ليبيا «الغائب الحاضر» في النزاع بين تركيا واليونان بشرق المتوسط

سفينة يافوز التركية للتنقيب عن الغاز، (أرشيفية: الإنترنت)

فيما بقيت التحركات السياسية لحل الأزمة الليبية خلال الأيام الأخيرة في حالة مراوحة، مع انشغال الداخل بأزمة انتشار فيروس كورونا المستجد، وجد اللاعبون الإقليميون في تبادل قصف كلامي كانت فيه ليبيا بمثابة «الغائب الحاضر»، إذ تزايد النزاع في منطقة شرق البحر المتوسط بين تركيا واليونان، على خلفية توقيع الأخيرة اتفاقية مع مصر لترسيم الحدود البحرية، الأمر الذي اعتبرته أنقرة يتعارض مع مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر الماضي، لإنشاء منطقة اقتصادية خالصة.

الحكومة التركية بدورها، أرسلت سفينة أبحاث للمسح الزلزالي «أوروتش رئيس» في المنطقة المتنازع عليها بشرق المتوسط، غير أن هذه الخطوة دفعت اليونان إلى رفع حالة التأهب؛ بينما لم تعلن حكومة الوفاق عن موقفها إزاء هذا التصعيد. وتهدف المهمة التركية إلى التنقيب عن رواسب نفط وغاز محتملة جنوب جزيرة كاستيلوريزو اليونانية، كما أنها تتحدى الاتفاقية اليونانية–المصرية التي أبرمت الخميس الماضي للتنقيب عن الغاز؛ فيما تقول تركيا إنها تدافع عن حقوق «قبرص الشمالية»، وهي جمهورية لا تعترف بها أي دولة في العالم باستثناء أنقرة، التي تحتل هذا الجزء من دولة قبرص منذ العام 1974؛ بينما تتزايد المخاوف الدولية من اندلاع نزاع مسلح في المنطقة، مع وصف أثينا للتحركات التركية بأنها «تصعيد خطير للغاية يكشف ما تمارسه أنقرة من زعزعة للاستقرار».

احتمالات النزاع المسلح
النزاع في منطقة شرق البحر المتوسط، والذي يتمحور حول مسافة 200 ميل بحري، وإن كان محركه الأساسي رغبة كل دولة في الحصول على نصيب من احتياطات الغاز في المنطقة، إلا أنه لا يخفي صراعا لأسباب أقدم وأكبر، ولا سيما بين مصر وتركيا، وتستغل فيه الأخيرة تدخلاتها في ليبيا وجلبها مرتزقة للمشاركة في النزاع المسلح من أجل التضييق على القاهرة، وذلك حسبما يرى خبير شؤون الشرق الأوسط في المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن (SWP) في برلين، شتيفان رول، في مقابلة أجرتها معه إذاعة «دويتشه فيله»، الألمانية.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 247 من جريدة «الوسط»

وباتت هناك كتلتان للنزاع في منطقة شرق البحر المتوسط، تضم الأولى كلا من اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل، المنضمة لـ«منتدى غاز شرق المتوسط»، والثانية تضم تركيا وحكومة الوفاق. وبينهما يقف، كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي تنخرط في عضويته كل من تركيا واليونان، موقف المتفرج، دون تدخل جدي، بينما قد تلوح في الأفق نذر نزاع دولي مسلح «حرب الغاز»، يغذيه عدم اهتمام الولايات المتحدة بالقضية بالقدر الكافي، وسط انشغال الرئيس دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في نوفمبر المقبل، ومواجهة أزمة فيروس كورونا.

الباحث رول استبعد أن يقود النزاع على المناطق الاقتصادية في البحر المتوسط إلى نزاع مسلح في الوقت القريب، لكنه حذر من مستقبل مجهول، قائلا: «لا أتصور نزاعا مسلحا لا من تركيا ولا اليونان وبالأحرى مصر، كلها ليست مهتمة بمواجهة مباشرة علما بأن النتيجة غير معروفة»، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو غير مهتمين البتة بأن تحصل مواجهة بين اليونان وتركيا، «فقد حدثت الماضي لحظات تصعيد تم احتواؤها، وحاليا هي عبارة عن تهديدات. لكن لا نعرف أبدا ماذا يحصل في المنطقة. فقد تصدر طلقات نارية وتتحول هذه الحادثة إلى دينامية خاصة. لكن لا أحد مهتم بجدية بذلك». وتدخلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للحيلولة دون حدوث نزاع مسلح بين اليونان وتركيا، حسب الإذاعة الألمانية، مشيرة إلى «عزم أنقرة القيام بأعمال التنقيب عن الغاز في منطقة بحرية تعلن اليونان سيطرتها عليها.

وكتعليل للتحرك التركي أعلنت تركيا أن هذه المنطقة، وحسب الاتفاقية المبرمة مع حكومة الوفاق الليبية في طرابلس، باتت منطقة نفوذ تركية». وأرسلت اليونان مثل تركيا سفنا حربية إلى المنطقة، لكن «يبدو أن الانفراج الذي حصل بفضل تدخل المستشارة ميركل كان لوقت وجيز فقط». فالأسبوع الماضي وقعت اليونان ومصر على اتفاقية تحددان بموجبها مناطقهما الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، غير أن حكومة الرئيس التركي رجب إردوغان تعلن أن مياهها الإقليمية تمتد إلى هناك، مهددة باستخدام الوسائل العسكرية، حسب الإذاعة الألمانية أيضا. الاتفاقية المبرمة بين وزير الخارجية المصري ونظيره اليوناني الأسبوع الماضي لتحديد المناطق الاقتصادية، جاءت بعد مفاوضات استمرت 15 عاما، ويقول الباحث رول عنها إنها ذات علاقة مباشرة باتفاقية المناطق الاقتصادية التي وقعتها تركيا وحكومة الوفاق في نوفمبر2019، «اليونان ومصر رأتا في تلك الاتفاقية تهديدا واضحا لمصالحهما، والأمر يتعلق في نهاية المطاف بسد الأبواب أمام تركيا».

رسائل مصرية
واعتبر أن الاتفاقية اليونانية–المصرية هدفها إرسال إشارة سريعة في اتجاه أنقرة بأنه لا يمكن قبول أن ترسم تركيا من جديد الحدود البحرية، «وهذا قد يفسر أيضا لماذا تم التوقيع الآن على الاتفاقية مع استمرار التفاوض على التفاصيل»، مؤكدا أن النزاع بين القاهرة وأنقرة أكبر من أن يمكن تلخيصه في النزاع بمنطقة شرق المتوسط فقط، إذ إنه يعود إلى التطورات التي وقعت في العام 2013 بمصر، «فالقاهرة تتهم تركيا بدعم الإخوان المسلمين، وهو صحيح إلى حد كبير. فالكثير من كوادر الإخوان يعيشون في تركيا. والقيادة المصرية تشعر بالتهديد من طرف تركيا».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 247 من جريدة «الوسط»

وحول استغلال ليبيا كورقة للنزاع بين مصر وتركيا، يؤكد الباحث أن النزاع اتخذ «دينامية جديدة من خلال الاتفاقية التركية–الليبية حول المناطق الاقتصادية وكذلك التدخل التركي في ليبيا. وبالنسبة إلى القاهرة خلق هذا الأمر وضعا جديدا وهو أن تكون تركيا نشطة في ليبيا، حيث أرسلت مرتزقة يقاتلون إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس ضد الجنرال حفتر الذي تدعمه مصر. فالتدخل التركي في الحديقة الخلفية لمصر، أي ليبيا، يعتبر تهديدا مباشرا في نظر القاهرة».

وفيما يخص مواقف دول الجوار الليبي والدول العربية بخصوص هذا النزاع البحري، يرى الباحث أن الأمر لا يهم كثيرا أغلب هذه الدول، طالما أنه غير متاخمة للبحر، لكن «قطر مثلا تقف بوضوح إلى جانب أنقرة، التي لها وجود عسكري في ليبيا، كما أن قطر تدعم الإخوان المسلمين. والدول المساندة لمصر، في مقدمتها السعودية ودولة الإمارات، تنظر بتوجس للدور التركي ولها مواقف نقدية واضحة تجاه أنقرة. ودول شمال أفريقيا لها موقف حيادي ولا تتخذ موقفا مباشرا وتحاول في النهاية ربط علاقات جيدة مع كلا الطرفين».

واستبعد الباحث أن يحدث تدخل عسكري مصري يمتد إلى العاصمة طرابلس، وقال: «يمكن لي تصور أن تتدخل مصر في نزاع ليبيا وتنشر وحدات ما وراء الحدود. لكن الأمر سيتعلق بالحفاظ على خطوط جبهات قائمة. فلا يتعلق الأمر باستراتيجية توسعية. ليس هناك نية للتقدم حتى طرابلس والمخاطرة بمواجهة مباشرة مع تركيا. فمصر تعتزم دعم حلفائها وقوات الجنرال حفتر».

أميركا غير مهتمة
ومع انشغال الولايات المتحدة بشؤونها الداخلية، لم تقرر واشنطن بعد إلى أي جانب ستقف بخصوص النزاعات في شرق البحر المتوسط أو في ليبيا، حسب الباحث رول أيضا، «فعلاقة الولايات المتحدة مع مصر لم تعد كما كانت عليه في السابق، إذ حصلت فيه أخيرا بعض الشروخ. فمصر لها سلوك في الكثير من المستويات يشبه سلوك تركيا. فالقاهرة مثل أنقرة اشترت ضد إرادة الولايات المتحدة أنظمة صواريخ دفاعية روسية. فكل واحد يلعب لعبته ولا يتقيد ببنى التحالف التقليدية».

ويضيف أن الاتحاد الأوروبي غير مؤهل للتوسط لخفض حدة النزاع، بما أنه لا يملك موقفا موحدا تجاه تركيا، برغم أن فرنسا مثلا أخذت موقفا واضحا ضد تركيا، «أما الألمان ليس لهم مصالح خاصة في ليبيا، وهناك شكوك حول امتلاكهم ما يكفي من النفوذ لتحصيل نتائج في هذه المنطقة، فعملية برلين التي أطلقت لحل النزاع في ليبيا، أثبتت أن ألمانيا لم تكن قادرة على التأثير على أطراف النزاع حتى تلتزم هذه الأطراف بالاتفاقية».

كما يعتقد الباحث أن ألمانيا ليس لها القوة المطلوبة، وكل ما يمكن أن تفعله أن تساهم في هدنة موقتة، وهو ما حدث نتيجة المكالمة الهاتفية للمستشارة ميركل مع الرئيس التركي إردوغان قبل أسابيع قليلة، «تلك المكالمة التي ساهمت في تفادي حصول مواجهة مسلحة بين سفن حربية تركية ويونانية في بحر إيجه».

كلمات مفتاحية