحية تحمل على متنها ذخائر بالجفرة، حسب الناطق باسم «غرفة عمليات تحرير سرت الجفرة» عبدالهادي دراه. وكانت معلومات أولية أشارت إلى أن المروحية كانت متجهة نحو أحد الحقول النفطية.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، لم يؤكد حتى الساعة أنه لم يكن جزءا من الاتفاق، ما فسر البعض أن ذلك يثبت الانقسامات داخل المجلس، فيما دعا رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري إلى فتح تحقيق عاجل حول خلفيات هذا التفاهم الذي وصفه بـ«اعتداء على صلاحيات السلطات التشريعية الشرعية».

وبينما يواصل عقيلة صالح الصمت حيال اتفاق سوتشي، ما يعزز فرضيات الخلاف بينه وبين المشير خليفة حفتر، استضافت القاهرة الطرفين، حيث أشاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بدور الأول والثاني في مكافحة الإرهاب، ودعا كل الأطراف للانخراط «الإيجابي» في مسارات حل الأزمة الليبية المنبثقة من قمة برلين برعاية الأمم المتحدة (السياسي، الاقتصادي، العسكري والأمني) و«إعلان القاهرة» وصولا إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي «ستتيح للشعب الليبي الاستقرار والازدهار والتنمية» وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

وكان الرئيس السيسي استبق اللقاء معهما بتأكيده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن «مواصلة القتال وتجاوز خط سرت - الجفرة، ستتصدى له مصر، دفاعا عن أمنها وسلامة شعبها».

وفي السياق ذاته أقر لافروف بأن كل ما تقوم به موسكو هو محاولة حمل الليبيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات حتى يتوصلوا إلى اتفاق حول كيفية تقاسم الموارد الطبيعية، مقابل صمت أميركي وأممي حول اتفاق إعادة فتح الحقول والموانئ، بينما عبرت فرنسا عبر سفارتها في ليبيا عن دعم بيان المؤسسة الوطنية للنفط مع سلامتها واستقلالها.

ووسط التطورات غاب رد فعل المجتمع الدولي على هذا «الاختراق الموازي» لمسارات الحوار الأممية الثلاثة المنبثقة من مؤتمر برلين، وأعلن نائب الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق، أن الأمم المتحدة والحكومة الألمانية تحضران لعقد قمة ليبية أخرى، على غرار مؤتمر برلين في الخامس من أكتوبر المقبل، موضحا في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، أن القمة الافتراضية ستضم ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي والجامعة العربية، بالإضافة إلى دول الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وتركيا والإمارات والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 253 من جريدة «الوسط»

ويفتح اجتماع جنيف بعد مؤتمر «برلين 2» مسألتي إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتأليف حكومة مستقلة، على أن تحضره عدة شخصيات ليبية من أطياف متنوعة، وذلك بعدما توصل الاجتماع الأخير في مونترو بسويسرا إلى نتيجة مفادها تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في غضون 18 شهرا، فيما بدا أنه مسعى باتجاه «اختراق موازٍ» آخر لمسارات برلين، أعلن الرئيس الفرنسي اعتزام بلاده إطلاق مبادرة جديدة تجمع دول الجوار، بالتعاون مع الأمم المتحدة، من أجل وقف إطلاق النار بشكل دائم في ليبيا، لافتا إلى قيام عديد القوى بإرسال مقاتلين من سورية من أجل تصدير «الإرهاب إلى هذا الإقليم».

ولعل ماكرون أراد من وراء اقتصار المبادرة على دول الجوار الليبي إبعاد تركيا عن الملف الملف الليبي، التي تزايد نفوذها بشكل واسع، حيث بادرت إلى تكثيف اتصالاتها مع حكومة الوفاق بشكل ملحوظ؛ ترتيبا لمرحلة ما بعد استقالة السراج وحفاظا على مصالحها الاقتصادية والعسكرية التي ترسخت مع توقيع عدة مذكرات تفاهم واتفاقات.

وتعليقا قال الناطق باسم رئاسة الجمهورية التركية، إبراهيم كالن، بحسب مقابلة له مع وكالة «دوغان» التركية، إن الاستقالة لن تؤثر على قرار الاتفاق مع تركيا. وأشار إلى أنه بحسب تصريحات الرئيس إردوغان سيكون للرئيس زيارة قريبة محتملة إلى ليبيا في الأيام المقبلة.

مرة أخرى يرى الليبيون الأزمة رهينة تعدد المبادرات والمسارات، الناجمة عن تضارب مصالح الأطراف الخارجية، المتدخلة في الحالة الليبية، فيما كان يسود بعض التفاؤل بما يمكن أن تنتجه مفاوضات جنيف المرتقبة في أكتوبر المقبل تتويجا لمخرجات برلين.

المزيد من بوابة الوسط