جنود «مكافحة الظلام».. موظفو شركة الكهرباء في مواجهة تحديات صعبة

أحد أفراد فرق الصيانة بشركة الكهرباء خلال استبدال أسلاك، (أرشيفية: الإنترنت)

تحت أشعة الشمس الحارقة، وعلى أعمدة الإنارة الممتدة بين السماء والأرض، يقف رجال الشركة العامة للكهرباء بأيدٍ عارية للقيام بأعمال صيانة وإصلاح الأعطال الناجمة في أغلبها عن أعمال سرقة الأسلاك، التي كلفت الدولة منذ العام 2015 أكثر من مليون و200 ألف دينار، حسب تقرير للشركة صادر في نوفمبر من العام 2019.

الموظفون والمهندسون والفنيون في شركة الكهرباء كثفوا جهودهم منذ بداية شهر رمضان للعمل على انتظام وصول التيار إلى جميع الليبيين، خصوصا أن أعمال السرقة التي لا تتوقف يوميا تتسبب في انقطاع التيار عن كثير من الأحياء في طرابلس وسبها وزليتن وغيرها.

وواصل «جنود الكهرباء» خلال الأيام الماضية العمل على تحسين الشبكة الكهربائية، فقاموا بترحيل الأحمال من المحول الهوائي إلى المحطة الجاهزة التي تمت إقامتها من قبل فرقة الخطوط والكوابل بدائرة توزيع الحي الصناعي، كما قامت فرقة الصيانة في سبها بأعمال الكشف على محطة تراغن المجرورة ومحول غدوه «T.OFF»، حيث شملت أعمال الصيانة استبدال الموصلات في محول تراغن وتشغيل المحول بنجاح.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط»

وكررت الشركة في الأيام الأخيرة مناشدتها ضرورة التصدي لأعمال سرقة الأسلاك الكهربائية والتعديات المتكررة على مكونات شبكة الكهرباء، إذ يقوم خارجون عن القانون بأعمال سرقة الأسلاك النحاسية والكوابل من أجل بيعها، لكونها مطلوبة في السوق، مما يتسبب في انقطاع التيار عن أحياء بكاملها لساعات طويلة.

تعديات متكررة
هذه التعديات المتكررة تعد عائقًا في الحفاظ على استقرار الشبكة العامة وتوزيع الكهرباء بشكل منظم، كما أنها تهدر جهود الموظفين في الشركة على علاج هذه السرقات، بدلا من استغلالها في أعمال الصيانة، وفق الشركة التي نبهت إلى أن أعمال التعدي والسرقة تؤثر على نمط حياة السكان، وتجعلهم يعيشون في ظلام لفترات طويلة، وتسبب خسائر اقتصادية، مطالبة المسؤولين باتخاذ ما يلزم من إجراءات لردع المخالفين وفرض القانون للحفاظ على حقوق المواطنين، مشيرة إلى انتشار هذه الأعمال نتيجة الإنفلات الأمني.

والأسبوع الجاري فقط، أعلنت الشركة انقطاع الكهرباء عن منطقتي السواني والعزيزية بسبب سرقة 1400 متر أسلاك، على يد «مجموعة من اللصوص المجرمين الذين باعوا ضمائرهم ووجدانهم ووطنيتهم» وقاموا بالاعتداء على خط المذبح الآلي بدائرة توزيع السواني، مما تسبب في فقد التغذية عن ستة محولات وانقطاع التيار عن منازل المواطنين، وفق بيان للشركة.

كما شملت أعمال سرقة الأسلاك خط الأوغانة بدائرة توزيع العزيزية، مما تسبب في فقد التغذية عن أحد المحولات الذي يغذي بعض منازل المواطنين. وناشدت الشركة كل الأجهزة الأمنية ببلدية الجفارة ضرورة التدخل العاجل لحماية مكونات الشبكة الكهربائية بالمنطقة «من هذا العبث»، الذي يكلف أموالًا طائلة ويؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي على منازل المواطنين لعدة أيام مما يزيد من معاناتهم.

ونتيجة أعمال السرقة أيضًا، انقطع التيار عن منطقة بوشيبة في مدينة غريان، إذ قام مجهولون بسرقة 2400 متر من أسلاك الكهرباء بداية من خط الجنوب بالمدينة، مما سبب بفقدان التغذية في نحو 22 محولًا.

أزمة مكب القمامة في طرابلس
ولا تضيع جهود موظفي شركة الكهرباء في علاج الأعطال الناتجة عن السرقة أو التعديات فقط، بل إن مكب القمامة المجاور لمحطة «جنوب طرابلس الغازية» يمثل معاناة كبرى للشركة وموظفيها، حسب رئيس قسم الأجهزة والتحكم الآلي في المحطة، المهندس عبدالستار النايلي، الذي أكد أن هذا المكب يمكن الاستفادة منه وتحويله إلى مشروع إسراتيجي بإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء فيه بطاقة إنتاجية تصل إلى ألفي ميغاوات.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط»

وأوضح النايلي أن موقع المكب مهم واستراتيجي، إذ إنه يبعد عشرة أمتار فقط عن موقع محطة جنوب طرابلس، ويمكن الاستفادة منه، نظرا لتوافر إمدادات الوقود الرئيسية من الغاز والوقود الخفيف وقربه من محطة الرفع وخزانات الوقود، كما أن مساحته تقدر بعشرة هكتارات، وسيكون من السهل إنجاز محطة فيه، مطالبًا المسؤولين بوضع الأمر في عين الاعتبار، ودعم هذه الفكرة، لتحقيق إنتاج إضافي من الكهرباء.

وتؤدي الأدخنة الناتجة عن هذا المكب إلى خسائر اقتصادية تقدر بنحو 750 ألف يورو، نتيجة تكلفة تغيير فلاتر المحطة، وفق النايلي الذي أوضح أن المحطة بها خمس وحدات غازية لتوليد الكهرباء، الواحدة منها تستخدم 836 فلتر هواء قيمتها 150 ألف يورو، ما يجعل القيمة الإجمالية لتغيير فلاتر المحطة تصل إلى 750 ألف يورو. النايلي نوه بأنه في الظروف الاعتيادية تستبدل الفلاتر كل سنتين، إلا أن الدخان الناتج عن حرق القمامة المتراكمة في محيط المحطة يتسبب في تلفها سريعًا، مؤكدا أن شركة الكهرباء أنفقت مبالغ طائلة من أجل صيانة المحطة على مدى الثلاثة أشهر الماضية، إلا أن استمرار الأزمة جعل المحطة تعمل بوحدتين فقط، بينما تبقى الوحدات الثلاث الأخرى معطلة.

وأشار إلى أن الحل الوحيد يتمثل في إزالة المكب، خصوصا أن الدخان الناتج من حريق المخلفات يقلل من العمر الافتراضي للوحدات الغازية، كما نبه إلى أنه مع اقتراب فصل الصيف سيزداد استهلاك الكهرباء في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

ولا تتوقف أعمال حرق المخلفات في المكب، الأمر الذي وصفه مدير المحطة ناجي أبوزقية بـ«المأساوي»، قائلاً: «لم نخلِ مسؤوليتنا عن مواصلة العمل، وتم تغيير جزء من الفلاتر، وسنضطر إلى شراء فلاتر جديدة لإمداد الطاقة إلى المستهلكين، رغم التكلفة وما يتعرض له العاملون لأخطار صحية جراء هذا الوضع».

عدم توافر كميات كافية من الوقود
المشاكل التي تواجه موظفي شركة الكهرباء تتأزم أكثر مع عدم توافر كميات كافية من الوقود لتشغيل المحطات، فقد أكدت الشركة في بيان الأسبوع الجاري أن الانقطاع المتكرر للتيار في عدد من المناطق يعود إلى خروج عدد من وحدات التوليد بمحطتي توليد رئيسيتين نتيجة للنقص الشديد في إمدادات الوقود بمختلف أنواعه من غاز وسائل خفيف وسائل ثقيل؛ وذلك بسبب قفل صمام الغاز بمنطقة سيدي السائح، المغذي لمحطات التوليد في المنطقة الغربية.

وأوضحت الشركة أن قفل صمام الغاز في سيدي السائح اضطر الشركة إلى الانتقال للتشغيل بالوقود السائل غير المتوافر بالكميات المطلوبة، مشيرة إلى تأكيد المؤسسة الوطنية للنفط أن عدم توافر الوقود السائل يعود إلى «إقفال الحقول النفطية، وتدني حجم المخصصات للميزانية التشغيلية للمؤسسة». وأكد البيان أن «فتح تزويدات الغاز مهم للغاية، وأنه بإعادة فتح الصمام سيتم تشغيل جميع الوحدات وتغذية جميع المناطق بالتيار الكهربائي، ولن يكون هناك عجز في هذه الفترة»، مشيرًا إلى أن الاعتماد الخاص بتشغيل وحدات التوليد بالوقود السائل يكلف الدولة مبالغ مضاعفة مقارنة بتكلفة استخدام الغاز.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط أكدت في اجتماع عقد في 14 أبريل الجاري، وضم ممثلين عن المؤسسة ووزارة المالية بحكومة الوفاق وشركة الكهرباء، «عدم قدرتها على تلبية احتياجات محطات التوليد من الوقود الخفيف والثقيل نتيجة عدم تحصلها على المخصصات المالية للإيفاء بذلك»؛ فيما أوضحت شركة الكهرباء أن احتياجاتها من الوقود الخفيف والثقيل زادت بشكل مضاعف نتيجة إقفال صمام خط الغاز في سيدي السائح.

أعمال صيانة أحد المحولات الكهربائية
جانب آخر من أعمال الصيانة

المزيد من بوابة الوسط