المقابر الجماعية والألغام ومذبحة مزدة.. جرائم حقوقية تحت بصر العالم

آثار تخريب ودمار جراء الاشتباكات في العاصمة طرابلس. (أرشيفية: الإنترنت)

لقي قرار مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بالموافقة على تشكيل فريق خبراء وإرسال بعثة تقصي حقائق إلى ليبيا لتوثيق الانتهاكات التي وقعت في البلاد منذ العام 2016 ترحيبا من قوى ومؤسسات دولية كبرى، مع تأكيد هذه القوى ضرورة محاسبة المتهمين وعدم إفلاتهم من العقاب، مؤكدين أن طرفي النزاع ارتكبا انتهاكات.

وتمثلت أبرز الانتهاكات التي ذكرتها الأطراف الدولية في: الهجمات العشوائية، والقتل غير القانوني، والعنف الجنسي، بالإضافة إلى إسكات الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مشيرين بالخصوص إلى اكتشاف مقابر جماعية في ترهونة واستخدام الألغام في جنوب طرابلس، ومذبحة مقتل 30 مهاجرا في مزدة، وإساءة معاملة مواطنين مصريين بعد احتجازهم.

للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط» اضغط هنا 

ووافق مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة على إصدار قرار يطالب بتشكيل فريق خبراء وإرسال بعثة تحقيق إلى ليبيا من أجل توثيق التجاوزات والانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ العام 2016.
مشروع القرار قدمته مجموعة دول أفريقية في مارس الماضي في إطار الدورة الـ43 لمجلس حقوق الإنسان، لكن الدول لم تتمكن من مناقشته بسبب فيروس «كورونا المستجد»، الذي أرغم الأمم المتحدة على تعليق الدورة؛ غير أن القرار اُعتمد دون تصويت بعد استئناف مناقشات مجلس حقوق الإنسان، الأسبوع الماضي، وذلك لتخفيف القيود المفروضة للحد من تفشي وباء «كورونا».

تعذيب وتجاوزات
وندد القرار بشدة بكل أعمال العنف التي اُرتكبت في ليبيا، وأكد المجلس قلقه إزاء المعلومات التي تتحدث عن عمليات تعذيب وتجاوزات أخرى في السجون الليبية، طالبا من المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ميشيل باشليه، أن تشكل فورا وترسل بعثة تحقيق إلى ليبيا. مهمة فريق الخبراء في هذه اللجنة ستكون مدة عام، على أن تختص بـ«توثيق مزاعم وقوع تجاوزات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والانتهاكات لهذه الحقوق ارتكبها جميع الأطراف في ليبيا منذ مطلع العام 2016».

ويطلب القرار من فريق الخبراء أن يقدموا تقريرا شفويا عن عملهم خلال الدورة الخامسة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان، التي يفترض أن تعقد في سبتمبر المقبل، يليه تقرير كامل خلال الدورة التالية المقررة في مارس 2021.

ترحيب حكومي
بدورها، رحبت وزارة العدل بحكومة الوفاق بهذا القرار، مؤكدة أنها على استعداد للتعاون مع البعثة الأممية الجديدة. وقالت الوزارة في بيان فور صدور القرار إنها «ومنذ مباشرتها أعمالها جعلت من أولويات سياساتها الاعتناء بحقوق الإنسان في ليبيا والارتقاء بها باعتبار ذلك أحد أهم الأهداف الأساسية لثورة 17 فبراير»، مشيرة إلى أنها على تواصل تام مع المؤسسات الدولية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان، وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

الوزارة نبهت أيضا إلى مشاركتها في مختلف الفعاليات الخاصة بمجلس حقوق الإنسان و«تجاوبها مع كل برامجه»، مدللة على ذلك بـ«الفقرة الأولى من قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 40 الذي أشاد فيها بتعاون حكومة الوفاق مع مجلس حقوق الإنسان ولجانه وآلياته».

وأضافت أنه «استمرارا لهذا التعاون فإن وزارة العدل بحكومة الوفاق الوطني ترحب بما ورد في الفقرة 43 من قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 40 سابق الإشارة إليه، من الدعوة إلى استحداث بعثة لتقصي الحقائق لبحث حالة حقوق الإنسان في كل أنحاء ليبيا». وأعلنت الوزارة «استعدادها التام للتعاون معها إيمانا منها بأن ذلك جاء استجابة طبيعية لمطالب حكومة الوفاق، ويتناغم مع سياستها الرامية إلى حماية حقوق الإنسان والارتقاء بها وضمان عدم إفلات منتهكي هذه الحقوق من العقاب، بما يجعل أعمال هذه البعثة المزمع استحداثها رافدا قويا للقضاء الوطني والدولي إن لزم الأمر في تحقيق العدالة وملاحقة مرتكبي جرائم انتهاكات حقوق الإنسان، أيا كان مكان وجودهم على الأراضي الليبية».

آلاف المحتجزين
وفي كلمتها خلال الجلسة، كشفت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ستيفاني وليامز، أن نحو 8800 شخص لا يزالون محتجزين في 28 سجنا رسميا في ليبيا، إضافة إلى عشرة آلاف شخص محتجزين في مراكز احتجاز خاضعة لسلطة المجموعات المسلحة.

وأوضحت أن المحتجزين في السجون بينهم ما يقدر بـ500 من النساء، ونحو 60% من النزلاء رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة، مشيرة إلى أن البعثة لا تزال تتلقى تقارير موثوقة عن الاحتجاز التعسفي أو غير القانوني والتعذيب والاختفاء القسري وعمليات القتل خارج نطاق القانون والحرمان من الزيارات العائلية وزيارات المحامين والحرمان من الوصول إلى العدالة.

ورحبت وليامز في كلمتها بالتقارير التي تفيد بإطلاق سجناء في سياق الإجراءات التي أعلنت لمجابهة فيروس «كورونا المستجد» «رغم عدم تأكيد ذلك حتى الآن»، آملة «أن تكون هذه التقارير مؤكدة». وأكدت أنها دعت «السلطات مرارا إلى الإفراج عن مزيد من السجناء، لا سيما النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص الذين يعانون ظروفا صحية وكبار السن والمهاجرين واللاجئين. ونبهت إلى استمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في ليبيا «وسط إفلات كامل وتام من العقاب، وقد تفاقم أثر تلك الانتهاكات على السكان الآن إثر تفشي جائحة (كوفيد-19)».

وتطرقت وليامز في كلمتها إلى أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء، لافتة إلى أنهم يتعرضون بشكل مستمر للاحتجاز التعسفي والتعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي، والخطف مقابل فدية والابتزاز والسخرة والقتل غير المشروع. وأشارت إلى «مجزرة مزدة»، قائلا: «في 27 مايو، قُتل ما لا يقل عن 30 مهاجرا وأصيب 11 آخرون بجروح في مزدة على يد مجموعة مسلحة ذات صلة بالمتاجرين بالبشر والقوات المسلحة العربية الليبية».

وأضافت أنه منذ يناير الماضي، جرى «اعتراض أكثر من أربعة آلاف شخص في البحر وإعادتهم إلى ليبيا، في أغلب الأحيان إلى ظروف احتجاز تعسفية، بينما اختفى آخرون تماما»، مكررة التنبيه على «أن ليبيا ليست ملجأ آمنا لإعادة المهاجرين وطالبي اللجوء». وتابعت أن البعثة الأممية تتلقى تقارير عن عدم تقديم المساعدة وصدّ قوارب المهاجرين في عرض البحر الأبيض المتوسط، الذي لا يزال أحد أكثر طرق الهجرة فتكا في العالم».

ردع المخالفين وإنصاف الضحايا
وقبل إعلان إصدار القرار، رحب السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند بدعوة حكومة الوفاق إلى تشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق لتوثيق الانتهاكات في ليبيا وتحديد الجناة من جميع أطراف النزاع، معتبرا أن هذه المهمة «ستساعد في ردع المخالفين في المستقبل مع توفير قدر من الإنصاف للضحايا».

وخلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية بحكومة الوفاق محمد طاهر سيالة، عبر السفير نورلاند عن «صدمته من هول الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها أطراف النزاع في ليبيا دون عقاب». كما أعرب عن قلقه العميق إزاء المقابر الجماعية التي تم اكتشافها في ترهونة واستخدام الألغام والمفخخات في الأحياء المدنية في جنوب طرابلس، والمذبحة الأخيرة التي اُرتكبت في حق 30 مهاجرا في مزدة، مضيفا أن «هذه الانتهاكات المبلغ عنها، فضلا عن سوء المعاملة المزعومة للمصريين في ترهونة، تصدم الضمير وتتطلب تحقيقا فوريا وشاملا»، حسبما ذكر بيان صادر عن «خارجية الوفاق».

الاختفاء القسري وإسكات الصحفيين
وفي كلمتها أمام جلسة مجلس حقوق الإنسان التي ناقشت الأوضاع في ليبيا وانتهت إلى اتخاذ قرار تشكيل لجنة تقصي الحقائق، قالت السفيرة الدولية للمملكة المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، ريتا فرينش، إن بلدها ترحب بالجهود إزاء قضايا المحاسبة في ليبيا، كما ترحب بـ«التزام حكومة الوفاق الوطني بالعمل مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومع مجلس حقوق الإنسان».
فرينش نبهت إلى شعور المملكة المتحدة بـ«قلق بالغ إزاء حالة التدهور المستمر لحقوق الإنسان في ليبيا، وإلى ما تشير له الأنباء أخيرا من أفعال مقلقة يقوم بها كلا الطرفين في النزاع، بما في ذلك الهجمات الانتقامية، واكتشاف مقابر جماعية، بالإضافة إلى استمرار الخسائر من المدنيين جراء الهجمات والمتفجرات من مخلفات الحرب».

ودانت السفيرة البريطانية جميع الانتهاكات لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الهجمات العشوائية، والقتل غير القانوني، والعنف الجنسي والإنساني، بالإضافة إلى إسكات الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مطالبة بتحقيق في قضية اختفاء النائبة البرلمانية سهام سرقيوة وغيرها من جميع حالات الاختفاء القسري والتخويف ذات الدوافع السياسية.

ضرورة علاج البيئة المشجعة على الإفلات من العقاب في ليبيا، كان محل اهتمام لدى السفيرة البريطانية، التي أكدت تأييد بلادها لمشروع قرار إنشاء بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق، مجددة الطلب بضرورة تطبيق وقف فوري لإطلاق النار من قبل جميع الأطراف، وكذلك بأهمية المشاركة بفعالية في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، «والتي تعتبر ضرورية لتحسين مستوى حقوق الإنسان».

خطوة إيجابية
أما سفير هولندا لدى ليبيا، لارس تومرز، فوصف القرار بأنه «خطوة إيجابية في معالجة وتحسين المساءلة القانونية واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني لجميع الليبيين»؛ بينما شددت منظمة العفو الدولية على حتمية محاسبة مرتكبي الانتهاكات. مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، هبة مرايف، أكدت ترحيب المنظمة بإنشاء بعثة تقصي الحقائق، واعتبرتها «خطوة مهمة، طال انتظارها، نحو وضع حد لتفشي الإفلات من العقاب، الذي أجج لسنوات ارتكاب الجرائم المروعة في ليبيا»، مشيرة إلى «الرسالة الواضحة» التي يبعث بها القرار إلى «جميع مرتكبي الجرائم بموجب القانون الدولي في ليبيا بأن الإفلات من العقاب لم يعد خيارا».

وعلى الرغم من الترحيب، نبهت منظمة العفو الدولية إلى أن بعثة تقصي الحقائق «كان يمكن أن تتمتع بتفويض أقوى، وتشكل في وقت أقرب، لأن هذه البعثة خطوة طال انتظارها، لوضع حد لتفشي الإفلات من العقاب، الذي أجج لسنوات ارتكاب الجرائم المروعة في ليبيا». ودعت مرايف جميع أطراف النزاع وحلفائهم إلى التعاون الكامل مع فريق التحقيق التابع لبعثة تقصي الحقائق، والمساعدة في تسهيل عملهم بهدف تقديم جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات إلى ساحة العدالة.

للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط» اضغط هنا 

أعمال انتقامية موثقة
ووثقت المنظمة أعمال عنف انتقامية، واستخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد «المحظورة»، مشيرة إلى أن «العديد من الدول، بما في ذلك تركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة، استمرت في انتهاك حظر توريد الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، من خلال تزويد حلفائها بالأسلحة والمقاتلين».

ومن بين الحوادث التي ذكرت بها المنظمة الدولية، اكتشاف ثماني مقابر جماعية في ترهونة والمناطق المحيطة بها، منبهة إلى أن القتال في ليبيا أسهم في إضعاف نظام الرعاية الصحية المثقل في البلاد، مع تفشي وباء «كورونا»، مضيفة: «لا تزال المجموعات الهشة تواجه التمييز المجحف في الحصول على الرعاية الصحية في ليبيا». كما تطرقت إلى وضع عشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين العالقين في ليبيا، حيث يحتجز العديد منهم بمراكز احتجاز في «ظروف مزرية، ويواجهون انتهاكات خطيرة بما في ذلك التعذيب والاغتصاب، فضلا عن الاكتظاظ، بينما تظل حياتهم عرضة للخطر بسبب النزاع».

عدد من جثث ضحايا مجزرة مزدة. (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط