معركة القلعة.. «حضرة» تحولت إلى درس قاسٍ للاحتلال الفرنسي

قلعة قاهرة سبها التاريخية (أرشيفية: الإنترنت)

وسط واقع ليبي يتزاحم بالانقسام والاقتتال وتناحر الأشقاء، تتراءى إلى الذاكرة الليبية صفحات مشرقة في تاريخ النضال الوطني ضد الاستعمار الإيطالي والفرنسي للبلاد، ومن بين سطور تلك الصفحات تنتعش الذاكرة الوطنية بلمحات تاريخية تعاكس اتجاه الريح في محاولة لاستنهاض العزيمة والإرادة الوطنية، وتذاكير الطامعين وأصحاب المآرب الضيقة بأن هناك من جاد بالنفس والنفيس من أجل استقلال هذا الوطن، دون مطمح شخصي أو منفعة ذاتية.

من بين تلك الملاحم الوطنية، تأتي معركة قاهرة سبها الثانية ضد فرنسا التي تحل ذكراها الحادية والسبعون هذا الشهر، والتي تصدت فيها فئة مخلصة من أبناء هذا الوطن بأسلحتهم البسيطة لجنود الاحتلال الفرنسي في مدينة سبها، وسطروا في 14 يونيو العام 1949 ملحمة وطنية سجلها التاريخ في كفاح شعب ونضال أمة.

للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط» اصغط هنا 

في وادي الآجال بإقليم فزان، حيث شظف العيش، وقلة الزاد، وبساطة العيش، تفاجأ الإقليم باجتياح فرنسي في العام 1943، ليبدأ التسلط الاستبدادي، أو ما عرف بسياسات الإغلاق والترهيب، وقد ضاق الناس ذرعا بتلك الممارسات. وكان من بين الداعين لرفض تلك الممارسات الشيخ عبدالقادر بن مسعود الفجيجي، وهو من مواليد قرية الفجيج بوادي الآجال، وكان حافظا للقرآن ومعلما بالكتاتيب.

الدعوة للانتفاض ضد المستعمر الفرنسي
ووفق رواية الباحث والمؤرخ د. امحمد مسعود البكاي، كان الشيخ بن مسعود من بين الداعين لرفض الممارسات الاستعمارية الفرنسية، وأثناء التدريس في منطقة «أبو قدقود» بوادي الشاطئ، بدأ الدعوة إلى الانتفاض ضد المستعمر الفرنسي، وانضم إلى الجمعية الوطنية السرية بفزان.

طرح بن مسعود فكره الثوري على أهل القرية، ودعاهم إلى ضرورة تنفيذ عمل فدائي عسكري، لينضم إليه بعض الأتباع، ثم عاد إلى قريته بوادي الآجال، واغتنم فرصة وجوده بالتجنيد للمهمة من خلال إلقاء الدروس الدينية التي تحض على مقارعة المستعمر.

ولقيت دعوة القائد الجنوبي ترحيبا بين تلاميذه وأهل الواحات، واختار للمهمة 50 رجلاً معظمهم من قريتي الفجيج وتكركيبه، وكانت الوجهة والهدف مهاجمة المركز الإداري للإقليم والحامية الفرنسية في «قلعة قاهرة سبها».

وينقل مسعود البكاي عن والده الناجي الوحيد من المعركة، ويقول: «أتذكر حينها عندما طلب الشيخ من والدي الإذن باصطحابي معه، وابن عمي البكاي عثمان، أجابه والدي: يا شيخ إنت بهذا أخذت شبابي، البكاي ومسعود، ظهري وسندي». لكن الشيخ مسعود رد: «بعون الله سيعودون إليك، وإن أتى القدر بغير ذلك تلتقي بهم في الجنة».

بدأ الشيخ بن مسعود وأتباعه يشقون طريقهم نحو مدينة سبها، ويقول الناجي الوحيد من المعركة: «كلما مررنا بقرية من قرى الوادي استقبلنا أهلها بالتهليل والتبجيل،»، وأضاف: «عند وصولنا إلى سبها توجهنا إلى زاوية الشيخ عثمان الحضيري بمنطقة الجديد، طلب منا الشيخ حلف اليمين على الوفاء للمهمة دون خشية من موت أو التقهقر والخيانة، وأذن بإعفاء كل من يخالجه شيء من الخوف».

كانت خطة المعركة تقضي بالتسلل إلى قلعة سبها تحت ستار زيارة ضريح الشيخ سيدي عبدالله وإقامة احتفالية الذكر حول قبره الكائن جوار القلعة. ووافقت السلطات الفرنسية على منح الإذن عن طريق الشيخ عبدالرحمن البركولي، الذي كان حلقة الوصل مع السلطات السياسية الفرنسية في سبها.

يوم المعركة
وفي فجر يوم المعركة، وتحديدا بعد صلاة الفجر الخميس 14 من يونيو العام 1949، أم الشيخ بن مسعود أتباعه، وطلب منهم أن يتعانقوا عناق الوداع، ليتوجهوا نحو بوابة القلعة الرئيسية. وكان تسليح مجموعة الخمسين مجاهدا لا تتعدى ثلاث بنادق إيطالية قديمة، وعددا من السيوف والسكاكين والعصي، ويقول الشيخ الباكاي الناجي الوحيد من المعركة: «تمكنا باستثمار عنصر المباغتة من اقتحام البوابة بعدما قتلنا الحراس الفرنسيين الثلاثة، وولجنا ردهات القلعة مهللين مكبرين، كان معظم الجنود الفرنسيين يغطون في نومهم».

ويضيف: «صعدنا أعلى القلعة، وأنزلنا العلم الفرنسي، ووضعنا بدلا منه راية بيضاء كُتب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ونحن نردد بصوت عال (نبو نهار على الكفار، نحن في الجنة وهم في النار)»، ويستطرد: «دب الفزع والخوف والهلع في نفوس الفرنسيين، فر بعضهم من عبر نوافذ القلعة، والآخرون قفزوا من أعلى الجدران».

وتطور سير المعركة مع إتمام السيطرة، إذ التحق بالمجاهدين مجموعة من عساكر «الشعانبة» المجندين لدى القوات الفرنسية، مع بعض الليبيين المجندين أيضا، الذين كانوا يكبرون ويهللون معبرين عن ابتهاجهم بالنصر»، ويقول البطل الأخير الباقي من المعركة: «سررنا بانضمامهم إلينا، لكنهم ما إن تمركزوا في أماكنهم، فوجئنا برصاص غدرهم يلتهمنا».

وتحت وابل رصاصات الاستعمار الغادرة، استشهد الشيخ عبدالقادر وجميع المجاهدين. لكن البكاي أصيب بجرح، وعلى مقربة استشهد ابن عمه البكاي أمام عينه، ويضيف: «شاهدت الفرجاني الحطماني يتدحرج ليجثم على جسدي ويغمرني بالدماء».

للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط» اصغط هنا 

قتل الرفاق الخمسون بغدر الفرنسيين، وما إن تبين لأحدهم أن البكاي على قيد الحياة صوب بندقيته نحوه، وكاد أن يجهز عليه، لكن الضابط كوناي طلب منه التوقف، وأمر بأخذه أسيرا. فيما عمد الفرنسيون إلى التمثيل بجثث الشهداء، إذ ربطوهم بالحبال من أرجلهم، وجروهم على الأرض، ثم جمعوهم في حفرة، وسكبوا عليهم البنزين، وأشعلوا النار.

استغرقت مدة علاج الناجي الوحيد من هذه المعركة أربعة أشهر داخل سجن القلعة، وبقي رهين جدرانه لمدة سنتين مع الأعمال الشاقة، وأخيرا تدخل الشيخ الحاج الفقى انقدازن أحد أعيان المنطقة ومحافظ أوباري لاحقا، طالبا الإفراج عنه بكفالته.. وذلك ما حدث.

المزيد من بوابة الوسط