جريدة الوسط: ضغوط دولية على «الجوار» الليبي

مقاتلون تابعون لقوات حكومة الوفاق خلال اشتباكات جنوب العاصمة طرابلس، (أرشيفية: وكالات)

فتحت التطورات المتلاحقة في ليبيا الباب على مصراعيه لتكثيف الضغوط الغربية على دول الجوار لمنحها حق الوجود الميداني على أراضيها بعدما شعروا فجأة بالذعر من حصول اتفاقات بين موسكو وأنقرة لا تخدم مصالحهما، ففي وقت ترجم القلق الأميركي في مواجهة نفوذ روسيا من تونس اختارت فرنسا الدولة ذاتها لامتصاص التدخل التركي.

وعقدت أنباء وصول طائرات روسية إلى ليبيا حسابات تركيا بعد فترة وجيزة من استيلاء حلفائها بقوات حكومة الوفاق الوطني على قاعدة الوطية الجوية، أعقبه الرئيس رجب طيب إردوغان باجتماع أمني طارئ، ما أثار تساؤلات عن احتمال مواجهة أخرى بين تركيا وروسيا في ليبيا مماثلة للصراع في سورية تكون بوابة لاقتسام مناطق النفوذ ، وهي خطوات لم يهضمها الجيش الأميركي وحلف الأطلسي اللذان باتا يشعران بالقلق من وجود عسكري روسي أكبر على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

وأمام سعي الإدارة الأميركية إلى نشر «لواء دعم» في تونس تقول إنه لم يتقرر تكليف هذه القوات المزمع نشرها بأي دور قتالي بعد مناقشات أميركية-تونسية مع اتهام روسيا باستمرار تأجيج نيران الصراع الليبي، تنقل جريدة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية عن دبلوماسي أميركي القول إن المهمة الرئيسية لهذا اللواء ستكون حماية الطرق التي يتم عبرها توريد المؤن من الغرب لقوات حكومة الوفاق.

اضغط هنا للاطلاع على العدد رقم 237 من جريدة «الوسط»

أما روسيا التي يتهمها الجيش الأميركي بتسليم 14 طائرة مقاتلة من طراز «ميج–29» و«سوخوي– 24» إلى قاعدة الجفرة الجوية التابعة للجيش الوطني الليبي، فإن خبراء يعتقدون أن الغرض منها إعادة الانتشار إلى وسط وجنوب ليبيا الآن لتحقيق الاستقرار وتجميد الوضع العسكري.

ورغم نفي موسكو يصر نائب مدير المخابرات العسكرية في «أفريكوم» الجنرال جريجوري هادفيلد على توقع الأسوأ من نشر روسيا أنظمة صواريخ بعيدة المدى، قائلا: «سيكون هذا بمثابة تغيير في اللعبة بالنسبة لأوروبا وناتو والعديد من الدول الغربية». بينما ثمة مصدر قلق آخر، حسب هادفيلد، هو أنه قد تكون هناك صواريخ أرض-جو روسية حديثة التركيب في ليبيا. وأضاف أن «تدخل روسيا في ليبيا يمنحها الوصول إلى نفط البلاد وقاعدة عسكرية متمركزة بشكل استراتيجي على مسافة غير بعيدة عن أوروبا الغربية». ويشكك مراقبون في الهدف من التضخيم الأميركي لحجم الوجود الروسي في ليبيا المبالغ فيه مع الصمت حيال الدعم التركي خصوصا خلال الأشهر الأخيرة، حيث تلقت أنقرة دفعة من الدعم غير المباشر من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

وتدرك أنقرة منذ فترة طويلة أن روسيا هي القوة الرئيسية التي سيكون عليها التعامل معها في ليبيا على الرغم من تقارير تتحدث عن انسحاب مرتزقة «فاغنر» من الخطوط الأمامية في حرب العاصمة لكن الطائرات الروسية والتحركات الدبلوماسية تخلق معادلة جديدة تحتم عليها السعي إلى التعاون مع موسكو.

والموقف التركي الذي يمنع روسيا من التمدد في طرابلس قد يناسب بعض حلفاء تركيا في الغرب على غرار أميركا أما الشراكة التركية الروسية ستظهر كخيار مرفوض لمعسكر بحلف الأطلسي. وهذا ما يعكس تحذيرا من وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان من «سورنة» الصراع الليبي على الرغم من أن باريس يتماشى موقفها مع موسكو في دعم معسكر حفتر.

كما أن أعضاء بالاتحاد الأوروبي واليونان وقبرص وفرنسا ينظرون بعين الريبة إلى موقف تركيا في ليبيا، ويسبب لها انتكاسة في الحصول على موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث إن المكسب الرئيسي الذي تتوقعه أنقرة من تسوية سياسية في ليبيا هو الحفاظ على اتفاقية الترسيم البحري التي وقعتها مع حكومة الوفاق الوطني، مع أن الولايات المتحدة غير راضية عن الاتفاق كما أكد سفيرها لدى اليونان الأسبوع الماضي، ما يعني أن التقارب الأميركي التركي ظرفي وفرضه الهاجس الروسي.

وفي الوقت الراهن تبرز فرنسا قلقها أكثر من النفوذ التركي بعدما أحست بانفراط عقد الملف الليبي من يديها، واضعة في اعتبارها أن تطوّرات الحرب في ترهونة والجفرة سوف تحدد مستقبل خارطة التوقعات مستقبلا، فهي تنظر إلى الجنوب الليبي على أنه مفتاح أفريقيا ومنطقة الساحل، الأمر الذي دفعها لتكثيف تحركاتها الدبلوماسية خصوصا مع تونس والجزائر ومصر.

اضغط هنا للاطلاع على العدد رقم 237 من جريدة «الوسط»

وفي هذا السياق تسعى الحكومة الفرنسية لتكوين علاقات أقوى مع نظيرتها التونسية من أجل دعم المصالح المشتركة في ليبيا، لا سيما أن تركيا وبشكل أكبر الولايات المتحدة باتتا تحتكران منذ 2011 اتفاقيات التعاون والتدريب العسكري مع تونس، إذ زود البلدان تونس بالأسلحة والمعدات في تحركات عكست شكلا من تنامي نفوذ البلدين في تونس مقابل تراجع النفوذ الفرنسي.

وفي نهاية أبريل الماضي، كشف موقع «دوفونس. كوم» عن بيع شركة أسلسان التركية عددا كبيرا من أنظمة محمولة لتشويش التردد إلى تونس، كما يمكن تركيب هذه الأنظمة في مركبات نقل القوات للحماية من الهجمات في حين وقعت الدولة التركية مع تونس أول عقد تصدير للطائرة دون طيار من طراز «تي إيه أي أنكا» في يناير بعد زيارة إردوغان.

وناقش وزير الدفاع التونسي عماد الحزقي مع نظيرته الفرنسية فلورانس بارلي الوضع في ليبيا، حيث شدد الوزير التونسي على رفض بلاده كل أشكال التدخل الأجنبي، داعيا إلى ضرورة إيجاد حل ليبي - ليبي للصراع.

وبالمثل سعى وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الاقتراب من السلطات الجزائرية وإقناعها بضرورة تهدئة النزعة العسكرية التركية في ليبيا وكبح جماحها لكن دون جدوى، وفق ما نقلت جريدة «موند افريك» الفرنسية.

وفي إشارة إلى خشية السلطات الفرنسية من تكرار سيناريو سورية في ليبيا، رفض الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل الحرشاوي المقارنة، وقال: «من الخطأ مقارنة سورية بليبيا بالنسبة للروس، فإن سورية ذات أهمية حيوية ليس فقط بسبب الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط الذي توفره قاعدتهم العسكرية في طرطوس ولكن لأسباب أيديولوجية».

وأكد اتباع موسكو سياسة التضييق على أوروبا، ففي 2008 «أصدرت بيانا صريحا، إذا استطعنا سنشتري كل الغاز والنفط بمعنى اشتر لتكون قادرا على التحكم في ذلك الوقت»، وفي 2017 وقعت شركة روزنفت الروسية اتفاقيات مع الشركة الليبية للنفط حتى تكون موسكو قادرة على تقديم نفسها كبديل، إلى جانب الموردين من شمال أفريقيا والعمل على تدفق الطاقة إلى أوروبا. مضيفا أنها استراتيجية يجري تنفيذها ببطء، لكن الروس يتبنون هذا المشروع للسنوات الخمس عشرة أو العشرين القادمة.

ويفسر حرشاوي استبعاده وقوع مواجهة مباشرة بين تركيا وروسيا رغم ترجيحه حدوث انزلاق كون الطرفين يعتمدون في حربهم بالوكالة على مرتزقة وليس جيوشا نظامية، بيد أن الروس يسعون في نهاية المطاف إلى القيام في الشرق بما فعله الأتراك في الغرب الليبي التوقيع على اتفاقيات دفاع.

المزيد من بوابة الوسط