وداعا الكيب.. آخر فصول الديمقراطية قبل الانقسام

رئيس الوزراء الأسبق عبدالرحيم الكيب، (أرشيفية: الإنترنت)

وكأن طالع أبريل يلاحق مهندسي السلطة التنفيذية فيما بعد ثورة فبراير 2011، ليكتب كلمة النهاية في حياة شخصيات لعبت أدوارا تاريخية في ليبيا الثورة، فبعد أيام من رحيل رئيس المكتب التنفيذي السابق للمجلس الوطني الانتقالي، محمود جبريل، حتى جاء خبر وفاة رئيس الوزراء الأسبق عبدالرحيم الكيب، الثلاثاء، لتسقط ورقة جديدة في السجل التاريخي لليبيا ما بعد سقوط القذافي.

من المدرجات الأكاديمية في الهندسة الكهربائية إلى قمرة السلطة في ليبيا ما بعد 11 فبراير، وما بينهما كانت معارضة نظام العقيد معمر القذافي، تعددت المحطات البارزة والمفارقات في حياة الكيب، الذي توفي عن عمر ناهز الـ70 عاما، إثر نوبة قلبية داهمته خلال إقامته في الولايات المتحدة، وفق ما أكده أفراد من عائلته.

لكن الملمح الأبرز في حياة رئيس الوزراء الراحل هو أنه أول مسؤول يشغل المنصب وفق هذه التسمية بعد ثورة فبراير، بل ويسلم السلطة على نحو طوعي، في مشهد كان الوحيد الذي تعيشه البلاد بعد ثورة فبراير، وتتوقف عنده عقارب ساعة الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة، لتؤرخ بعده متوالية انقسامات ترزح ليبيا تحت وطأتها حتى اللحظة.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 231 من جريدة «الوسط»

قبل 60 عاما من تحول مدينة صبراتة إلى محور قتال محتدم بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق، وتحديدا في العام 1950 ولد الكيب لعائلة كبيرة بالمدينة، وحصل على البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة طرابلس، ودرجة ماجستير من جامعة كارولاينا الشمالية، وبعد ذلك تحصل على درجة الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا. انضم إلى قسم الهندسة الكهربائية بجامعة ألاباما أستاذا مساعدا سنة 1985، وأصبح أستاذا العام 1996، وأشرف على العديد من رسالات الماجستير والدكتوراه، كما حاز جوائز أكاديمية عديدة.

مفارقة أخرى سجلتها مسيرة حياة الكيب، فقد عمل رئيس الوزراء في قطر والإمارات الغريمين التقليديين في الملف الليبي الآن، وقبل ثورة فبراير كان يشغل منصب أستاذ ورئيس قسم الهندسة الكهربائية بالمعهد البترولي بدولة الإمارات العربية المتحدة، والجامعة الأميركية في الشارقة، وشغل أيضا منصب وكيل كلية الهندسة للشؤون الأكاديمية بجامعة قطر.

في خضم العمل الأكاديمي والبحثي، لبى الكيب نداء العمل السياسي، وانضم إلى المعارضة الليبية في الولايات المتحدة ضد نظام القذافي في سبعينات القرن الماضي، وقدم التمويل اللازم للمعارضة الليبية في المهجر، ودفع ثمن ذلك باهظا على صعيد حياته الشخصية، إذ كان يلقى أسرته -التي بقيت داخل ليبيا- خلال رحلاته إلى المغرب، كما سجل مشاركة أخرى في العمل السياسي من خلال اشتراكه في حوارات بين الأديان بشكل غير رسمي عقب هجمات سبتمبر.

التحول المفصلي في حياة رئيس الوزراء الأسبق، كان توليه منصب رئيس أول حكومة انتقالية في البلاد، بعد إسقاط نظام العقيد معمر القذافي في فبراير 2011، إذ اختير في 31 أكتوبر من العام نفسه رئيسا للحكومة الانتقالية بعد حصوله على 26 صوتا من أصل 51 في اقتراع جرى بمقر المجلس الوطني الانتقالي.

ورغم أن هذا التصويت أعطى إشارات واضحة أن «الليبيين قادرون على بناء مستقبلهم»، وفق تعبير رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبدالجليل، إلا أن مخاض هذه الحكومة لم يكن سهلا، إذ أثار تأخر إعلانها شائعات بشأن وجود خلافات داخلية بين الجماعات والقبائل المختلفة حول تشكيلها.

وفي نوفمبر من العام 2011، قطع الكيب الطريق على كل الشائعات، وأعلن التشكيلة الوزارية التي طال انتظارها، مسندا حقيبتين أمنيتين أساسيتين للثوار السابقين، قبل الموافقة عليها من قبل المجلس الوطني الانتقالي، الذي مثل السلطة التشريعية الموقتة في البلاد لحين إجراء الانتخابات التشريعية العام وقتذاك، وحينها خرج الكيب بتصريحه الشهيرة أن «ليبيا مليئة بالكفاءات.. التشكيلة الوزارية تتألف من مختلف أنحاء البلاد، وأؤكد لكم أن أي فرد وكافة شرائح وفئات الليبيين قد تم تمثيلهم».

لكن بدايات مهمته الحكومية الصعبة لم تخل من تسريبات عن خلافات بشأن بعض الأسماء، إذ كشفت إحدى الرسائل المسربة من البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في 5 يناير 2012، أن عبدالرحيم الكيب رفض تعيين القائد العام للجيش الفريق أول ركن خليفة حفتر رئيسا للأركان، بسبب «عداوة شخصية» مما دفعه لاختيار اللواء يوسف المنقوش رئيسا للأركان.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 231 من جريدة «الوسط»

على أي حال كان إعادة بناء الجيش والشرطة وإرساء الأمن مجددا هو المعضلة الرئيسية التي واجهت عمل حكومة الكيب، بعد انهيار تلك المؤسسات إثر اندلاع ثورة 17 فبراير، بفعل عيوب هيكلية ورثتها منذ عهد النظام السابق، وفيما كانت المجموعات المسلحة للثوار تسيطر على العديد من المنشآت الاستراتيجية. وأمام هذا الوضع المشتبك، هدد أعضاء في المجلس الوطني الانتقالي بسحب الثقة من الحكومة، معتبرين أنها أخفقت في حل الميليشيات المسلحة التي شكلها الثوار السابقون، الذين قاتلوا نظام معمر القذافي، فيما تحدث بعض أعضاء المجلس عن إهدار للمال العام.

في المقابل، اعتبر رئيس الوزراء الراحل أن تهديدات المجلس الانتقالي تعرقل إجراء الانتخابات التشريعية، ودافع عن حكومته، مؤكدا أنها نجحت في تحسين الوضع الأمني في كل أنحاء البلاد، وإعادة الحياة الطبيعية بعد نزاع مسلح استمر أشهرا عدة ومعالجة مشكلة التمويل، خصوصا عبر ضمان تجميد أرصدة النظام السابق من جانب الغرب. وفي إشارات واضحة على صعوبة مهمته، قال الكيب وقتها: «نعلم أن بناء الدولة لا يمكن تحقيقه في شهور قليلة»، مبينا أنه «لم يجد قاعدة مؤسساتية لإعادة بناء البلاد بعد أربعة عقود من الفساد المالي والإداري إبان حكم القذافي».

وعلى هذه الوتيرة من الشد والجذب، ظلت حكومة الكيب تؤدي عملها حتى نهاية أكتوبر من العام 2012، حين منح المؤتمر الوطني العام الثقة لحكومة رئيس الوزراء الأسبق، علي زيدان.

ومنذ مغادرة منصبه، قل ظهور اسم الكيب في المشهد السياسي، فمع وصول المجلس الرئاسي إلى السلطة في غرب البلاد، جرى تسمية الكيب مندوبا دائما لليبيا لدى هيئة الأمم المتحدة، خلفا لإبراهيم الدباشي، وكان الظهور الأخير للرجل عقب اندلاع حرب العاصمة في 4 أبريل من العام 2019، إذ قال في كلمة متلفزة: «لا أحد يرفض قيام الجيش ودولة المؤسسات»، مشيرا إلى أن «طرابلس وأهلها لم ولن تكون حضنا للإرهاب وأهله». واستنكر «الغزو على طرابلس واستهداف المدنيين وقصفهم ومن يقود الحرب على طرابلس هو عينه الإرهابي وحجة مكافحة الإرهاب كلمة حق أريد بها باطل». وكان الفصل الأخير في حياة الكيب، حيث تلقى دراسته في الخارج، إذ توفي بعد إجراء جراحة في الولايات المتحدة أخيرا، لكن بقي حلمه بـ«بناء دولة تحترم حقوق الإنسان ولا تقبل بانتهاكات حقوق الإنسان»، معلقا بالشطر الأخير من هذه الكلمة، التي قال فيها: «نحتاج إلى وقت لتحقيق ذلك»، ليبقى السؤال يلاحق المشهد الليبي، كم نحتاج من الوقت لتحقيق حلم الكيب؟