جريدة الوسط: اجتماع زوارة يثير تكهنات حول مصير سرت والجفرة

من اليمين, تاونسند ونورلاند والسراج وباشاغا، خلال اجتماع الجانبين الليبي والأميركي في زوارة. 22 يونيو 2020. (السفارة الأميركية)

تعطل التقدم السريع لقوات حكومة الوفاق نحو مدينة سرت، فتح باب التكهنات بشأن مساومات بين أنقرة وموسكو من جهة، وبروز انخراط أميركي جديد من جهة أخرى، يرتبط بتنسيق دولي في الكواليس، فحواه وضع المدينة الاستراتيجية ومعها الجفرة قي مجرى الحرب، التي انحسرت في طرابلس، وانتقلت بضجيجها إلى مشارف المنطقة الوسطى من الخارطة الليبية.

في هذه الأجواء يظهر مصطلح «الخطوط الحمراء» مرفوقا بتلويح بالتدخل المباشر لصد التقدم التركي نحو وسط وشرق البلاد، وهو ما يعكسه خطاب الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، أثناء تفقده وحدات الجيش المصري في المنطقة العسكرية الغربية السبت الماضي، ما أثار ردود فعل على المستويين الإقليمي والدولي، بين متفهم للخطاب، ومتخوف مما سيليه، مع تساؤل كثيرين عما إذا كان الرئيس السيسي، يعني التدخل العسكري الصريح، أم ما قاله يدخل ضمن ضغط أساسه سياسي يصب في إعلان القاهرة بشأن حل الأزمة الليبية.

التدخل التركي الذي استفز مصر وأثار مخاوف تتعلق بأمنها القومي، لم تكن الولايات المتحدة معادية له بل تراه كقوة تابعة لحلف الأطلسي، قادرة على كبح النفوذ الروسي، الذي استفز بدوره واشنطن، في وقت بدت روما، في عجلة من أمرها لإعادة ربط خطوط الاتصال بطرابلس عبر تقارب مع أنقرة ولتحسين صورتها أرسلت فريقاً لإزالة الألغام. وتنبئ التطورات بأنه إذا ما كللت بوقف إطلاق النار، فسيكون ذلك بتنسيق بين تركيا وروسيا إلى جانب مصر، لكن فرنسا ستظل خارج اللعبة في اتفاق آخر ربما يجري تحت الطاولة حول مناطق استغلال المواد الطاقوية، وهو ما جعلها ترفع من وتيرة التصعيد ضد أنقرة، إلى حد الشكوى إلى الحلف الأطلسي الذي يضمهما في عضويته.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط»

هناك حديث أيضا يجري حول تفاهمات بإيعاز أميركي وتفاوض بشكل يقوض الوجود العسكري الروسي الدائم في الجنوب الأوروبي، كشفت خلاله مصادر دبلوماسية مقترحات لخلق مناطق منزوعة السلاح ومن القوات المسلحة في منطقتي سرت والجفرة، التي تسعى عبر الأمم المتحدة لجعلها عملية خلال استئناف محادثات اللجنة العسكرية «5+5».

إلى ذلك جاءت زيارة قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، الجنرال ستيفن تاونسند، واجتماعه برئيس حكومة الوفاق فائز السراج في مدينة زوارة ليثير توقيتها التساؤلات حول شكل التطورات التي سيؤول إليها الوضع الميداني في البلاد، وتحديدا عند جبهتي سرت والجفرة، حيث الكلام الكثير عن وجود روسي في المنطقتين. بمعني هل ستنتج الزيارة ما يمكن تسميته دعما لحكومة الوفاق في جبهة سرت؟!

وشدد بيان للسفارة الأميركية في ليبيا، دون أن يشير إلى تحديد مصير سرت والجفرة، على ضرورة وقف العمليات العسكرية، والعودة إلى المفاوضات، وضرورة الاستثمار في «الفرص الحالية لتوقف استراتيجي للعمليات العسكرية من قبل جميع أطراف الصراع».

وقال بيان السفارة، الذي لخص لقاء السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند وقائد القيادة الأميركية الأفريقية برئيس حكومة «الوفاق» يوم الإثنين، إن نورلاند «عرض الدعم الأميركي للدبلوماسية الجارية من خلال رعاية الأمم المتحدة، لتعزيز وقف إطلاق النار والحوار السياسي»، فيما قدم الجنرال تاونسند وجهة نظره العسكرية بشأن خطر التصعيد، و«الأخطار التي يشكلها دعم روسيا لعمليات فاغنر والأهمية الاستراتيجية لضمان حرية الملاحة في البحر الأبيض المتوسط».

ونقل البيان عن السفير الأميركي قوله: «ينبغي أن تتوقف الجهات الخارجية عن تغذية الصراع واحترام حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ودعم الالتزامات التي تم التعهد بها في قمة برلين».

اجتماع زوارة أعطى متابعي الشأن الليبي إشارة تساؤل عن حضور آمر غرفة عمليات سرت الجفرة، إبراهيم بيت المال، وهل يعني رغبة الجانب الأميركي في تكوين فكرة أوضح عن قدرات قوات حكومة الوفاق، وما إذا كان بإمكانهم تنفيذ عمليات سريعة من أجل الوصول إلى المناطق المحددة للوقف الاستراتيجي للعمليات العسكرية أم لا، بصرف النظر عن التلويح بالتدخل المصري والوجود الروسي. وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق، صلاح النمروش الذي حضر لقاء «أفريكوم»، كشف أيضا اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات بمساعدة ليبيا قبل أن يتضح التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد. وقال صلاح النمروش في مقابلة يوم الثلاثاء، حسب وكالة «الأناضول» التركية، إن «أفريكوم» وحلف شمال الأطلسي «الناتو» ساعدا في تأكيد وجود مقاتلات روسية في قاعدة الجفرة، مؤكدا أن جيش قوات الوفاق يمضي قدما في الاستعدادات الحربية لدخول المدينة.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 240 من جريدة «الوسط»

بدوره قال وزير داخلية الوفاق، فتحي باشاغا، «إن الهزيمة العسكرية لقوات المشير خليفة حفتر زادت من توافق الآراء مع الولايات المتحدة بأن الحل السياسي هو الخيار الوحيد للأزمة الليبية.. المجتمعون توافقوا على تعزيز العمل المشترك بين الحكومة الليبية والولايات المتحدة».

تفاصيل أخرى كشفتها جريدة تركية عن طلب الرئيس رجب طيب إردوغان من نظيره الأميركي دونالد ترامب، تدخلاً أكبر في الملف لمواجهة النفوذ الروسي، حيث أشارت جريدة «حرييت» إلى دور أنقرة في التقريب بين الولايات المتحدة وحكومة الوفاق، في إشارة إلى الاجتماع الذي عقد بين فائز السراج وقائد «أفريكوم»، موضحة أن الولايات المتحدة ستواصل رصد التطورات في ليبيا على المدى الطويل.

ويستعد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، لإجراء زيارة إلى طرابلس خلال الأيام المقبلة، بعدما تحولت الأنظار لغيابه عن الوفد رفيع المستوى الذي التقى المجلس الرئاسي، الأسبوع الماضي، بسبب مشاركته باجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي.

وفي تلك الأثناء أكدت تركيا والولايات المتحدة، يوم الثلاثاء، ضرورة التوصل لحل سياسي للأزمة الليبية ووقف عمليات الجيش الوطني الليبي ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، حسب الرئاسة التركية.

وفي كل الأحوال تتجه الأنظار نحو مدينة سرت وقاعدة الجفرة، وهناك سيتحدد إن سلما أم حربا صار شكل الصراع ومآلات الأزمة، أمام تحشيد عسكري، وآخر دبلوماسي، فيما يواصل الجميع الحديث عن ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، استنادا إلى مخرجات مؤتمر برلين، ومسار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة.