ليبيا في قلب ترسيم العلاقات الإماراتية الإسرائيلية وغاز المتوسط كلمة السر

سفينة تنقيب تركية في البحر المتوسط. (الإنترنت)

كشفت خيوط ترسيم العلاقات الإماراتية الإسرائيلية على شكل تحالف معلن أُطلق عليه وصف «اتفاق السلام» عن تغييرات جيوسياسية جديدة ستطرأ على لعبة الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، بينما يخفي التطبيع تهديدا لخطط تركيا بشأن ليبيا ويضعها في مسار تصادمي مع اتفاق مصري يوناني.

وعلى أثر تطبيع مفاجئ، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 13 أغسطس الجاري، نجاح إدارته في إحداث التقارب الإماراتي الإسرائيلي، ما دفع أنقرة للخروج عن واجب التحفظ الدبلوماسي موجها وزير دفاعها، خلوصي أكار، تهديدات إلى الإمارات العربية المتحدة، حينما قال إنها قامت بأعمال مضرّة في ليبيا وسورية، وستحاسبها تركيا على ما فعلت في المكان والزمان المناسبين.

أما رد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، على اتفاق التطبيع بين الاحتلال الصهيوني والإمارات، فكان أكثر شدة حتى من الرد الإيراني، حيث أعلن أنه يفحص قطع العلاقات مع أبوظبي، في حين أن طهران أدانت الاتفاق لكنها لم تهدد بقطع العلاقات.

وستكون الأنظار الإقليمية مشدودة إلى الزيارة العلنية الأولى التي سيقوم بها رئيس الموساد، يوسي كوهين، على رأس البعثة الإسرائيلية إلى دولة الإمارات خلال الأسبوع الجاري، للقاء كبار المسؤولين في حكومة أبوظبي، ومن المرجح توقيع اتفاقية التطبيع بين البلدين.

تغيير جيوسياسي للعبة الطاقة في البحر المتوسط
وليس مفاجئا أن يكون الرد التركي حادا بعد 25 عاما من أول اتفاقية سلام بين إسرائيل ودولة عربية أخرى، حيث يعد بمثابة تغيير جيوسياسي للعبة الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، خصوصا بعد أن أصبح الكيان الصهيوني رسميا لاعبا رئيسيا في ساحة الطاقة العالمية، إذ يعد الأمر بالنسبة لتركيا سيناريو مزعجا، وقد اصطفت الإمارات إلى شرق ليبيا في الصراع وضد حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا.

ويؤكد مراقبون أن تدخل تركيا في ليبيا يدور حول ضمان عدم إبعادها عن ثروة النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط. ولهذه الغاية، أعادت تركيا رسم الحدود البحرية مع ليبيا، واستجابت مصر واليونان على الجانب الآخر من هذا الصراع بإنشاء المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بهما.

القتال في ليبيا أصبح أكثر أهمية لإسرائيل
وفي هذا السياق يقول نائب رئيس معهد القدس للإستراتيجية والأمن، العقيد عيران ليرمان لجريدة «هيوم إسرائيل»، الثلاثاء، إن هناك سؤالا مهما تم تجاهله ويلقي ضوءًا إضافيا وذا مغزى على توقيت إعلان «السلام» وعلى عمق الشراكة الإستراتيجية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة في ذروة أزمة كبرى تتكشف حاليا في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وقال عيران ليرمان إنه لم يكن لدى الجمهور في إسرائيل الكثير ليقوله في الأشهر الأخيرة حول الحرب في ليبيا، التي أصبحت ساحة معركة حيوية بين تركيا ومصر، التي حظيت بدعم الإمارات العربية المتحدة بشكل دائم وشامل، لكن خلال الأسبوع الماضي، أصبح القتال في ليبيا أكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل ومستقبلها على خلفية توقيع مصر واليونان اتفاقية في القاهرة تحدد المناطق الاقتصادية الخالصة لكل منهما في شرق البحر المتوسط.

وحسب الباحث الصهيوني تضع هذه الصفقة كلا البلدين على مسار تصادمي مع الخريطة التي رسمها الرئيس التركي وحكومة فائز السراج، التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس وشمال غرب ليبيا. بناء على هذه الخريطة، تشترك تركيا وليبيا في حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة. وبالتالي تهدف تركيا إلى منع قبرص ومصر وإسرائيل من الوصول إلى أسواق الغاز الطبيعي الأوروبية.

وفي رد غاضب على الاتفاقية المصرية اليونانية، أرسل إردوغان سفينة أبحاث ترافقها خمس سفن حربية، إلى بحر إيجه، للعمل داخل المياه الاقتصادية اليونانية، وبالتالي، فإن خطر اندلاع حريق عسكري في شرق البحر الأبيض المتوسط وارد.

واعتبر ليرمان أن كل هذا مرتبط مباشرة بالاختراق الدبلوماسي الإسرائيلي مع الإمارات. ففي غضون ذلك، في أعقاب الاتفاق المصري اليوناني، أيد وزير الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، الموقف المصري بشكل قاطع، ووصفه بأنه «انتصار ذو مغزى تاريخي».

إعادة توجيه إستراتيجي للمنطقة وعزلة لأنقرة
وبعدما وصف الاتفاق بالحدث الثوري الأهم في تاريخ الشرق الأوسط الحديث يزعم تحليل لـ«معهد بيغن-سادات» الإسرائيلي، أنه مع وجود جيش إقليمي قوي إلى جانبها، ستكون الإمارات قادرة على تهديد خطط تركيا بشأن ليبيا، وهذا هو السبب في أن إيران وتركيا كانتا الوحيدتين تقريبا في العالم الإسلامي في إدانتهما لاتفاق السلام.

أما بخصوص ما تقوم به أنقرة من استكشافات في البحر المتوسط، ستتخذ إسرائيل بدورها إجراءات ضرورية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في البحر المتوسط، والتي تسعى الاتفاقية البحرية التركية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا إلى تدميرها، وكما أن فرنسا ومصر دخلتا على خط الصراع أيضًا في معركة البحر الأبيض المتوسط إلى جانب إسرائيل وقبرص واليونان وفق المعهد الصهيوني. الذي لفت إلى أن استثمار الإمارات العربية المتحدة في خط الأنابيب بين إسرائيل ومصر وقبرص واليونان «يعد إعادة توجيه إستراتيجي للمنطقة وعزلة لأنقرة».

التطبيع بين إسرائيل والسعودية أمر مفروغ منه
بدورها سلطت جريدة «هآرتس» الصهيونية الضوء على رد فعل تركيا الغاضب من التطبيع الإماراتي، حيث يطرح من قبل رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتانياهو، «كفرصة اقتصادية ستفتح أسواقا جديدة أمام الشركات الإسرائيلية، وسيرسخ رسميا التعاون بين الطرفين في مجالات البحث والطب والحواسيب».

وأضافت أن «هذا بلا شك إنجاز سياسي يحمل في طياته إمكانية كامنة لاتفاقات سلام مع دول عربية أخرى مثل البحرين وسلطنة عمان والسعودية»، منوهة بأن الرياض لم تنف تصريحات مستشار وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنير، التي أكد فيها أن «التطبيع بين إسرائيل والسعودية، أمر مفروغ منه».

لكن الاتفاق حسب الجريدة في المقابل «يضع إسرائيل على محور الدول المتورطة عسكريا وسياسيا في الحروب والعمليات التي تجري في الشرق الأوسط، وبهذا، يضعها على لوحة الهدف».

كما أنه بالنسبة لأنقرة، فإن «أبوظبي استأنفت العلاقات الدبلوماسية مع بشار الأسد، وخططت مع إسرائيل ومصر ولبنان من أجل مد أنبوب لنقل الغاز من الدول الثلاث، وقبرص، إلى إيطاليا، وهو المشروع الذي تم تجميده بسبب انخفاض أسعار الغاز جراء كورونا، وهو يستهدف المس ومنافسة المشروع التركي لنقل النفط والغاز من ليبيا إلى أوروبا».

وأشارت الجريدة الصهيونية إلى أن التوتر بين أنقرة وأبوظبي غير جديد، «ويسود عداء شديد لدرجة أن سفير الإمارات بواشنطن، يوسف العتيبة، أكد أن تركيا هي العدو الأكثر خطورة على الدول العربية».

واعتبرت أن الفلسطينيين يظهرون الآن كأكبر الخاسرين من الاتفاق، ولا يمكنهم الادعاء بأنهم تفاجؤوا، كما أن برود الدول العربية وتجاهل الجامعة العربية التعهد بتحويل 100 مليون دولار شهريا للسلطة، ووقف الضغوط السياسية على إسرائيل والهدوء النسبي المصاحب لنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم هضبة الجولان، كل ذلك ليس وليد السنة الأخيرة.

المزيد من بوابة الوسط