جريدة «الوسط»: توافق على «السياديات» في المغرب وغموض في جنيف

إحدى جلسات الحوار بين وفدي مجلس الدولة ومجلس النواب في المغرب، 9 سبتمبر 2020، (الإنترنت)

يسود تفاؤل حذر بقرب عودة المسار السياسي لحل الأزمة الليبية، فيما تستمر ولليوم الخامس مشاورات بوزنيقة المغربية بين وفدي مجلس النواب ومجلس الدولة، والتي تركزت فيما يبدو على رسم خارطة توزيع المناصب السيادية على أساس مناطقي، يقابلها حوار موازٍ في جنيف بحضور ممثلين عن حكومة الوفاق، ومجلسي النوب والدولة، والنظام السابق.

وفي أول لقاء بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة منذ إعلانهما المنفصل وقف إطلاق النار قبل أسبوعين في مدينة بوزنيقة المغربية أوضح وزير الخارجية ناصر بوريطة أن هدف المشاورات «الحفاظ على وقف دائم لإطلاق النار».

وبما أن الصراع الليبي مدفوع أساسا بالسعي إلى السلطة فإن تعزيز وقف إطلاق النار يتطلب بالضرورة توزيعا مقبولا للمناصب السيادية التي تركزت خلالها جولات حوار بوزنيقة على توزيع المناصب ضمن عشر مؤسسات سيادية، حيث يجب أن يتوصل الوفدان إلى اتفاق واقتراحات تعد تشاورية غير رسمية قبل مغادرة المغرب.

وجرى تمديد الحوار لعدة أيام بعدما كان مقررا ليومي 6 و7 سبتمبر فقط، وتركز النقاش على المؤسسات السيادية والقانونية والرقابية في ليبيا، وهي نقاط مرتبطة بالبند الـ15 من اتفاق الصخيرات. كما انصبت المساعي على إعادة تشكيل هيكل المجلس الرئاسي بخفض أعضائه من تسعة إلى ثلاثة.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 251 من جريدة «الوسط»

ووفق مصادر الحوار الدائر فإن الطرفين توصلا إلى الاتفاق على آلية تسمح باختيار الشخصيات القيادية لسبع من هذه المؤسسات، وظلت المؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار خارج هذا التوافق، الذي يتعلق بآلية التوزيع المناطقي وليس بالأسماء، ويفترض أن تؤول نتائج اجتماع بوزنيقة إلى مجلسي النوب والدولة للمصادقة عليها، ومن ثم تضم إلى حزمة التصورات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ستوضع على مائدة مفاوضات جنيف الموسعة والرسمية المرتقبة، والتي ستعقد ضمن سياق المسار السياسي المستند إلى مخرجات مؤتمر برلين، المتوقع أن تبدأ عبر ما يعرف بـ«5+5+3» في 17 سبتمبر، حسب مصادر أوروبية.

ويؤكد متابعون الشأن الليبي أن حواري بوزنيقة وجنيف الحاليين يكمل أحدهما الآخر، إضافة إلى المناقشات السابقة في تونس قبل بضعة أشهر، والتي كان الهدف منها إصلاح المؤسسات السيادية، وكلها تؤدي إلى مخرجات «برلين».

وحاول وزير الخارجية المغربي الذي ترعى بلاده الحوار الليبي الجاري إظهار نبرة متفائلة خلال اجتماعات بوزنيقة، وقال إن المبادرات السياسية من كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج قد تدفع الأمور قدما نحو حل سلمي للأزمة الليبية.

وقالت وزارة الخارجية المغربية إنّ هذه الاجتماعات لا تحمل مبادرة جديدة وتأمل في تمهيد الطريق لاجتماع آخر في جنيف. بدوره أوضح رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري أن ليبيا تمر بـ«أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية»، لكنها «ستسعى مع مجلس النواب لتجنب حرب جديدة».

وفي وقت رحب فيه العديد من مسؤولي المجلس الأعلى للدولة بمجريات الحوار حتى الآن، شكك عدد من النواب بجدواه واحتمال توصله إلى نتائج يمكن تطبيقها في الواقع، ومن ضمن التحفظات طبيعة الوفدين المشاركين اللذين لا يملكان أي قوة على الأرض يستندان إليها لتنفيذ اتفاقات قد يتوصلان إليها.

وبينما تنظر واشنطن بتحفظ إلى تشعب مسارات اللقاءات بين الممثلين خصوصا بعد تمكن الضغط الأميركي على أطراف الصراع، وعلى الدول الإقليمية المؤثرة في تحقيق اختراق مهم في الجمود الذي أعقب المواجهات العسكرية.

وكشف وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم عن سعي بلاده وشقيقتها تونس، لاستضافة حوار بين فرقاء الأزمة الليبية، مشيرا إلى ضرورة «إشراك دول الجوار، وعلى رأسها مصر، والدول المحيطة بالجنوب الليبي، فضلا عن إيطاليا ومالطا واليونان».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 251 من جريدة «الوسط»

هذه الدعوة أبلغها الرئيس التونسي قيس سعيد إلى رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، خلال لقائهما في قصر قرطاج، حيث أعرب عن استعداده استضافة حوار وطني يجمع مختلف مكونات الشعب الليبي، منوها بأهمية «التنسيق والتشاور» القائم بين بلاده والجزائر من أجل إطلاق حوار ليبي-ليبي جامع لإيجاد حل سلمي لهذه الأزمة.

وتضغط روما بدورها في اتجاه إشراك جيران ليبيا في عملية تحقيق الاستقرار، إذ شدّد وزير الخارجية الإيطالي لويغي دي مايو على هامش المنتدى الاقتصادي السياسي «البيت الأوروبي امبروسيتي» إنّ «في الأيام المقبلة، سيكون ضروريا إشراك دول الجوار الليبي»، لأنه «دون الفاعلين المعنيين مباشرة الذين لهم تأثير على الطرفين، سيكون من الصعب تسوية الوضع».

وتأكيدا لهذه الرؤية جاءت زيارة أعضاء من مجلسي النواب والدولة وشخصيات ميدانية من المنطقة الغربية وسط الأسبوع، رغم نفي الأخير إرسال ممثلين عنه إلى القاهرة، لكن تصريحات الشخصيات التي وجدت في القاهرة أكدت الزيارة، إذ قال عضو المجلس الأعلى للدولة، أبوالقاسم اقزيط، إن الزيارة جاءت لدعم المسارات التي انطلقت في جنيف والمغرب، وإن الوفد يمثل المنطقة الغربية في ليبيا لا حكومة الوفاق، فيما اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، وهو عضو في الوفد، أن هدف زيارة القاهرة تستهدف مناقشة موقف مصر من الأحداث الجارية في ليبيا وما رؤيتهم خصوصا المنطقة الغربية، مشيرا إلى أن الوفد ضم في تصريح إلى «بوابة الوسط» عددا من أعضاء مجلس النواب الذين يجتمعون في طرابلس وشخصيات وصفها بـ«المعتدلة» تمثل المجلس الأعلى للدولة، وشخصيات سياسية واجتماعية وعسكرية مستقلة.

وبالموازاة مع توجه الأنظار نحو التفاهمات التركية-الروسية حول الهدنة في سرت والجفرة، أكد الممثل الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط والدول الأفريقية، ميخائيل بوغدانوف، وسفير تركيا لدى روسيا محمد صامصار تنسيق الجهود لتسهيل التوصل إلى وقف إطلاق النار في ليبيا. وقالت وزارة الخارجية الروسية، الأربعاء، في بيان لها إن بوغدانوف وصامصار تبادلا وجهات النظر حول الأوضاع في ليبيا، واتفقا على نقل عملية التسوية الليبية إلى قناة سياسية ودبلوماسية وفقا لقرارات مؤتمر برلين وقرارات مجلس الأمن بالخصوص.

وبين مراهن على جدوى مسارات الحوار الجارية، ومقلل من قيمتها في دفع الأزمة باتجاه الحل، يبقى الجميع في انتظار جولات التفاوض الرسمية المقبلة في جنيف، والمفترض أن تكون حاسمة بعد ماراثون الاتصالات الدولية والإقليمية الطويل، وما صاحبها من تصريحات تؤكد أن الخيار السياسي هو الحل الوحيد للأزمة الليبية.