الجزائر وتونس تجسدان حيرة مغاربية إزاء التعامل مع الأزمة الليبية

من اليمين الرئيس التونسي وملك المغرب والرئيس الجزائري. (الإنترنت)

انعكس الهاجس المغاربي من وتيرة التصعيد العسكري والسياسي في ليبيا بعد «التفويض الأحادي الجانب»، في صورة حراك دبلوماسي تقوده تونس مع الجزائر والمغرب إلا أن الدول مجتمعة لم تستطع الوصول إلى موقف موحد واضح بخصوص ما يجري وعمقته الانقسامات الداخلية في تونس وعراقيل إقليمية شكت منها الجزائر.

ويقول مصدر دبلوماسي تونسي لـ«بوابة الوسط» إن الرئاسة وضعت قيودا فيما يتعلق بمعالجة الملف الليبي من خلال مجموعة عمل جرى تشكيلها وتكليفها من قبل الرئيس قيس سعيد لمراقبة الوضع في ليبيا عن كثب، مما يعني أن أي هيئة أخرى في الدولة لا يجوز لها التدخل في هذه المسألة بسبب تعقيدات الملف كما لا يمكن السماح للأحزاب السياسية التونسية وغيرها من الهيئات غير المصرح لها بالتدخل.

اقرأ أيضا: تونس ترفض «تقسيم» ليبيا وتتمسك بالشرعية الدولية

وأعلنت الرئاسة التونسية عن تشكيل مجموعة عمل تجمع كل الأطراف المتدخلة في الدولة لاستشراف المستقبل والتحسب لأي طوارئ في ليبيا على خلفية التطورات المتسارعة التي تشهدها البلد الجار.

وحملت تصريحات قيس سعيد أيضا شكوى من تحمل تونس الضرر الأكبر من الأزمة الليبية وهي انعكاسات تتجاوز التداعيات الاقتصادية إلى الانشغال الأمني بعدما خلقت الحرب في طرابلس لمدة تزيد على سنة عن طريق التدخلات العسكرية استعانة طرفي الصراع بالمرتزقة الذين تصنفهم تونس كإرهابيين على غرار من ينتمون إلى جبهة النصرة ويتشاركون في نهج تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي المحظور لتعبر عن خشيتها من تحركات هؤلاء مع الميليشيات في اتجاه حدودها.

توترات تونسية بسبب ليبيا
وترافقت الخطى الرسمية الجديدة حيال الملف الليبي باندلاع توترات داخل البرلمان التونسي ربطه مراقبون بتغير معادلة القوة العسكرية بين طرفي الصراع على خلفية إعلان المشير خليفة حفتر حصوله على تفويض شعبي لقيادة البلاد.

وفي هذا السياق كشفت رئيسة كتلة «الحزب الدستوري الحر» في تونس عبير موسى، عدم وجود تطابق ووحدة في مواقف الرئاسات الثلاثة (الرئاسة والحكومة والبرلمان) حول الملف الليبي، مشيرة إلى تذبذب وتضارب في التصريحات، مؤكدة وجود محاولات لتقسيم الساحة السياسية لموالين لكل محور ليبي.

اقرأ أيضا: مشروع لائحة بالبرلمان التونسي رفضا لتشكيل قاعدة لوجستية للتدخل في ليبيا

واعتبرت موسى في مؤتمر صحفي أن ذلك يفرض على البرلمان إعلان موقف واضح بعدم الاصطفاف وراء أي محور والإعلان صراحة عن رفض أي تدخل عسكري في ليبيا وعدم منح أي فرصة لاستعمال تونس كقاعدة لوجيستية لدخول ليبيا.

أما النائب في البرلمان التونسي مبروك كورشيد فقد انتقد دفع تركيا بـ«إرهابيين» إلى ليبيا، معتبراً أن ذلك يهدد بمشكلات مستقبلية لتونس والمنطقة، موضحاً في فيديو نشره عبر صفحته على «فيسبوك» أنّ تأصيل المعارك في ليبيا وتعزيزها أرهق الاقتصاد التونسي، حيث توقف تصدير السلع وإرسال اليد العاملة إلى ليبيا وتمّ حرمان تونس من المشاركة في إعادة إعمار ليبيا.

ورد قياديون في «حركة النهضة» التونسية باتهام أطراف برلمانية وراء الدعوات لحل البرلمان وبث الفوضى للتغطية على ما سموه تراجع حظوظ حفتر في ليبيا.

وذكرت النهضة بأن «الحل في الشقيقة ليبيا لا يكون إلاّ سياسياً وسلميّاً بما يضمن وحدة ترابها وشعبها ويبعد عنها شبح الحرب والتدخلات الأجنبية».

اقرأ أيضا: النهضة التونسية ترد على اتهامات «الدستوري الحر» للغنوشي في الملف الليبي

وأثار غياب رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي كونه أحد مكونات مجلس الأمن القومي عن اجتماع هام حول ليبيا أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد جدلا واسعا في الساحة السياسية في تونس، حيث انعقد بحضور رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والعدل والخارجية، وهو ما فهم على وجود اختلاف في الرؤى حول الوضع الليبي بين الجانبين.

وقالت الرئاسة التونسية في بيان إن المشاركين في هذا الاجتماع الذي «خُصص للنظر في الأوضاع في ليبيا، أكدوا أن تونس ترفض أي تقسيم للشقيقة ليبيا مهما كان الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا التقسيم وجددوا تمسكها بالشرعية الدولية، وعلى ضرورة أن يكون الحل ليبيا-ليبيا دون أي تدخل أجنبي، لأن القضية هي قضية الشعب الليبي وليست مسألة دولية».

حل جزائري للأزمة
وترفض تونس شأنها شأن الجزائر تقسيم ليبيا باعتبارهما تصران على ضرورة الحل التفاوضي ورفض إقصائهما من تسوية الأزمة الأمر الذي يتطلب توحيد كلمتهما مع بقية عواصم المغرب العربي.

وبمنأى عن الموقف التونسي من التدخلات الخارجية أبدت السلطات الجزائرية امتعاضا هي الأخرى من إدخال 3000 طن من الأسلحة إلى ليبيا بعد شهر فقط من مؤتمر برلين وهو ما عبر عنه الرئيس عبدالمجيد تبون حين شدد على أنه «لا يمكن فعل أي شيء في ليبيا من دوننا»، كاشفا عن عرقلة جهات لم يسمها تحركات الجزائر بدعوى أنها إذا تمكنت من حل الأزمة الليبية ستعود إلى الصفوف الأولى للدبلوماسية، وأوضح أن الجزائر «كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حوار ليبي-ليبي في فبراير الماضي وتم إرجاؤه لعرقلته من أطراف إقليمية لأسباب جيوسياسية».

اقرأ أيضا: الرئيس الجزائري يستعجل قرارا من مجلس الأمن لوقف القتال في ليبيا

ولم يخف الرئيس الجزائري حلولا قدمها أمام المبعوثين الخاصين للرؤساء الذين حضروا إلى بلاده ومن ضمنها «تشكيل مجلس وطني انتقالي في ليبيا وجيش وطني موقت يخرج بحكومة موقتة والدخول في الشرعية الانتخابية» حسب قوله.

ونبه عبدالمجيد تبون إلى أن أزمة ليبيا «لا تحل بالسلاح، فمهما استمر القتال سوف يتجه الجميع إلى طاولة الحوار» ورأى أنه «ومن الأحسن أن يكون ذلك عاجلا وليس أجلا»، مشددا أن كل القبائل الليبية قابلة للحل الجزائري.

اقرأ أيضا: الرئيس الجزائري يعلن تفاصيل رؤيته لحل الأزمة الليبية

وتتمسك الجزائر وتونس والمغرب في ملف الأزمة الليبية، بمخرجات اتفاق الصخيرات كإطار مرجعي للحل السياسي للأزمة، ما يؤكد رفضهم القرار أحادي الجانب في ليبيا.

ودعا وزيري الخارجية المغربي ناصر بوريطة والتونسي نور الدين الريّ، خلال محادثات هاتفية إلى ضرورة إيجاد حل سياسي توافقي للأزمة الليبية مبني على قرارات الشرعية الدولية، كرد فعل على التطورات الأخيرة.

وكان بوريطة أكد لنظيره الليبي محمد الطاهر سيالة، أخيرا وقوف المغرب ودعمها الكامل لحكومة الوفاق الوطني، مشددا على اعتراف الرباط بحكومة الوفاق وحدها سلطة شرعية في ليبيا، وفق اتفاقية الصخيرات، وقرارات مجلس الأمن، وأنها ترفض بشكل كامل التدخل الخارجي.

اقرأ أيضا: المغرب: تعدد المبادرات لا يساعد على إيجاد حل للأزمة الليبية

وذكرت تقارير إعلامية مغربية هذا الأسبوع أن العاهل المغربي الملك محمد السادس رفض عرضا مغريا من الإمارات يضمن الاستفادة من النفط الليبي ومشاريع استثمارية كبيرة، مقابل دعم المغرب المشير خليفة حفتر، علما بأن العلاقات بين الإمارات والمغرب تشهد أزمة صامتة ترجع إلى عدد من المواقف الإقليمية المختلف بشأنها، من ضمنها الأزمة الليبية والحرب على اليمن.

وتتجدد الدعوات لعقد قمة مغاربية عن بعد وسط المواقف المتطابقة بين المغرب وتونس الجزائر حيال المصالحة والتدخل الخارجي في ليبيا مع ترجمة ردود فعلهم إلى مبادرات حقيقية تبعد شبح تقسيم البلاد.