جريدة «الوسط»: بدء العد التنازلي لموقعة ترهونة

آليات وأفراد تابعون لقوات حكومة الوفاق، (أرشيفية: الإنترنت)

دخلت حرب العاصمة مساراً هو الأخطر بعد مرور عام من اندلاعها، بالتصعيد العسكري الأخير الذي تطور بما يمكن أن نسميه «معركة ترهونة» وسط جمود سياسي، توقفت فيه المبادرات الدولية لحل الأزمة الليبية، فقد سجل الأسبوع محاولات من قوات حكومة الوفاق للسيطرة على مدينة ترهونة، بدأت بإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وقصف جوي لبعض الأهداف فيها.

في هذا الوقت ما زالت الأنظار تتجه نحو قاعدة الوطية التي تعد «بيضة القبان» في هذه المرحلة من معارك حرب العاصمة، بعد أن أكدت حكومة الوفاق أنها حسمت جولة الساحل الغربي من البلاد بسيطرتها على مدينتي صبراتة وصرمان المتجاورتين، وتبقى «الوطية» بقاعدتها الجوية، الهدف الاستراتيجي الذي تسعى قوات الوفاق لتحقيقه، بينما تتمسك قوات القيادة بالسيطرة عليها وإحباط محاولات «الوفاق» الوصول إليها، لأن فقدانها يعني تغيرا كبيرا في موازين القوى في حرب العاصمة طرابلس، واقتصرت المواقف الأوروبية والروسية على رفضها وتعبيرها عن خيبة الأمل من استمرار الحرب، بفعل الدعم الإقليمي والدولي لطرفي النزاع، الذي كان التحقيق الأممي في شحن شركات إماراتية نحو 11 ألف طن من وقود الطائرات إلى شرق ليبيا هو آخر مظاهره.

وفي مطلع الأسبوع الحالي، سجلت محاور القتال بجنوب العاصمة تصعيدا كبيرا، إذ توجهت قوات حكومة الوفاق نحو مدينة ترهونة (80 كلم تقريبا جنوب طرابلس)، ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين في قوات القيادة العامة القول إن القوات التابعة لحكومة الوفاق «فشلت في دخول ترهونة السبت». ويوم الأحد، واصلت قوات حكومة الوفاق هجوما متعدد المحاور باتجاه المدينة، وسبقته بإسقاط منشورات باللغتين العربية والروسية، تدعو الأهالي إلى أن يلزموا بيوتهم ويبتعدوا عن أماكن وجود «المسلحين»، بعدها أعلن الناطق العسكري باسمها قنونو، أن سلاح الجو التابع لقواته نفذ ضربتين جويتين ضد قوات القيادة العامة في المصابحة بمدينة ترهونة. فيما ذكرت قوات القيادة العامة، على لسان الناطق الرسمي اللواء أحمد المسماري، أن قوات حكومة الوفاق تحاول السيطرة على كل الطرق التي تؤدي إلى ترهونة، بتحشيد أعداد كبيرة من جنوب غرب زليطن، وبدأت هجوما «رئيسيا» من منطقة القره بولي، إضافة إلى هجوم على منطقة الطويشة.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 231 من جريدة «الوسط»

ويرى عسكريون أن محاولات «الوفاق» السيطرة على الوطية ثم ترهونة، تعني إحكام قبضتها على كامل المنطقة الغربية، من أبوقرين على حدود سرت إلى رأس اجدير، المنفذ الحدودي مع تونس «نحو 500 كلم على امتداد الساحل الغربي لليبيا»، ما يعني سياسيا تعزيز الموقع التفاوضي لحكومة الوفاق، وتعطيل هدف المشير خليفة حفتر الذي أعلنه في 4/4/2019 ، وهو «تحرير طرابلس»، ما ينبئ بتسخين أشد لجبهات القتال خلال الأيام المقبلة، وفي هذا السياق يمكن فهم الضربات التي أعلنتها قوات الوفاق على قاعدة الوطية، وإعلان المسماري، الإثنين، صد هجوم من الطرف الآخر على القاعدة ومطاردة قوات الوفاق إلى منطقة الجميل، مشيرا إلى أن قواته مسيطرة على العقربية، وأقامت فيها بوابات ونشرت استطلاعا متقدما حول مناطق السيطرة الجديدة.

على الصعيد الدبلوماسي، لم تسجل الأزمة الليبية تحركات دبلوماسية، ولو «عن بعد»، أخذا بالاعتبار جائحة «كورونا»، إذ توقفت اللجان المنبثقة من مؤتمر برلين، أو حسب تعبير الناطق باسم وزارة الخارجية محمد القبلاوي: «لا اجتماعات ولا حديث عن تواصل في هذا الخصوص»، وهو ما يراه خبراء انعكاسا للانشغال الدولي بجائحة «كورونا»، إذ وصفت البعثة الأممية الحرب الدائرة جنوب العاصمة بـ«العبثية»، مجددة «دعوتها إلى هدنة إنسانية لإتاحة الفرصة لليبيين للتهيؤ للشهر المقدس بسلام، وإفساح المجال للسلطات لتقديم الخدمات التي تشتد الحاجة إليها ومعالجة الجرحى والتصدي للتهديد المتصاعد لجائحة فيروس كورونا».

وعلى الطرف المقابل، وجهت حكومة الوفاق انتقادات غير مألوفة للبعثة الأممية، لافتة على لسان الناطق باسم الخارجية محمد القبلاوي إلى أنها لا «تعول على البعثة خصوصا في ظل الانقسام السياسي في مجلس الأمن بشأن الملف الليبي»، مشيرا إلى أن الانقسام السياسي في مجلس الأمن بين الدول الكبرى بشأن الملف الليبي يؤثر «سلبا ومباشرة على عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ويقوض جهودها».

يأتي ذلك في حين سجل الموقف الروسي حضورا جديدا من خلال تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف، عن «خيبة» أمله من توقف عملية السلام الليبية واستئناف القتال. كما شدد لافروف، عبر الفيديو لأعضاء نادي جورشاكوف للدبلوماسية العامة، على أن أحد أسباب حدوث ذلك هو استقالة المبعوث الأممي غسان سلامة.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد أكد، على لسان الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية جوزيف بوريل، أن الاتحاد «يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية حل الأزمة في ليبيا»، لافتا إلى تأثيرها على الأمن والاستقرار في دول الجوار والساحل، وأيضا على مصالح الأوروبيين بالمعنى الواسع. وأعاد المسؤول الأوروبي تأكيد أهمية وقف إطلاق نار فعلي للبدء بعملية مصالحة. وفي حين تواصل تقارير إعلامية دولية كشف استمرار خرق قرار حظر الأسلحة، بعدما أشارت جريدة «فاينانشال تايمز» البريطانية إلى تحقيق فتحته الأمم المتحدة بشأن شحن شركات إماراتية نحو 11 ألف طن من وقود الطائرات إلى شرق ليبيا.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 231 من جريدة «الوسط»

وأوضح بوريل أن وقف تدفق السلاح سيدفع باتجاه تعديل الحسابات الاستراتيجية للأطراف وتخفيض احتمالات «الحل العسكري». وعقب بوريل: «يتعين علينا وقف تدفق السلاح إلى ليبيا وخلق مساحة للعمل الدبلوماسي، هذا هو الهدف الأساسي للعملية»، مطالبا بوقف التدخل الأجنبي في ليبيا.

ومع استمرار المعارك على أبواب ترهونة، واستمرار الانشغال الدولي بجائحة «كورونا»، يتساءل متابعون للشأن الليبي عن المسار الذي ستأخذه «معركة ترهونة»، أي هل ستكتفي القوات التابعة لـ«الوفاق» بمحاصرة المدينة مع استمرار استهدافها جوا، أم سيؤول الأمر إلى محاولة اقتحامها، ما سيفتح الباب أمام احتمالات عديدة، ليس أقلها دخول فصل جديد من حرب أهلية أوسع.

المزيد من بوابة الوسط