جريدة الوسط: صراع الأدوار يعمق الخلاف بين الدول المؤثرة في المشهد الليبي

فرقاطتان تركيتان، (أرشيفية: الإنترنت)

تؤشر سيطرة قوات حكومة الوفاق، المدعومة من تركيا، على محاور غرب ليبيا واقترابها من منطقة الهلال النفطي، والمخاوف من إحكام قبضتها على حوض خليج سرت ثم الجفرة، إلى بروز ملامح أكثر وضوحا للدور الفرنسي في ليبيا في مقبل الأيام، بعدما شعرت باريس بتهميشها أمام أنقرة وموسكو، وهلعها من فقدان مناطق جيواستراتيجية، بالموازاة مع قرب إطلاقها مهمة «تاسك تاكوبا» بدول الساحل الأفريقي، وعراقيل المهمة الأوروبية «إيريني».

وعلى ضوء انتكاسة نفوذها في ليبيا، وجدت فرنسا نفسها أمام تعقيدات من كل جانب، بعدما ظلت ملتزمة الصمت منذ بدء معارك حرب العاصمة طرابلس، إلا من بيانات وتصريحات تقليدية تدعو إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار، فضلت تقديم دعم غير معلن للمشير خليفة حفتر، ومن وراء ذلك هدفان رئيسيان، هما السيطرة على الإرهاب في ليبيا ومنطقة الساحل، حيث توجد القوات الفرنسية، في هدف يختلف عن المسعى الإيطالي، الرامي إلى احتواء موجات الهجرة المتدفقة من السواحل الليبية.
ومباشرة، عقب توقيع تركيا مع حكومة الوفاق اتفاقيتي ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية وإعلانها بدء التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة، خرج الرئيس إيمانويل ماكرون، محذراً من خطورة التدخل التركي وارتباطه بمنطقة الساحل الأفريقي.

وتحرص باريس على عدم خسارة موقعها في ليبيا، مع تعزيز مصالحها في الساحل، وهو ما أشار إليه الدبلوماسي الفرنسي السابق لدى ليبيا خلال الفترة بين 2001 و2004 باتريك هايمزاده، في مقابلة مع جريدة «أورينت إكس أي» الفرنسية، الثلاثاء، إذ أوضح أن فرنسا التي تشارك عسكرياً في منطقة الساحل «رحبت باستيلاء (شخص) عسكري على جنوب ليبيا»، زاعماً أن كثيراً من المشاركين في عملية الاستيلاء على الجنوب الليبي في مارس 2019 «ليسوا فقط من وزارة الدفاع (الليبية)، بل أيضاً من حاشية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون».

للاإطلاع على العدد 239 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورأى الدبلوماسي الفرنسي أن باريس في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي «تحمست سريعاً لاختيار الحرب وسقوط النظام في 2011، ثم لم ترفض فقط إدانة الهجوم الذي نفذه الجنرال خليفة حفتر في 4 أبريل 2019، بل رفضت أيضاً إسناد مسؤولية الحرب له». وأضاف أن جان إيف لودريان الذي ترك منصبه كوزير للدفاع قبل عامين «لعب على ورقة عودة نظام قوي في ليبيا»، في إظهار دعم باريس لاستيلاء حفتر على جنوب ليبيا.

وشدد هايمزاده على أن موقف باريس من حفتر يأتي «تعزيزاً لمصالحها ومصالح مجمعها العسكري والصناعي، علاوة على أهداف الحرب لجيشها المنخرط بشكل كبير في منطقة الساحل». وتابع يقول: «دعونا نتذكر أن الرئيس ماكرون هو أول رئيس أوروبي يستقبل حفتر؛ ما ساعد على إضفاء الشرعية السياسية على الشخص الذي يقدم نفسه رسمياً كقائد للجيش الوطني الليبي فقط».

ويؤكد الدبلوماسي الفرنسي أن التقدم الذي حققته حكومة الوفاق بدعم تركي شكل انتكاسة للفرنسيين وليس للمشير خليفة حفتر وحده، ما مكنها من تحرير كامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية الجوية، وبلدتين بالجبل الغربي، وجميع معسكرات طرابلس ومطارها القديم، ومعظم محاور القتال جنوب العاصمة طرابلس.

ولا يختلف الرهان الفرنسي على جنوب ليبيا عن شمالها، حيث استفزها الدور التركي الملحوظ قبالة سواحلها، إذ أثارت الموضوع في أكثر مناسبة هذا الأسبوع، رغم عدم إدراج اجتماع لحلف الأطلسي يومي 17 و18 يونيو الانتهاكات المتكررة لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا في جدول أعماله، تؤكد مصادر دبلوماسية فرنسية أن باريس تنوي الاستفادة من الاجتماع للضغط على تركيا، في حين هددت فرقاطاتها بإطلاق النار على فرقاطة فرنسية منتشرة كجزء من بعثة «إيريني» الأوروبية، وقال أحد أعضاء الوفد المرافق لوزيرة الدفاع الفرنسية: «هناك قلق متزايد بشأن انتهاكات الأتراك الحظر من قبل الأمم المتحدة، وسيتم الإبلاغ عنها على النحو الواجب». 

للاطلاع على العدد 239 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويطلب الأوروبيون مساعدة الحلف من أجل رفع كفاءة عملية «إيريني» البحرية الهادفة إلى وقف تدفق السلاح وتهريب النفط من وإلى ليبيا، بيد أن الأمر يستوجب السماح لعملية «سي غارديان» التابعة لحلف الشمال الأطلسي «ناتو» والجارية في شرق المتوسط لمساعدة «إيريني» موافقة جميع الدول الأعضاء في الحلف «30 دولة»، ومن بينها تركيا التي يمكن أن ترفع حق النقض. وكانت تركيا قبل أيام رفضت أن تقوم سفينة يونانية، تعمل ضمن المهمة البحرية للاتحاد الأوروبي، بتفتيش سفينة شحن يشتبه في انتهاكها حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، وكانت ترافق سفينة الشحن سفن عسكرية تركية.

وأثار الرئيس إيمانويل ماكرون الموضوع مع ما اعتبره الإليزيه بأن «الأتراك يتصرفون بطريقة غير مقبولة عبر استغلال حلف شمال الأطلسي»، مع نظيره الأميركي دونالد ترامب.

وفي وقت أعرب «ناتو» و«بنتاغون» عن قلقهما بشأن نشاط روسيا العسكري في ليبيا، أفادت وكالة الأنباء الألمانية بأن تركيا وضعت شروطاً أمام حلف شمال الأطلسي، في مقابل الموافقة على مشروع جديد للحلف في أوروبا الشرقية، لردع التوسعات الروسية المحتملة هناك، حيث اشترطت إدراج دول الحلف المنظمات الكردية في شمال سورية ضمن المنظمات الإرهابية.

وبالنسبة إلى فرنسا فإنها قد تضطر إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحاً للتحاور مع تركيا، أو اتباع خيار التصعيد، خصوصاً أنها عبرت مراراً عما وصفته بـ«الموت السريري لحلف شمال الأطلسي بعد تدخل أنقرة ضد الأكراد في سورية»، لكنها لا تخفي انزعاجها من سياسة لي الذراع، من خلال محاولات تركيا الضغط على أوروبا بورقة المهاجرين.

المزيد من بوابة الوسط