جريدة «الوسط»: تبدل نوعي لمسار الحرب في الساحل الغربي

عناصر تابعة لقوات حكومة الوفاق، (أرشيفية: رويترز)

قاد إخفاق الدعوات الدولية إلى «هدنة إنسانية» توقف الحرب في ليبيا، إلى تصعيد ميداني نوعي هذا الأسبوع بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق، تمكنت عبره الأخيرة من السيطرة على مدينتي صبراتة وصرمان الاستراتيجيتين (غرب العاصمة)، بعد نحو عام من سيطرة القيادة العامة عليهما إثر اندلاع حرب العاصمة في شهر أبريل من العام الماضي، وهو التغيير المهم الذي شهدته هذه الحرب، الذي قوبل بموقف دولي وأوروبي خجول اكتفى بإدانة التصعيد والدعوة لإتاحة المساحة لجهود مكافحة «كورونا» في البلاد، خصوصا مع معاناة سكان العاصمة من العطش الناجم عن قطع المياه، والظلام والمعاناة الاقتصادية الناجمة عن إغلاق المنشآت النفطية، فيما اعتبره محللون أول ترجمة عملية لتوقف «جهود الوساطات الدولية» في ظل الانشغال العالمي بتداعيات الجائحة.

وبدأ التصعيد الأخير، الأحد الماضي، مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق في منطقة أبوقرين «جنوب شرق مصراتة»، أعلن إثرها الناطق باسم قوات القيادة العامة اللواء أحمد المسماري، السيطرة على بوابتها الغربية، قبل أن يكشف سقوط طائرة تابعة للقيادة العامة بها ومقتل طاقمها، لكن الناطق الرسمي باسم قوات الوفاق، العقيد طيار محمد قنونو، قال إن «قوات الوفاق» استدرجت قوات القيادة العامة، إذ «تراجعت تكتيكيا من تمركزاتها الأمامية»، ثم أطلقوا هجوما مضادا من كل المحاور.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 230 من جريدة «الوسط»

ومع تواصل الاشتباكات منذ فجر الإثنين الماضي، أعلنت عملية «بركان الغضب» تنفيذ ضربات جوية استهدفت غرفة عمليات القيادة العامة في مدينة صبراتة، لتعلن بعد ساعات السيطرة على مدينتي صبراتة وصرمان، ووفق قنونو فإن «العملية بدأت من الأرض والبحر والجو ومن محاور عديدة»، فيما ردت قوات القيادة العامة على هذا التقدم لقواته من خلال إمطار طرابلس بعشرات الصواريخ والقذائف.

وفي 25 مارس الماضي أطلقت حكومة الوفاق عملية «عاصفة السلام»، للرد على ما اعتبرتها «الانتهاكات المستمرة للهدنة»، ورأى وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا أنه «لا يمكن تحقيق أي انتصار عسكري كامل في ليبيا»، مستبعدًا أي تسوية سياسية مع القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، حيث قال: «لا يوجد حل سياسي مع حفتر».

ويلحظ سياسيون ودبلوماسيون، وبموازاة حرب العاصمة، أن ثالوث الماء والكهرباء علاوة على النفط تحول إلى «ورقة ضغط أو سلاح حرب» في خضم الأزمة الليبية، وفق توصيف الأمم المتحدة، ففي الأسبوع الماضي، توقف ضخ المياه من حقول آبار المياه بمنظومة النهر الصناعي، الإثنين، لما بعد اقتحام مجموعة مسلحة موقع الشويرف، وإجبار العاملين على غلق كل صمامات التحكم بالتدفق، إلى حين تحقيق مطالب لهم، وهو ما أدى إلى قطع المياه عن العاصمة، قبل أن تعلن بلدية الشويرف منتصف هذا الأسبوع السماح بعودة تدفق النهر الصناعي لـ«فترة وجيزة»، «لإعطاء فرصة للجهود المبذولة للإفراج عن (ابننا المخطوف) في أسرع وقت»، وفق بيان لها.

وإلى جانب المياه والكهرباء، يستمر إغلاق المنشآت النفطية منذ يناير الماضي ليتسبب في خسائر مالية تجاوزت 4.1 مليار دولار منذ 17 يناير الماضي، وذلك بعدما هبط إنتاج النفط في ليبيا إلى 80.5 ألف برميل يوميا حتى يوم الإثنين الماضي، فيما حذر رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، المهندس مصطفى صنع الله، من التبعات السلبية لاستمرار الإقفالات غير القانونية للمنشآت النفطية على حياة المواطنين، داعيا إلى سرعة إنهاء هذه الإقفالات خصوصا في ضوء تكبد لييبا خسائر تجاوزت أربعة مليارات دولار.

 وفي هذا السياق جاء توصيف رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بالوكالة، ستيفاني ويليامز، قطع النفط والماء والكهرباء «وسيلة عقاب جماعي»، مشددة على أن ذلك أمر غير مقبول، وذلك في حوار مع برنامج «فلوسنا»، على قناة «الوسط».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 230 من جريدة «الوسط»

ويأتي سباق كسب الوقت وسط توقف شبه تام للجهود الدولية والأوروبية لتسوية الأزمة الليبية، بفعل الانشغال العالمي بجائحة «كورونا»، واكتفت الأمم المتحدة بالدعوة إلى «وقف القتال في ليبيا لإتاحة الفرصة للسلطات الصحية للتصدي لهذا الوباء»، أما الاتحاد الأوروبي، الذي أطلق نهاية مارس الماضي عملية «إيريني» لمراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة حظر توريد السلاح لليبيا، فقد أكد أن «مؤسسات التكتل الموحد تعي جيدا خطورة الوضع في ليبيا، خصوصا في ظل الأزمة الصحية العالمية الحالية»، وذلك وفق الناطق باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بيتر ستانو.

وجاءت تصريحات الناطق الأوروبي بعد رسالة من تسلمها من وزير خارجية مالطا، يطالب فيها بروكسل بالتحرك بشكل عاجل في ليبيا. وسيعمل الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الطلب المالطي والرد عليه، كما يحدث في كل مرة يتسلم فيها رسالة من رئيس دبلوماسية دولة عضو في التكتل الموحد، حسب ستانو، مضيفا: «ندرك في أوروبا خطورة الوضع الليبي، وإطلاقنا عملية إيريني البحرية تعبير عن اهتمامنا وتحركنا».

وتبقى الأوضاع الإنسانية في ليبيا أسيرة في تدهور متزايد، وسط تقارير دولية تكشف حجم المعاناة الإنسانية للمواطنين والمهاجرين غير الشرعيين في البلاد، سواء جراء حرب العاصمة طرابلس أو وباء «كورونا المستجد»، إذ أكد تقرير أممي أن العائلات الليبية الآمنة غذائيا، أصبحت شديدة التأثر وتطلب المساعدة، نتيجة ما يواجهه الاقتصاد من أزمة متعددة الأبعاد، بسـبب تصاعد النزاع وحصار النفط ونقص السيولة، فضلا عن تهديدات فيروس «كوفيد-19».

وفي السياق ذاته جاءت مخاوف اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» من «تضاعف معاناة الأسر المتضررة جراء النزاع في ليبيا نتيجة فيروس (كورونا المستجد)»، ودعت «السلطات إلى أن تكفل تيسير تسليم المساعدات الإنسانية مع الحفاظ على التدابير الوقائية مثل التباعد الجسدي، وإلا فإن الأشخاص الذين يعتمدون على تلك المساعدات سيواجهون معاناة كبيرة».

ومع الانغلاق الكلي لدائرة الأزمات حول عنق المواطن، الذي بات الضحية الوحيدة للحرب والإغلاقات، يراوح سؤال الحل مكانه بين الحرب والجائحة والانشغال الدولي بمواجهتها.

المزيد من بوابة الوسط