جريدة الوسط: «الوطية» تفتح باب الأسئلة حول مصير حرب العاصمة

عناصر تابعة لقوات حكومة الوفاق، (أرشيفية: الإنترنت)

سيناريوهات جديدة للأزمة الليبية تنسجها التطورات الميدانية الأخيرة في حرب العاصمة طرابلس، وتحديدا مع إعلان حكومة الوفاق سيطرة قواتها على قاعدة الوطية الجوية «140 كيلومترا جنوب غرب العاصمة»، التي تعرف كقاعدة إمداد رئيسية لقوات القيادة العامة في غرب البلاد، إذ ربما يفتح هذا التطور أمام قوات الوفاق الطريق إلى مزيد التقدمات الاستراتيجية، فيما يبقى من المحتمل أن تتلقى قوات القيادة العامة تعزيزات جديدة تعيد ترتيب أوراقها وتجنبها مزيدا من الخسائر، دون تجاهل المواجهة بين الروس والأتراك التي تختفي وراء التصعيد الأخير.

أما السيناريو الأقل تكلفة دمويا فهو الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق نار، تبدأ معه خطوة جديدة على طريق العملية السياسية، خصوصا، بعد بيان القيادة العامة الذي أشارت فيه إلى انسحابات تكتيكية، وعزمها إعادة تموضع قواتها في عدد من محاور جنوب العاصمة، ما يترافق أيضا مع إشارات وتحركات وتقديرات دولية سبقت هذا التطور العسكري المهم، وكان أبرزها تصريحات السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند بشأن المشير خليفة حفتر.

بدأت أحداث الأسبوع، بتصريح آمر غرفة العمليات المشتركة التابعة لقوات حكومة الوفاق، اللواء أسامة جويلي أكد فيه «السيطرة على قاعدة الوطية»، وهو ما جرى إعلانه على مستوى المجلس الرئاسي بشكل رسمي في توقيت لاحق، عبر بيان رئيس المجلس فائز السراج، بسيطرة القوات على قاعدة الوطية لتنضم إلى «المدن المحررة» في الساحل الغربي. وغداة السيطرة على القاعدة أعلنت قوات حكومة الوفاق دخول بلدتي بدر وتيجي، اللتين تقعان ضمن المنطقة المعروفة بباطن الجبل، جنوب قاعدة الوطية.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 235 - 236 من جريدة «الوسط»

وتمثل قاعدة الوطية العسكرية أهمية استراتيجية بالغة، إذ إن السيطرة عليها تمكن القوات الموجودة فيها من تنفيذ طلعات جوية منها على محاور الاشتباكات، حيث توفر غطاء جويا للقوات الموجودة على الأرض. والقاعدة ذات بنية عسكرية كبيرة تسمح باستيعاب وإيواء سبعة آلاف عسكري، كما بنيت على أساس تحصينات التضاريس الجغرافية، بالإضافة إلى التحصينات الإنشائية. وأنشأتها القوات الأميركية العام 1942، وهي إحدى أكبر قاعدتين شيدتهما الولايات المتحدة في غرب ليبيا، بالنظر إلى قاعدة «هويلس» معيتيقة حاليا، تبعد نحو 27 كيلومترا عن الحدود التونسية، و170 كيلومترا غرب طرابلس، وسميت بعد العام 1969 بقاعدة عقبة بن نافع، ولم تستخدم للطيران المدني منذ إنشائها.

وفي رد فعل على هذا التطور الميداني، جاء إعلان الناطق باسم قوات القيادة العامة اللواء أحمد المسماري أن «سحب القوات من قاعدة الوطية الجوية جاء بقرار من القائد العام للجيش خليفة حفتر، ومن ثم إعادة تمركز بعض المحاور في طرابلس إلى نقاط جديدة»، كاشفا أن الانسحاب «لم يبدأ الإثنين، ولكن منذ ثلاثة إلى أربعة أشهر، إذ تم سحب المعدات المهمة من القاعدة»، ومعتبرا أن العملية «كانت ناجحة وتمت تحت غطاء جوي، وشهدت نقل كل المعدات والمهام عسكرية»، فيما تحدثت وزارة الخارجية بالحكومة الموقتة عن «عدوان تركي» على قاعدة «الوطية» بحرا عن طريق بارجة تركية دخلت المياه الإقليمية الليبية، وطائراته المسيرة جوا، وقوات الوفاق برا.

ووجد هذا التغير الاستراتيجي صداه في أروقة الدبلوماسية الدولية، إذ عكست جلسة مجلس الأمن حول تطورات الأوضاع في ليبيا، الثلاثاء، تزايد قلق المجتمع الدولي من استمرار الاشتباكات دون آليات واضحة، كما أعاد التجديد على خلافات الدول الكبرى بشأن الملف الليبي، إذ إن مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة رئيسة البعثة الأممية، ستيفاني وليامز، رأت أن سيطرة القوات التابعة لحكومة الوفاق على قاعدة الوطية «قد تؤدي إلى تصعيد إضافي للحرب»، مجددة الدعوة إلى «وقف شامل لإطلاق النار في البلاد». وشددت وليامز على ضرورة «الضغط على الجهات الدولية والإقليمية التي تزيد من الأزمة الليبية»، فيما لم تأت إحاطتها على آليات واضحة لتنفيذ هذه الدعوات على الأرض.

في هذه الأثناء، تزامنت السيطرة على قاعدة الوطية مع الإعلان عن تحركين روسيين مهمين، كان الأول خلال محادثة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، اللذين أعربا عن قلقهما إزاء تصاعد الاشتباكات في ليبيا، منوهين بالحاجة إلى استئناف الهدنة الدائمة وإجراء الحوار بين الليبيين «على أساس قرارات مؤتمر برلين الدولي في 19 يناير 2020، التي وافق عليها قرار مجلس الأمن 2510». وفي توقيت متزامن كان الإعلان عن اتصال هاتفي آخر بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيطالي لويجي دي مايو. وفي هذا السياق أوضحت مصادر قصر (فارنيزينا) أن الوزير «دي مايو، أكد ضرورة العمل بشكل تآزري لوضع حد للصراع في ليبيا»، دون الكشف عن المزيد من التفاصيل حول هذين الاتصالين.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 235 - 236 من جريدة «الوسط»

لكن المراقبين أبدوا اهتماما بتقديرين بالغي الأهمية، قد يعطيان للحل السياسي سياقا منطقيا في هذا التوقيت من عمر الأزمة:

الأول: الدفعة المعنوية الكبيرة التي تلقتها حكومة الوفاق قبل أيام من السيطرة على الوطية، مع إعلان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، ينس ستولتنبرغ، استعداد الحلف دعم حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، وكذلك جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سلمي للصراع في ليبيا. وقال ستولتنبرغ في مقابلة مع جريدة «لا ريببوليكا» الإيطالية إن الحلف العسكري «مستعد لدعم الحكومة الليبية بقيادة فائز السراج»، مشيرا إلى أن «ناتو» لديه 30 شريكا، لهم مواقف مختلفة في العديد من القضايا.

الثاني: التصريحات الصحفية التي أدلى بها السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشار نورلاند إلى جريدة «القدس العربي» قبل يوم واحد من سيطرة قوات الوفاق على قاعدة الوطية، إذ قال نورلاند إن القائد العام للجيش المشير «خليفة حفتر لديه نفوذ»، لكنه عبر عن اعتقاده «أن حفتر ذكي بما يكفي لإدراك أن نفوذه ينحسر مع كل يوم تستمر فيه المواجهات»، في إشارة إلى حرب العاصمة طرابلس.

المتابعون للشأن الليبي مشغولون بأسئلة تطورات الأيام المقبلة، هل تستمر قوات الوفاق في تقدماتها، والأعين هذه المرة على «ترهونة» مدفوعة بمعنويات السيطرة على «الوطية»؟ وماذا سيكون رد الطرف الآخر بالمقابل؟ وما الحد الذي يراه «المزاج الدولي» كافيا للتصعيد الذي شهدته الحرب في ليبيا؟ وهل سنرى صدى المواجهة الخفية بين روسيا وتركيا على أرض ليبيا، ظاهرا في سورية الأيام المقبلة، وهل سيكون له ارتداده في ليبيا؟

المزيد من بوابة الوسط