نازحون من شبح «كورونا» إلى نيران «غراد» في نهار رمضان

مساعدات من الصليب الأحمر للنازحين من حرب العاصمة طرابلس. (الإنترنت)

حزمت أسرة المواطن محمد السيد أمتعتها وبعض أدوات المنزل، وقررت النزوح عن مدينة ترهونة، بعد احتدام الاشتباكات بين طرفي النزاع الليبي على أبواب المدينة، ويقول رب الأسرة «45 عاما»: «بدأنا رحلة إلى المجهول في رمضان بين كورونا والنزوح».

ولم تكن أسرة السيد وحدها التي تجرعت مرارة النزوح من ترهونة، إذ أدت الاشتباكات التي اندلعت منتصف شهر أبريل الجاري إلى نزوح أكثر من 600 عائلة من ترهونة توزعت على مدن الخمس وزليتن والقربوللي وقصر الأخبار وغيرها من المدن الآمنة في المنطقة الغربية، وفق تقديرات رسمية صادرة من وزارة شؤون المهجرين والنازحين في حكومة الوفاق.

ومنذ اندلاع حرب العاصمة في أبريل العام 2019، تشير تقديرات رسمية صادرة عن حكومة الوفاق إلى نزوح أكثر من 360 ألف شخص، أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة، لكن مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تقول إن 150 ألف شخص فقط اضطروا إلى النزوح أو الهروب من سكنهم خلال هذه الحرب القائمة، وتوزعوا بين عديد المدن الليبية.

للاطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة. وتحتضن عمارات طريق السور غير المكتملة ومخيمات الفلاح ومقار إدارية في تاجوراء مئات النازحين بشكل جماعي، بالإضافة إلى مئات آخرين اضطروا إلى الفرار نحو خارج العاصمة، من دون أن تتمكن الجهود الدولية من وقف القتال وإعادتهم إلى منازلهم في أحياء جنوب طرابلس. وأصبح من الصعب تلبية الحصول على الاحتياجات الأساسية في تلك المقار، فالنازحون يعيشون في أماكن مكتظة لا تضم سوى عدد محدود من دورات المياه وأماكن الاستحمام. وتتحدث المؤشرات عن ارتفاع بدل الإيجارات وأسعار الغذاء والوقود، وعبرت المفوضية الأممية، عن القلق في ظل اضطرار المزيد من النازحين الليبيين والنازحين بشكل ثانوي إلى مغادرة منازلهم والبحث عن مساكن في أماكن جديدة لاستئجارها.

ومع اتساع رقعة الحرب، تدق منظمات دولية أجراس الخطر من خطورة أوضاع النازحين في ظل انتشار وباء «كورونا»، وفي هذا الإطار، تقول المنظمة الدولية للهجرة، إن غالبية هؤلاء الأفراد يسكنون في مساكن مكتظة ولا يتحصلون على خدمات الرعاية الصحية إلا بصورة محدودة. ناهيك بأن خطر القصف يهدد أرواحهم في كل لحظة، وفق البيان. أما منظمة «هيومن رايتس ووتش» فقد حذرت من مخاطر انتشار الفيروس في مراكز النازحين المكتظة. مشيرة إلى أنهم يعيشون في ملاجئ مزدحمة في طرابلس والمنطقة المحيطة، بعضها مبان غير مكتملة ما زالت قيد الإنشاء ومراكز جماعية ومدارس، وغالبا ما تفتقر إلى خدمات الصرف الصحي الكافية والمياه الآمنة وإدارة النفايات الصلبة. فيما يوضح مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، أحمد المنظري، أن النازحين من بين الفئات المعرضة أكثر للإصابة بالمرض بسبب قلة الرعاية الصحية وضعف الوعي بالمرض، فضلا عن تدهور أوضاعهم المعيشية.

الأخطر، وفي ظل هذه الظروف، كان إعلان نائبة رئيس البعثة الفرعية للجنة الدولية للصليب الأحمر في طرابلس، ماريا كارولينا، أن عددا من النازحين اضطروا إلى العودة إلى منازلهم بمناطق المواجهات بسبب فيروس «كورونا». وأضافت المسؤولة بالمنظمة في تقرير حديث على موقعها الرسمي، أن نازحين ليبيين بما فيهم زملاؤهم أبلغوهم أنه ليس لديهم خيار سوى العودة إلى منازلهم قرب خط المواجهات، خوفا من نقلهم عدوى الفيروس إلى منازل آبائهم المسنين أو أفراد أسرهم.

مسؤولة الصليب الأحمر أردفت أن هذا المستوى يسلط الضوء على خيارات تتجاوز التصور، يضطر بعض الناس إلى اتخاذها في الوقت الذي يكافحون فيه، ليقرروا ما إذا كان القصف والغارات الجوية تشكل تهديدا أكبر على حياتهم مقارنة بالفيروس، وفق تعبيرها.

ولفتت المنظمة إلى وقوع مئات الآلاف من الليبيين تحت وطأة نزاع محتدم، بينما يمثل أمامهم خطر تفشي فيروس «كوفيد-19» ويهدد بإضعاف المنظومة الصحية الهشة في البلاد. وأعربت المنظمة الدولية عن خشيتها من مضاعفة الفيروس من معاناة الأسر المتضررة جراء النزاع، «وهذه الأسر تكافح بالفعل من أجل تلبية احتياجاتها الأساسية من المأوى والغذاء والمياه والرعاية الطبية».

ويذكر رئيس عمليات اللجنة الدولية في ليبيا، ويلم دي يونغ، أن العيادات الطبية والمستشفيات منهمكة في رعاية جرحى الحرب والمصابين بأمراض مزمنة، لذا فإن قدرتها على استقبال مصابي «كورونا» محدودة وتحتاج إلى دعم. ولفت التقرير إلى أن «مناطق في طرابلس مثل أبو سليم شهدت زيادة في عدد المرضى أربعة أضعاف في الأشهر الأخيرة، وغالبا ما يرجع ذلك إلى تدفق العائلات النازحة، التي يعيش الكثير منها في مراكز جماعية».

ويبدو أن مشكلة هؤلاء النازحين تعجز الجهات الرسمية في الدولة الليبية، أو ربما تتعامل معها الحكومة وفق أولوية متأخرة، إذ يشكو وزير شؤون المهجرين والنازحين، يوسف جلالة، من نقص الإمكانات اللازمة لدعم النازحين، ويقول إن حرب العاصمة «جعلت النازحين يعيشون أوضاعا صعبة، من جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية»، وأشار إلى تضاعف المعاناة «خصوصا مع حلول شهر رمضان المبارك، ونقص أو انعدام السيولة النقدية وتأخر نزول المرتبات في المصارف، وصعوبة الوصول إليها في ظل جائحة كورونا، وما ترتب عليها من تقييد في الحركة ولساعات محددة تطبيقا لتنفيذ إجراءات الطوارئ والحجر شبه الكلي».

وفي هذا السياق، تتوزع محاولات إغاثة النازحين بين منظمات دولية وجمعيات مجتمع مدني ليبية، على سبيل المثال تعكف المنظمة الدولية للهجرة على تنفيذ عمليات تعقيم وتطهير دورية في مراكز الإيواء وفي نقاط الإنزال. وتقترن هذه الجهود بحملات التوعية وبدورات الثقافة الصحية التي تستهدف المهاجرين والنازحين على حد السواء. أما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مع شريكها الهيئة الليبية للإغاثة، وبرنامج الأغذية العالمي، واليونيسف، والمنظمة الدولية للهجرة، فقد وزعت المواد الغذائية ومستلزمات النظافة والفرش والبطانيات على 156 عائلة نازحة في طرابلس. فيما بدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بليبيا، بتوزيع الصدقات على 400 أسرة نازحة و100 أسرة متضررة في زليتن.

للاطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وفي إطار جهود إغاثة النازحين على الصعيد الرسمي والأهلي في شهر رمضان، وزعت بلدية تاجوراء 1700 سلة غذائية على النازحين داخل نطاق البلدية، وذلك تزامنا مع حلول شهر رمضان المبارك. أعلن الهلال الأحمر الليبي فرع زوارة، توزيع سلة غذائية متكاملة للنازحين من مدينة طرابلس المقيمين، كما شارك فريق شبيبة الهلال الأحمر الليبي فرع العجيلات، في توزيع سلات رمضانية على الأسر النازحة.

لكن، ووسط التحذيرات الدولية من خطورة الأوضاع الإنسانية للنازحين، يبقى التساؤل قائما حول نهاية تلك الدراما الإنسانية، التي يتحول فيها الليبي إلى لاجئ في وطنه تحت مسمى «نازح»، أو بمعنى أدق، متى تنتهي هذه الحرب ليعود السلام إلى ليبيا، وتنتهي أزمة النازحين التي تنتقل كوارثها مع كل صاروخ يقصف أحياء مدنية ويرهب الآمنين، في أتون صراع مستمر على الثروة والسلطة؟

كشف طبي على النازحين في مركز إيواء طارق بن زياد الشهر الماضي. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط