جريدة «الوسط»: تسخين في الجبهات يواكب مزاد المبادرات

رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، (أرشيفية: الإنترنت)

عادت مبادرة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح للحل السياسي إلى بؤرة التداول مجددا في أوراق الأزمة الليبية المبعثرة، بعد الترحيب الضمني الذي أعلنه رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الثلاثاء الماضي، بهذه المبادرة ضمن ما سماها «جميع المبادرات السياسية الداعية إلى إيجاد حلول سلمية للأزمة الليبية بعيدًا عن الاقتتال وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح»، وهو أول رد فعل رسمي من جانب المجلس الرئاسي بعد نحو أسبوعين على إعلان عقيلة مبادرته، ويشرع بابا واسعا للتساؤلات حول سيناريوهات فتح النوافذ المسدودة أمام الحوار السياسي في البلاد، إذ بدا المشهد المحلي وكأنه في حالة مزاد للمبادرات، يواكبه تسخين على الجبهات.

جاء مزاد المبادرات السياسية بالموازاة مع تواصل التصعيد الميداني بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق على التخوم الجنوبية للعاصمة، واحتدام القتال على أبواب قاعدة الوطية الاستراتيجية، على الحدود الليبية التونسية.

من جانبه أتى السراج، على تفاصيل مبادرة عقيلة دون إشارة مباشرة وصريحة إليها، ودعا في تصريح صدر على نحو مفاجئ إلى «التوافق على خارطة طريق شاملة، ومسار سياسي يجمع كل الليبيين، سواء كان ذلك بتعديل الاتفاق السياسي وتشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين ورئيس حكومة منفصل»، كما فتح المجال أمام اختيار آخر وهو «التوافق على مسار دستوري وانتخابات عامة في أقرب الآجال»، لكن القراءة بين سطور البيان تكشف أن السراج حرص ألا يحدث أي تغيير عن روح اتفاق الصخيرات، بتركيزه على «تعديل الاتفاق السياسي واستئناف الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 233 من جريدة «الوسط»

وفي 23 أبريل الماضي، أعلن رئيس مجلس النواب، مبادرة سياسية من ثماني نقاط تشمل إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الحالية المنبثقة من الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات وإعادة اختيار أعضائها، وعلى الأقاليم التاريخية الثلاثة «برقة وطرابلس وفزان»، وإعادة كتابة الدستور مع استمرار مجلس النواب إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة، مشيرا في تصريحات إعلامية لاحقة إلى أن مبادرته تستند إلى خلفيات تاريخية، لافتا إلى أن فترة ما بعد استقلال ليبيا شهدت تشكيل لجنة الدستور بواقع عشرين ممثلا عن كل إقليم، كما أن مجلس الشيوخ في تلك الفترة كان مشكلا من عدد متساوٍ من الأقاليم الثلاثة.

وعقب إطلاق مبادرة النقاط الثماني، تمنى عقيلة أن تحظى بدعم محلي ومن جميع الدول والأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وأكد أنه «على استعداد مع الشخصيات الوطنية والنخب السياسية لتقديم المشورة المخلصة والصادقة للوصول إلى العناصر القادرة على تجاوز وحل مشاكل وقضايا هذا الوطن»، متمنيا من زملائه «نواب الشعب أن يكونوا أول الداعمين هذا المقترح». ودعا رئيس مجلس النواب «أن تباشر الأمم المتحدة بدعوة القيادات الاجتماعية والنخب السياسية الذين ترشحهم الأقاليم الثلاثة لاختيار وتسمية من يمثلهم في المجلس الرئاسي. وإبعاد الأطراف التي لا تريد الوصول إلى حل عادل للأزمة الليبية وكانت وراء ما تعرضت له ليبيا من مآس ومظالم وفساد».

وفي سياق ردود الفعل المحلية على مبادرة عقيلة وقتذاك، جاءت دعوة رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري إلى مجلس النواب إلى «الالتئام» من أجل استئناف عملية الحوار السياسي، حسب بيان المجلس عقب إعلان القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر إسقاط الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في العام 2015 وقبوله ما سماه «التفويض». فيما أعلن عدد من مشايخ وأعيان وحكماء قبائل العبيدات والمرابطين، وعدد من عمداء البلديات تأييدهم مجلس النواب باعتباره «الجسم الشرعي الوحيد في البلاد»، وكذلك تأييدهم «الجيش في حربه على الإرهاب».

وبالعودة إلى تصريحات السراج، الثلاثاء، يلحظ متابعون للشأن الليبي أنها أعادت التأكيد على ضرورة عودة دور بات في حكم الغائب للمجتمع الدولي، من خلال رعاية أي حوار قادم بين الأطراف السياسية، إذ حث «جميع الأطراف والقوى السياسية إلى تحمل مسؤولياتها لإنهاء الانقسام، وضرورة الإسراع في استئناف الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة»، في المقابل فإن رئيس مجلس النواب -وفي معرض نفيه وجود خلافات بين المجلس والجيش الوطني- أكد أن مبادرته «لا تستند إلى الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات برعاية أممية أو غيره»، موضحا أن الجديد في مبادرته السياسية هو أن أهالي الأقاليم هم من يختارون ممثليهم في هذه السلطة، وفق تصريحات أدلى بها لقناة «الحرة».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 233 من جريدة «الوسط»

يشار إلى أن مبادرة عقيلة لقيت قبولا دوليا قبل إعلان المشير حفتر إسقاط الاتفاق السياسي، ففي 27 أبريل، رحبت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ستيفاني وليامز، بالمبادرة ، معتبرة أنها «إشارة إيجابية». وأوضحت البعثة أن الحديث بين الطرفين، لإنهاء حالة الاقتتال والانقسام والعودة إلى الحوار السياسي في إطار مخرجات مؤتمر برلين». ويتوقع الخبراء أن يفتح بيان السراج ثغرة في جدار الأزمة الليبية المسدود، خصوصا وسط التصعيد العسكري الأخير لحرب العاصمة، وفي ظل ارتباطها بتفاعلات معقدة تتعلق بمعسكري الأزمة:

الأول: معسكر القيادة العامة، الذي لم تلق خطوته بإلغاء اتفاق الصخيرات قبولا دوليا، وبالتالي لم تشكل واقعا جديدا على الأرض، يمنحه شرعية دولية للإمساك بزمام السلطة وتوزيع عائدات النفط على نحو كامل، علاوة على عدم تحقيق تقدم ميداني يعزز موقفه السياسي.

أما الثاني: وهو معسكر حكومة الوفاق، الذي بات يعاني تصدعات واضحة بين أطرافه، ترجمتها تصريحات السراج بشأن «انفراد بعض شخوص مؤسسات الدولة بالقرارات المصيرية وتجاوز دورها واختصاصاتها، مما زاد من معاناة المواطنين»، في إشارة إلى الصراع الدائر بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي على تفاصيل الترتيبات النقدية للبلاد، علاوة على تدهور العلاقة بين وزارة الداخلية وديوان المحاسبة على خلفية اعتقال مسؤول بالديوان، من قبل الوزارة.

وفي ضوء هاتين النقطتين يبقى السؤال حول ما إذا كانت تصريحات السراج ستحمل جديدا يعيد ترتيب الأوراق على رقعة اللعبة، أم أنها تسجيل موقف في إطار أزمة تعددت مبادراتها وحواراتها وتزداد معها عوامل الانقسام وربما التقسيم؟

المزيد من بوابة الوسط