ماذا وراء غياب المبادرة المغاربية عن المشهد الليبي؟

الرئيسان التونسي قيس سعيد والجزائري عبدالمجيد تبون، (أرشيفية: الإنترنت)

تشبثت البلدان المغاربية بمواقف فردية بشأن الحل في ليبيا القائم على «الشراكة في أي مشروع سياسي»، وهي تبدي فتوراً من خارطة طريق «إعلان القاهرة» لوقف إطلاق النار، وبينما انهمكت عديد ردود الفعل في تأييدها، بدت السيطرة على سرت وقاعدة الجفرة كخيار استراتيجي لطرفي الحرب وخط أحمر للقوى الأجنبية أمام وضع حكومة الوفاق الوطني شرط استعادة المدينة قبل إجراء أي حوار.

ويوحي الاهتمام اللافت بالتطورات المتلاحقة في ليبيا لدى دول الجوار خصوصاً في الجزائر وتونس والمغرب بأن المبادرة المصرية كانت بمثابة المحفز لحراك دبلوماسي استدعى القاهرة طمأنة شركائها بأنها لا تتعارض مع المساعي الإقليمية، وإنما تأتي استكمالاً لمسار برلين، إذ جرت اتصالات بين وزراء خارجية مصر سامح شكري وتونس نور الدين الري، والجزائر صبري بوقادوم، والمغرب ناصر بوريطة.

الجزائر تفضل التنسيق مع اللاعبين الإقليمين والدوليين
وفي أعقاب وصف وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا بأن إعلان القاهرة جاء «متأخراً» وهي تطلع الجزائر وتونس والمغرب بحالة التقدم الذي أحرز على أرض الواقع، لم يثر هذا الرد حماس الجزائر بعدما أكدت أنها أحيطت علماً بالمبادرة وذكرت بمبدأ الوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف الليبية المتنازعة.

لكن الجزائر أبدت تفضيلاً لتنسيق جهود مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين لإيجاد تسوية سياسية مشتركة ودائمة للأزمة، ولمبادرتها التي قالت إنها لا تزال قائمة لأنه «مرغوب فيها ليبيا وهي مطلوبة من الليبيين أنفسهم»، مجددة استعدادها احتضان حوار ليبي – ليبي.

وعلى ضوء التطورات تواصل رئيسها عبدالمجيد تبون مع سفيري أميركا وألمانيا هذا الأسبوع الذي يقترح حلاً في ليبيا مبنياً على تجربة الجزائر في معالجة أزمتها الداخلية في السابق، عبر تشكيل مجلس وطني موقت يتولى تشكيل حكومة موقتة ومن ثمة الدخول في مرحلة بناء شرعية المؤسسات وتنظيم انتخابات نيابية.

لكن تبدو الحكومة الجزائرية ارتباكاً في التعاطي مع الوضع الليبي مع تأخر طرح مبادرتها بشكل عملي خصوصاً أنه سبق أن اتهمت أطرافاً دولية وإقليمية، من دون تسميتها بإعاقة الحل ومبادرة عقد مؤتمر حوار ليبي – ليبي كانت الجزائر تسعى لاحتضانه شهر فبراير الماضي.

وفي هذا السياق يقول مصدر جزائري موثوق إن لدى بلاده «كل الضمانات لاستضافة المحادثات الليبية ويمكن فهم رد فعلها على المبادرة المصرية على أنه عرض لاستضافة جلسات حوار، فهي تحتفظ بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف وتريد ليبيا موحدة وغير منقسمة، وتريد أن تتجنب بأي ثمن أن تحول البلاد لساحة مواجهة بين القوى العظمى». ويزعج عدم استقرار ليبيا الجزائر لتأثيرها المباشر بسبب الحدود المشتركة الطويلة ومخاطر الأمن القومي ومخاوف تسرب الأسلحة والمسلحين.

خلافات داخل تونس بسبب الأزمة الليبية
أما في تونس فلا يكاد يخلو مصطلح رفض أي تقسيم للدولة الليبية في الآونة الأخيرة من المواقف الرسمية ما يعكس المخاوف من إمكانية طرح هذا الخيار، فرغم تماهي موقفها مع الجزائر والمغرب، إلا أن مساعيها السابقة واجتماعاتها المتكررة طيلة السنوات الأخيرة وفق المبادرة التونسية التي أطلقها الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي بمعية مصر والجزائر لم تكلل بالنجاح. ومع ذلك جددت تمسكها بالشرعية الدولية والمؤسسات الليبية كما حددتها قرارات الشرعية الدولية والاتفاق السياسي، وأبلغته للقاهرة والجزائر والرباط وطرابلس.

وما يبطئ من تشكيل جبهة داخلية موحدة تجاه الملف الليبي سياسة المحاور في تونس التي جلبت انتقادات حادة لرئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي لتجاوز صلاحياته بالتحادث مع رئيس المجلس الرئاسي وللائحة برلمانية لم تحظَ بالتأييد اللازم لذكرها بلداناً دون غيرها متورطة في الأزمة، ليخرج رئيس حركة النهضة التونسية للدفاع عن موقفه والتأكيد على أن تونس لا يجب أن تكون محايدة إزاء مصالحها الكبرى. ولام وزير الخارجية التونسي السابق خميس الجهيناوي التحرك الرسمي لحل الصراع الليبي، واصفاً الموقف بالغامض.

وقال الجهيناوي في تصريحات إذاعية الثلاثاء إن «رئيس الجمهورية قيس سعيد تحدث مع فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني التي تتمتع بشرعية مشروطة من الأمم المتحدة، ثم التقى خالد المشري رئيس المجلس الأعلى.. ولم يتواصل مع بقية الأطراف الليبية». وشدد بالقول: «ليبيا ليست السراج وخالد المشري، ليبيا دولة أكبر من هذا. تونس موقفها أنها مع كل الليبيين».

اقرأ أيضا: تونس والمغرب والجزائر في نشاط دبلوماسي مكثف لاستعادة زمام المبادرة في ليبيا

وتابع: «من يعتقد بوجود حل عسكري وطرف سيسيطر في ليبيا لا يفهم نوعية العلاقات الدولية». وذكر الجهيناوي أن خلال فترة توليه حقيبة الخارجية في تونس كان رئيس مجلس نواب الشعب يتصل برئيس البلاد قبل كل زيارة يقوم بها إلى الخارج وبعدها.

وقال: «لو كنت وزيراً للخارجية لقلت لرئيس الجمهورية أن يوقف ذلك ويضع حداً لهذا». وفي الأثناء، ومع إعلان القاهرة عاد الحديث عن اتفاق الصخيرات الذي كان قد وضع في 17 ديسمبر 2015 وتعود معه المغرب ليتشبث به مقدماً على امتداد الأشهر الأخيرة دوره للعب دور الوساطة بين الأطراف المتصارعة، والتقريب بين وجهات نظرها، وهو ما تجلى في مباشرة وزير الخارجية ناصر بوريطة، في فبراير ومارس الماضيين، مباحثات رسمية وأخرى عبر الهاتف، مع طرفي النزاع الرئيسيين في ليبيا في مسعى تكلل به جهودها بـ«اتفاق الصخيرات 2».

تمسك مغربي بالاتفاق السياسي
وأكدت المغرب أن الاتفاق السياسي الموقع بمدينة الصخيرات المغربية هو المرجعية الأساسية لأي حل سياسي في ليبيا بالتزامن مع إطلاق مصر مبادرتها السياسية. وأعلنت وزارة الخارجية بحكومة الوفاق الوطني، أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أجرى اتصالاً هاتفياً بنظيره بحكومة الوفاق الوطني محمد الطاهر سيالة. وخلال الاتصال أكد الوزير المغربي أن الاتفاق السياسي الموقع بمدينة الصخيرات المغربية هو المرجعية الأساسية لأي حل سياسي في ليبيا، كما أكد الجانبان ضرورة التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين.

وعلى الصعيد الأفريقي، أدار رئيس مفوضية الاتحاد موسى فكي محمد بظهره للمساعي الأخيرة لتسوية النزاع مكتفياً في بيان له الثلاثاء بالقول إن الاتحاد الأفريقي مستعد للمساعدة في تنفيذ وقف إطلاق نار متفق عليه وفعال والمساهمة في خلق الظروف اللازمة لاستئناف الحوار بين كافة الأطراف الليبية لحل دائم، متأسفاً لاختيار الحل العسكري الذي لم يؤدِ إلا إلى مزيد الدمار والمعاناة للشعب الليبي، داعياً أطراف النزاع إلى ضمان الامتثال الصارم للقانون الإنساني الدولي. وبعد هذه المباحثات الماراثونية التي جاءت بعد التغيرات الجوهرية على الميدان في ليبيا وعقب اعلان القاهرة لا ينفك مراقبون يتساؤلون حول عجز البلدان المغاربية تقديم مبادرة مشتركة لحل الأزمة الليبية، وبقاء مواقفها تراوح المكان نفسه أمام بروز ملامح التنسيق الروسي والتركي لوضع خارطة توزيع للنفوذ في ليبيا.

المزيد من بوابة الوسط