الجزائر تحذر من تفاقم الأحداث في ليبيا وتطرح خارطة طريق لتفادي «صوملة» الوضع في البلاد

الرئيس الجزائري تبون مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج, (الإنترنت)

وضعت الجزائر ضمن السيناريوهات القاتمة للأزمة الليبية، تفجر الأوضاع في البلاد حال اندلاع معركة مباشرة، ما جعلها قلقة من «صوملة ليبيا»، بسبب مستوى التدخلات الأجنبية، واقترحت الدبلوماسية الجزائرية خارطة طريق جديدة على مختلف الأطراف الداخلية والدولية الوازنة، تنصب على تحييد الوضع العسكري لبدء مفاوضات تحت رعاية أممية وبتنسيق مع تونس، لتدخل هذه المبادرة في حالة تنافس مع مبادرات إقليمية أخرى.

وباتت الدبلوماسية الجزائرية مجبرة على التعامل مع الواقع الجديد في الساحة الليبية من تطورات عسكرية وسياسية تجاوزت تفاهمات مؤتمر برلين، مما دفعها للبحث عن أدوات أخرى للتعامل مع الأزمة، في ظل يأسها من فرص تحديث إعلان مبادرة ثلاثية مع مصر وتونس، لتباعد المواقف مع القاهرة في ملف «تسليح القبائل».

رفض التدخلات الأجنبية
وتجدد الجزائر باستمرار موقفها المحايد والرافض التدخل الأجنبي في ليبيا، دون أن تشير صراحة إلى أي دولة بالتحديد مع أن المقصود هو تدخل جميع الأطراف بما فيها تركيا ومصر وروسيا، كما تشدد على وحدة التراب الليبي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ومع أن الجارة الغربية لليبيا لم تعرض أية خطة واضحة محتملة يمكن اتخاذها مستقبلاً لحل الأزمة؛ إلا أن التحركات الدبلوماسية في الأسابيع الأخيرة كانت تنصب على تمرير عدة مبادئ وخطوات في سبيل منع اندلاع حرب إقليمية مباشرة بين عدة دول داخل الأراضي الليبية.

ووفق تسريبات مصادر جزائرية فإن المسؤولين نقلوا إلى مختلف العواصم خارطة طريق لمنع «صوملة ليبيا»، وهو المصطلح الذي تكرر مراراً لدى الرئاسة والجيش الجزائريين، حيث ركزت المشاورات الأخيرة مع روسيا وأميركا وفرنسا وتونس والأمم المتحدة على محورين، وهما تحييد الوضع العسكري على الأرض خصوصاً على مستوى سرت والجفرة للسماح بالعودة إلى طاولة المفاوضات، ما يؤكد رفض الحل العسكري.

وتسعى الجزائر خلال الأشهر القليلة المقبلة من وراء ذلك إلى منع أحد الأطراف المتورطة في الصراع من تحقيق تقدم عسكري جديد، وبالتالي وقف حلقة الاستفزازات.

أما المحور الآخر فهو السماح للأمم المتحدة بفرض حظر على دخول الأسلحة والمقاتلين من الخارج إلى ليبيا في ظل عدم احترام الحظر الساري، والفكرة هي منح الأمم المتحدة قدرة أكبر على تطوير آلية جديدة لتسوية الأزمة، ولا سيما أن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، اتهم في تصريح سابق أطرافاً شاركت في مؤتمر برلين بإدخال 3500 طن من الأسلحة إلى ليبيا.

أمل إجراء الانتخابات
وفي مرحلة متقدمة تسعى الجزائر لإخراج اللاعبين الرئيسيين في ليبيا حالياً سواء في الشرق أو الغرب من المشهد السياسي والعسكري، عن طريق إجراء انتخابات تشريعية، ولاحقاً رئاسية، لبناء مؤسسات جديدة تحظى بدعم ورعاية القوى الكبرى.

كما تنصب مساعي الجزائر على عقد لقاءات على مستوى القبائل الليبية، إذ تراهن على هذه الورقة التي تعد بالنسبة لها عاملاً مؤثراً سياسياً وعسكرياً في ميزان القوى داخل البلاد بغرض الذهاب إلى تشكيل خارطة سياسية جديدة تكون محط توافق بين أغلب أطياف الشعب الليبي، لكن ينصح خبراء بتجاوز هذا المشروع، بسبب الانقسامات الحاصلة داخل القبيلة نفسها بين من يؤيدون حكومة الوفاق ومن يؤيدون الحكومة الموقتة.

وتشدد الجزائر على أن لب الأزمة الليبية هو التدخلات الخارجية، وأن أية مبادرة من جانبها قد تخفق إن لم تدعمها قوى إقليمية ودولية وازنة، كما عليها أن تحظى بثقة جميع أطراف الصراع الليبي؛ وذلك تجنباً لتكرار فشل سيناريو اتفاق الصخيرات ومؤتمر برلين وقبلهما مؤتمري باريس وباليرمو.

وفي ظرف وجيز، استقبل الرئيس الجزائري رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، كما هاتف نظيريه التركي رجب طيب إردوغان والروسي بوتين، واستقبل وزير الخارجية السعودي.

وأوفد تبون، وزير الخارجية صبري بوقادوم إلى كل من تونس وموسكو، حيث التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فضلاً عن لقاءات بوقادوم مع نظرائه المصري والليبي والموريتاني، أما وزير خارجية الصين فقد تلقى دعوات من الجزائر من أجل لعب دور أكبر في تسوية الأزمة.

موقف العسكرية الجزائرية
وبرز موقف المؤسسة العسكرية في الجزائر عبر افتتاحية عدد مجلة «الجيش» الناطقة باسمه لشهر أغسطس، حيث شددت على بقاء الجزائر على مسافة واحدة من الطرفين المعنيين بالصراع الحالي في ليبيا، وحرصها على إيجاد حل سلمي يكون في مصلحة الشعب الليبي دون سواه. في المقابل، حذر الجيش الجزائري، من التداعيات الوخيمة للحرب بالوكالة التي تخطط لها جهات أجنبية في ليبيا لم يحددها، معلناً رفضه أي نزعة لتسليح القبائل خوفاً من تحول البلاد إلى صومال جديد.

وشددت وزارة الدفاع الجزائرية على وجوب الإسراع في إيجاد حل سلمي للأزمة في ليبيا، مؤكداً أن أي حرب بالوكالة في ذلك البلد لها آثار وخيمة على المنطقة برمتها. وأضاف أن «الوضع في ليبيا ينذر بتداعيات خطيرة على دول المنطقة، بحيث بات من الضروري الإسراع لإيجاد مخرج سلمي للأزمة قبل فوات الأوان»، معتبراً أن «ليبيا اليوم توجد في وضع مماثل لما يحدث في سورية بسبب تعدد التدخلات الأجنبية».

وأشار الجيش الجزائري إلى أن «الوضع المستجد السائد على الأرض في ليبيا هو أخطر بكثير مما قد يتصوره البعض، محذرة من أن تطور الوضع في ليبيا قد يفرز تحديات وتهديدات على الأمن القومي الجزائري».

لا دعم لمصر ضد تركيا
وفي غضون ذلك، تدخل الجيش الجزائري لنفي أخبار تحاول إقحامه في صراع المحاور بليبيا. بعدما فند تصريحات نسبت إلى قائد أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة حول دعمه مصر ضد تركيا في ليبيا، واتهم الجيش الأطراف التي تقف خلفها بالسعي لإثارة البلبلة والتأثير على مواقف الجزائر إزاء أزمة الدولة الجارة.

وبالنسبة لمراقبين فإن المبادرة الجزائرية للتسوية ليست الأولى، وقد تضعها في صدام مع المبادرة المصرية التي يسوق لها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أو المغربية الساعية لتوقيع اتفاقية «الصخيرات 2»، الأمر دفع بوزير الخارجية صبري بوقادوم بالتوضيح في تصريحات سابقة أن المقاربة الجزائرية للحل في ليبيا «ليست مبنية على تنافس مع المبادرات الأخرى، لكنها لا تختلف مع مبادئ مؤتمر برلين الذي شاركت فيه الجزائر، وكذا جميع الأطراف الليبية».

وأضاف بوقادوم أن «مقاربة الجزائر مبنية على ثلاثة مبادئ هي: الحل السلمي مع رفض الحل العسكري، وقف إطلاق النار والشروع في المفاوضات، مع رفض كل التدخلات الخارجية ورفض تدفق الأسلحة واحترام حظرها على ليبيا»، مشيراً إلى وجود «تقارب موحد بين الجزائر وتونس، وكذلك نوعاً ما مع مصر بخصوص الحل في ليبيا». ومع ابتعاد تونس التي تتطابق رؤيتها لحل الأزمة مع الجزائر عن الاهتمام بالملف الليبي لانشغالها بترتيب شؤونها الداخلية، تعيش العلاقات بين المغرب والجزائر، فصلاً جديداً من التوتر بسبب ليبيا لرفض الرباط تعدد المبادرات، والتأكيد على الالتزام باتفاق الصخيرات، الموقع في 17 ديسمبر 2015، مع إمكانية تعديله.

الدور المغربي
وفي السياق ذاته أشارت جريدة «لي كوريي إنترناسيونال» الفرنسية، الثلاثاء، إلى «تفاقم الأزمة الليبية على الأرض في وقت تحاول المغرب افتكاك الوساطة الجزائرية، من خلال استقبال شخصيات ليبية بارزة، للترويج لمبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، تضم جميع الفصائل الليبية». وقالت الجريدة إن «الرباط تكافح من أجل إسماع صوتها في قضية ترتبط بها دبلوماسيتها بأي ثمن»، موضحة أنه «بالنسبة للدبلوماسيين المغاربة، فإن التدخل المبكر للقوى الأجنبية في الصراع الليبي، يشكل تهديداً».

وقال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في فبراير الماضي، إن «الوضع يتصاعد أمام أعيننا والمشاكسة باتت خارج نطاق السيطرة، وعلى حساب الجميع»، في إشارة إلى الدور الجزائري في الملف الليبي.

المزيد من بوابة الوسط