نص كلمة السراج أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة

السراج خلال كلمة مسجلة بثها موقع الأمم المتحدة خلال الدورة 75 للجمعية العامة، الخميس 24 سبتمبر 2020. (الأمم المتحدة)

أكد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، حرص حكومة الوفاق على «الخيار السلمي القائم على الحوار البناء كخيار وحيد لتجاوز الأزمة التي تمر بها البلاد»، لافتًا إلى تعاطي حكومته «إيجابيا» مع عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة وتقديمها كل التسهيلات بالخصوص.

جاء ذلك خلال كلمة السراج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 75، الخميس، أكد خلالها أهمية «الإسراع في استئناف الحوار السياسي على أن يشمل كل القوى السياسية الليبية»، مطالبًا بـ«خطوات عملية تلزم الطرف الآخر بإعادة المرتزقة لبلادهم، وإعادة فتح المنشآت النفطية»، حسب نص كلمته المنشور على صفحة المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي بموقع «فيسبوك».

وشدد على التزام حكومة الوفاق بـ«دعم حقوق المواطنين في التعبير السلمي، وأنها لن تسمح بأي محاولة لقمعهم بالقوة»، وعبر عن تطلع الحكومة إلى دعم قوي من المجتمع الدولي لـ«إنجاح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي انتظرها طويلا كل المؤمنين بالدولة الوطنية ودولة المؤسسات».

وفيما يلي نص كلمة رئيس المجلس الرئاسي:

السيد الرئيس
أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة
حضرات السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يطيب لي السيد الرئيس في مستهل هذه الكلمة أن أهنئكم وأهنئ بلدكم الشقيق على انتخابكم رئيسا للدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، متمنيًا لكم النجاح والتوفيق في المهام المناطة بكم، ومؤكدًا لكم استعداد وفد بلادي للتعاون معكم بما يُسهم في تحقيق أهداف هذه الدورة. وأود كذلك أن أتقدم بالشكر والتقدير لسلفكم، سعادة السيد محمد تيجاني، على ما بذله من جهود خلال رئاسته لأعمال الدورة الماضية، ولا يفوتني أن أُشيد بالجهود المتواصلة التي يضطلع بها معالي الأمين العام السيد أنطونيو غوتيريس لتحقيق أهداف ومقاصد الأمم المتحدة.

هذه الدورة تنعقد للأسف في ظل ظروف دولية صعبة وقاسية، فرضها وباء «كوفيد-19» الذي لا يعرف حدودا جغرافية، ولا يفرق بين البشر، والذي أحدث وما زال يُحدث خسائر بشرية فادحة، ويُنذر بعواقب ومخاطر تهدد أداء كافة القطاعات الخدمية والإنتاجية، خاصة في البلدان الفقيرة والتي تعاني من حالات الصراع، وعدم الاستقرار. وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة في كثير من المناسبات بأنه لا سبيل للتصدي للوباء إلا بالتضامن وتعزيز التعاون الدولي المشترك وتوحيد الجهود نحو القضاء على هذه الجائحة.

السيدات والسادة،،،
وددتُ كلما أتيحت لي الفرصة للحديث من على هذا المنبر أن أتحدث عن نهاية للمرحلة الانتقالية الصعبة التي تمر بها بلادي، ونجاحها في تجاوز ما تمر به من تحديات جسام، وانطلاقها نحو بناء دولة ديمقراطية مدنية، يتم فيها التداول السلمي على السلطة، وتُحترم فيها سيادة القانون، وتحمي وتعزز حقوق الإنسان وكرامته.... لكن للأسف هناك من أراد وما زال يسعى لتقويض كل هذه الطموحات التي دفع الليبيون من أجلها تضحيات جسام، ويصر على اللجوء لكل الأساليب مهما كانت مدمرة وظالمة للوصول للسلطة، وحكم البلاد بالقوة.

إننا وبإرادة شعبنا مصممون على المضي قدما بكل عزيمة وإصرار، لتحقيق الأهداف التي دفع من أجلها شهداء الوطن أرواحهم، وقد برهن أبطال جيشنا الوطني وقواتنا المسلحة بأنهم كانوا وسيظلون الصخرة القوية التي تتحطم عليها أطماع كل من يسعى لإعادة البلاد للديكتاتورية وحكم الفرد. لقد أوفينا بوعدنا عندما قلنا إن الغازي لن يدخل مدينة طرابلس التي صمدت في وجه عدوان غاشم قاده المعتدي والميليشيات الداعمة له، في الرابع من شهر أبريل من العام الماضي، والذي أحدث خسائر بشرية ومادية، ودمارا واسعا لا يسع المجال هنا لسرده.

لقد استطعنا بفضل تضحيات أبطالنا في عملية بركان الغضب ردع وهزيمة العدوان وما يحمله من مشروع لعسكرة الدولة، هذا المشروع كانت للأسف تقف وراءه وتدعمه بالعتاد والمرتزقة بلدان يعرفها الجميع، وأشارت إليها بالاسم وبالتفصيل التقارير الأممية والدولية، وهو سلوك مرفوض يمس بسيادة الدولة الليبية واستقلالها، وينتهك صراحة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالملف الليبي، ويخالف القوانين والأعراف الدولية التي تمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو المس بسيادتها الوطنية، وما من شك في أن هذه المواقف لا تقارن بالاتفاقات المشروعة التي تبرمها الحكومة الشرعية مع بعض الدول.

ومع التطورات الجديدة التي توجت بهزيمة المعتدي، وانتصار الشعب الليبي، وتصميمه على مواصلة طريقه نحو التصدي وبكل قوة في وجه كل من يقف ضد حقه في بناء دولته الديمقراطية، فإننا نطالب هذه البلدان بإعادة النظر في مواقفها، وعدم الاستمرار في الرهان على المعتدي، والبحث مع حكومة الوفاق في سبل معالجة ما لديها من شواغل، والعمل على إرساء وتعزيز علاقات التعاون القائمة على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. 

لقد أكدنا في كل المناسبات حرصنا على التمسك بالخيار السلمي القائم على الحوار البناء، كسبيل وحيد لتجاوز الأزمة التي تمر بها البلاد، وتعاطينا إيجابيا مع عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، وقدمنا كل التسهيلات لما تقوم به من جهود في هذا الشأن، وتفاعلنا بنية حسنة مع المبادرات التي طُرحت لحل الأزمة، والتي كان آخرها ما توصل إليه مؤتمر برلين من نتائج، بل وقمنا من جانبنا بتقديم عدة مبادرات لحلحلة الأزمة السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد، وخطط وبرامج لمعالجة الصعوبات المعيشية والخدمية التي تواجه المواطن الليبي.

لقد برهنا دائما على أننا دعاة سلام لا حرب ودمار، مع أننا نمتلك القوة والإيمان ليس فقط للتصدي لأطماع المعتدي، بل ملاحقته وهزيمته، إلا أنه وحفاظًا على دماء أبنائنا، وسعيًا لتوحيد الجهود نحو التصدي لجائحة «كوفيد-19» الذي يهدد أرواح مواطنينا، أعلنا في الواحد والعشرين من شهر أغسطس الماضي عن وقف إطلاق النار، والدعوة لتنظيم انتخابات بحلول شهر مارس القادم، وأكدنا أن الوصول الفعلي لوقف شامل ومستدام لإطلاق النار يقتضي أن تصبح منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة منهما، ومن كافة مناطق ليبيا، تحقيقا للسيادة الوطنية على كامل التراب الليبي، وهو استحقاق وطني يقع على حكومة الوفاق مسؤولية الوفاء به.

إننا إذ نرحب بالتأييد الإقليمي والدولي الواسع لهذه المبادرة، فإننا نتطلع إلى أن يترجم هذا الموقف إلى خطوات عملية تُلزم الطرف الآخر بقبولها، والانسحاب الكامل من المناطق المشار إليها، وإعادة المرتزقة إلى بلدانهم، وفتح الموانئ والحقول النفطية علي الفور، والتي ثبت أن قرار إقفالها جاء بإيعاز خارجي وتسبب في خسائر تُقدر بتسعة مليارات دولار، علاوة على ما أحدثه من أضرار جسيمة للبنية التحتية للمنشآت والمرافق النفطية. 

لقد رحبنا بما جاء في بيان القيادات السياسية في الشرق الليبي، الذي دعوا فيه لوقف إطلاق النار وضرورة عودة إنتاج النفط، إلا أننا لم نر بعد تجاوبًا من المجموعات المسلحة والميليشيات التابعة للمعتدين، بل تصريحات عدائية صادرة عن المتحدث باسمهم، وحدوث خروقات نفذتها القوات التابعة لهم المدعومة بالمرتزقة، لذا إننا نحمله المسؤولية الكاملة عن حدوث مواجهات عسكرية، وما تجره من خسائر ودمار.

السيدات والسادة،،،
لقد حاولنا كثيرًا معالجة الأوضاع المعيشية وتحسين أداء القطاعات الخدمية، ووضع حد لانتشار السلاح وما يحدث من حالات انفلات أمني، وحققنا في كثير من الأحيان بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقدمًا ملموسًا في هذا الاتجاه، إلا أن هذه الجهود لم تكن ثمارها مستدامة بسبب التدخلات الخارجية السلبية، وانقسام مؤسسات البلاد، وعمليات إغلاق إنتاج وتصدير النفط، المورد الرئيسي للبلاد، وكنا ندرك دائما أن معالجة كافة هذه الصعوبات والمشاكل يكمن في وضع سياسات شاملة ومستدامة صادرة عن حكومة وحدة وطنية منتخبة، وعليه نجدد ما طالبنا به مرارا من أهمية الإسراع في الاتفاق على قاعدة دستورية وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

إننا نتطلع إلى دعم قوي من المجتمع الدولي لهذا الاستحقاق الشعبي، ومساهمة فاعلة من الأمم المتحدة في توفير ما نحتاجه من متطلبات لإنجاح هذه الانتخابات، التي انتظرها طويلا كل الليبيين المؤمنين بالديمقراطية ودولة المؤسسات، والتي ستُنهي دون شك أزمة الشرعيات، التي أنهكت البلاد على كافة المستويات، ووصولا لهذا الهدف نرى أهمية الإسراع في استئناف الحوار السياسي على وجه السرعة، على أن يشمل كل القوى الفاعلة الحقيقية على الأرض، من نخب وتيارات سياسية ومناطق ومكونات اجتماعية، مهما كانت انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية، ويستثنى من ذلك كل من ثبت بحكم القانون إجرامه، وسفكه لدماء الليبيين.

السيدات والسادة،،،
فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان، نؤكد عزمنا على حماية هذه الحقوق وتعزيزها، والتزاما بذلك أصدرنا عددا من القوانين على المستوى الوطني، ونسعى رغم ما يواجهنا من تحديات للوفاء بالتزاماتنا الدولية تجاه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ونعكف على دراسة الانضمام لمزيد من المعاهدات والاتفاقيات التي تُسهم في تعزيز تلك الحقوق، كما أننا نولي اهتماما متواصلا بتعزيز حقوق المرأة، والمساواة بين الجنسين، واستمرار تأمين مجانية الخدمات التعليمية والرعاية الصحية لجميع المواطنين.

لقد مثل العدوان على مدينة طرابلس انتهاكا صارخا لكل مبادئ وأسس حقوق الإنسان من خلال ما نفذه من عمليات قصف عشوائي، وقتل ودمار وتشريد المواطنين، وزرع الألغام، وإعدامات ميدانية شهدت عنها المقابر الجماعية التي تم العثور عليها في مدينة ترهونة بعد هزيمة المعتدي وجلائه عنها، كل هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وغيرها وجدت صداها لدى مجلس حقوق الإنسان الذي استجاب لمطالبنا وشكل لهذا الشأن لجنة لتقصي الحقائق، ونحن إذ نرحب بهذه الخطوة نؤكد استعدادنا للتعاون وتسهيل مهمة اللجنة، وندعوها أيضا للنظر في الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون في مدينة سرت على أيدي ميليشيات حفتر، والتي كان آخرها اعتقال عدد من أبناء قبيلة القذاذفة، وسفك دم أحدهم أمام عائلته.

إن حكومة الوفاق الوطني ملتزمة بدعم حق المواطنين في التعبير السلمي الذي يكفله القانون، وحماية المتظاهرين، ومنحهم المساحة اللازمة للتعبير عن رأيهم، ومطالبهم المشروعة في تحسين أوضاعهم المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، ولن نسمح بأية محاولة لقمعهم بالقوة.

السيدات والسادة،،،
تؤكد بلادي مجددا رفضها وإدانتها للإرهاب بجميع أشكاله وصوره، وأيا كان مصدره، ومهما كانت دوافعه، ونؤكد على أنه ظاهرة عالمية لا ينبغي ربطها بأي دين أو عقيدة. لقد دفعت بلادي تضحيات جساما للقضاء على التنظيمات الإرهابية التي ضمت عددا من المقاتلين الأجانب، ومن ذلك تنظيم داعش الوافد إلينا من الخارج، والذي لا يُهدد أمن واستقرار وسلامة ليبيا فقط بل يسعى لاستغلال مواردنا الطبيعية، وتوظيفها للانطلاق نحو الخارج لتنفيذ مخططاته الدموية التي لا تمت للإسلام بصلة.

لقد صادقت ليبيا على كافة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، واعتبرت إستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب وركائزها الأربع من أهم الأطر القانونية الدولية الموجهة للقوانين والتشريعات الوطنية في مجال محاربة هذه الظاهرة.

إن تعزيز التعاون الإقليمي والدولي يظل السبيل الأمثل لتتبع شبكات الإرهاب والقضاء عليها أينما وجدت، وتبرز في هذا الإطار أهمية دعم خطط وبرامج التعاون الإقليمي وشبه الإقليمي، ومن ذلك ما توصلت إليه ليبيا مع بعض دول الجوار من تدابير وإجراءات مهمة لضبط ومراقبة الحدود المشتركة، والقبض على الإرهابيين ومحاكمتهم.

السيدات والسادة،،،
تولي بلادي اهتماما متواصلا بظاهرة الهجرة غير الشرعية، وعلاج مشكلة استمرار تدفق هؤلاء المهاجرين الذين يعرضون أنفسهم لاستغلال شبكات تهريب البشر، ومخاطر عبور البحر. لقد باتت هذه الهجرة عنوانا لمأساة إنسانية ظل المجتمع الدولي عاجزًا عن معالجتها حتى الآن، وبلادي باعتبارها دولة عبور تواجه نتيجة هذه الظاهرة تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية خطيرة فاقمت ما تمر به من حالة عدم الاستقرار، الأمر الذي ترك صعوبات ومشاكل انعكست سلبًا على المجتمع الليبي، وبات من الصعب معالجتها دون تعاون ومساعدة خارجية ترقى لمستوى هذه التحديات وتداعياتها الخطيرة.

إننا نتطلع إلى تنسيق وتشاور أكبر مع المنظمات الدولية التي نرتبط معها ببرامج عمل، وبما يفضي لبيانات واقعية وموضوعية عن المهاجرين في البلاد، وما يواجهونه من مشاكل وصعوبات، ولا نعتقد أن التقارير الأحادية التي تحمل بيانات وأعدادا غير دقيقة ومبالغا فيها تساعد على الوصول لحلول مناسبة لهذه الظاهرة، بقدر ما تفضي إليه من خيبة أمل لتركيزها على مزاعم لحدوث انتهاكات يقوم بها أفراد يتبعون السلطات الوطنية المختصة، دون الإشارة للجهود المتواصلة التي تقوم بها هذه السلطات لصالح المهاجرين، وتجاهلها لاحتضان ليبيا الإنساني لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي يعيشون بوئام وسلام بين الليبيين ويعملون في مختلف القطاعات ليوفروا أموالا يرسلونها لعائلاتهم في بلدان المصدر.

لقد أصبح هناك توافق دولي واسع على أن معالجة تحديات الهجرة تفوق قدرة البلدان منفردة، وليبيا ضحية هذه الهجرة وليست سببا فيها، وعليه نؤكد مجددا أن الحل الأمثل هو معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع الناس لطلب هذه الهجرة غير النظامية، ولا مناص من قيام المجتمع الدولي بمساعدة البلدان المصدرة للهجرة، وتشجيعها على وضع وتنفيذ برامج ومشاريع تنموية حقيقية، وتحسين أداء قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، والقيام بكل ما من شأنه أن يُسهم في القضاء على الفقر والبطالة وصعوبات المعيشة، ويصرف الناس عن التفكير في طلب هذه الهجرة المحفوفة بالمخاطر.

السيدات والسادة،،،
تولي بلادي اهتماما كبيرا بقضايا نزع السلاح وتعزيز السلم والأمن الدوليين، وذلك من خلال مساهماتها الفاعلة في المداولات المكرسة لهذه المسائل ومشاركتها في دعم العديد من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، والتزامها بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وذلك وعيا منها لما يشكله إنتاج وتكديس أسلحة الدمار الشامل من تهديد للأمن والسلم الدوليين، وما تسببه من رعب للبشرية جمعاء، كما تساهم ليبيا في الجهود الدولية المبذولة لنزع أسلحة الدمار الشامل، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
 
السيد الرئيس،،،
مضت خمس سنوات تقريبا في السير نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي يفترض بلوغها العام 2030، ومما يدعو للقلق أن وباء «كوفيد-19» يُنذر بتحديات وتداعيات خطيرة من شأنها أن تقوض ما أحرز من تقدم، وتعرقل سبل مواصلة السير نحو تلك الأهداف. نحن في ليبيا لا زلنا نواجه تحديات جمة لبلوغ تلك الأهداف، ومن تلك التحديات حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، والجميع يدرك بأنه لا تنمية بدون أمن، ولا أمن بدون تنمية، ونتطلع إلى تجاوز ما نمر به من صعوبات حتى نتمكن من إطلاق خطط وبرامج التنمية، وتدوير عجلة الاقتصاد، بما يمكننا من الشروع الفعلي في بلوغ الأهداف التنموية.

إن حشد الموارد المحلية وتوظيفها لتنفيذ برامج التنمية ضرورة لا غنى عنها، وليبيا من البلدان التي هُربت كثير من أموالها إلى الخارج، ولذلك ندعو الدول التي هُربت إليها تلك الأموال للكشف عنها والمساعدة في استعادتها.

وفي هذا السياق نود الإشارة إلى ما تتعرض له الأموال والأصول المجمدة للصندوق السيادي الليبي من خسائر نتيجة الجزاءات القائمة منذ العام 2011، والتي فرضها مجلس الأمن بموجب عدد من القرارات، إننا نؤكد على أن الهدف من تلك الجزاءات هو حفظ الأموال والأصول الليبية وليس استمرار تآكلها. إن ما يحدث فعليا هو أن هذه الأموال والأصول تتعرض لخسائر كبيرة ومستمرة نتيجة تجميدها، وقد وافينا مجلس الأمن ولجنة العقوبات منذ شهر مارس 2016 ببيانات واضحة ومتتالية عن حجم هذه الخسائر، وناشدنا بالعمل على تعديل نظام العقوبات القائم لتفادي ما نتكبده من خسائر فادحة. وللأسف لم نلمس بعد استجابة فعلية لمطلبنا العادل.

السيد الرئيس،،،
يؤيد وفد بلادي الإصلاحات التي يجريها الأمين العام على بعض أجهزة الأمم المتحدة، ورغم ما أُحرز من تقدم في هذا الشأن إلا أن مجلس الأمن وهو الجهاز الأهم ظل بعيدا عن أي إصلاحات.

لقد بات من الضروري إدخال إصلاحات حقيقية على هذا المجلس الذي لم يعد يعكس الواقع الدولي المعاصر للقرن الحادي والعشرين، وما يشهده من تحديات خطيرة تهدد الأمن والسلم الدوليين، إن الواقع الجيوسياسي الحالي مهيأ لعملية الإصلاح وإفساح المجال أمام التمثيل العادل في المجلس، ومن هذا المنطلق نطالب برفع الظلم التاريخي الواقع على القارة الأفريقية من حيث عدم تمثيلها بشكل عادل في فئة العضوية الدائمة والعضوية غير الدائمة، ونؤكد على المطلب الأفريقي الوارد في توافق أوزلويني وإعلان سرت، وهو الحصول على مقعدين دائمين بجميع الحقوق والصلاحيات بما في ذلك حق النقض، ومقعدين إضافيين غير دائمين. إن هذا المطلب يتفق مع مقتضيات العدالة، والحق في أن يكون للقارة مشاركة فعالة فيما يتخذه المجلس من القرارات التي كثيرا ما تكون منصبة على قضايا أفريقية، علاوة على أنه مطلب يمثل الحد الأدنى الذي يعكس حق القارة في أن يكون لها تمثيل عادل بالمجلس، ويكفل تصحيح ما تعرضت له من تهميش وظلمٍ تاريخي، وفي هذا السياق لا يفوتني أن أعبر عن تأييدنا لطلب المجموعة العربية حصولها على مقعد دائم بالمجلس.

السيدات والسادة،،،
إن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق ما دامت سلطات الاحتلال مستمرة في احتلال الأراضي الفلسطينية، وإقامة المستوطنات، والتهديد بضم المزيد من الأراضي وفرض سياسات الحصار الجائر، والضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية التي اتخذت في هذا الشأن. إننا نضم صوتنا للشعب الفلسطيني الرافض لممارسات سلطات الاحتلال، وحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ونعبر عن رفضنا لكل محاولات الاستغلال أو المتاجرة باسم القضية الفلسطينية لتحقيق مصالح أو تفاهمات لم يوافق عليها الفلسطينيون أو يشاركوا فيها، وليست لها علاقة بمصلحتهم، وستظل ليبيا مساندة للقضية الفلسطينية وما يقرره الفلسطينيون من توجهات للوصول إلى دولتهم المستقلة التي ينشدونها والتي قدموا من أجلها آلاف الشهداء.

ختامًا، أود التأكيد أن الدولة المدنية الديمقراطية هي المشروع الذي ثار الليبيون من أجله. وهو ما نسعى لتحقيقه في ليبيا، طموحنا أن نعيش في دولة تقر التبادل السلمي للسلطة، وتحترم حقوق الإنسان وتحفظ كرامته، وتحد عبر القانون من التجاوزات أيا كان مصدرها.. دولة تنشد السلام والتنمية، والتعاون مع محيطها، تنبذ العنف وتحارب الإرهاب والتطرف. وتمتلك ليبيا مقومات النهضة وعوامل الجذب، بما يتوافر لها من كفاءات وإمكانيات وثروات طبيعية، وموقع إستراتيجي مميز، وبإمكان الليبيين وبمساعدة الأصدقاء أن يصنعوا مستقبلا زاهرا لبلادهم. ما نأمله هو التعجيل بطي هذه الصفحة المؤلمة، لتتحول بلادنا إلى ورشة عمل للبناء والتعمير، في ظل دولة ديمقراطية تعددية، تحترم الاختلاف والتنوع الثقافي.. دولة المؤسسات والقانون.
شكرًا السيد الرئيس.

المزيد من بوابة الوسط